العنوان مواجهات غزة بين حماس وسلطات عرفات خطوة باتجاه الصدام الشامل
الكاتب عماد عبدالرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1995
مشاهدات 64
نشر في العدد 1164
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 29-أغسطس-1995
في مشهد أعاد للأذهان أحداث مسجد فلسطين في قطاع غزة قبل نحو عام والمواجهات الشعبية في بدايات الانتفاضة الفلسطينية، امتشق أفراد الشرطة القادمين من وراء البحر لحماية الحلم الفلسطيني أسلحتهم وبحركات استعراضية باتت مشهدًا مكرورًا في المواجهات مع الإسرائيليين، أطلقوا نيران بنادقهم في الهواء قبل أن تنخفض فوهات البنادق باتجاه المتظاهرين الذين شكلوا سدًّا بين أفراد الشرطة ومقاتلين من حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، تحصنوا داخل منزل في حي الشيخ رضوان أحد معاقل حركة «حماس» القوية في غزة.
وكان المئات من أفراد الشرطة داهموا منزلًا في الحي الفلسطيني، قالوا: إن مقاتلًا فلسطينيًا يدعى وائل نصار، وهو أحد نشطاء مجموعات عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة «حماس» خطط لتنفيذ هجوم مسلح ضد تجمعات الإسرائيليين في مدينة تل أبيب يتحصن فيه، وحسب شهود عيان، فإن المقاتل رفض الاستسلام، فيما اندفع الشبان الفلسطينيون إلى الشوارع لحماية نصار ورفاقه.
وحسب المصادر الفلسطينية فإن عددًا من عناصر الشرطة الفلسطينية أصيبوا بجراح جراء رشقهم بالحجارة من قبل أهالي الحي، كما أدى إطلاق النار في المنطقة بين المسلحين المحاصرين ورجال الشرطة إلى إصابة بعض رجال الأمن.
نهاية سلمية للحصار وتأزم جديد
بعد خمس ساعات من المشاورات التي شارك فيها أعضاء في حركة «حماس»، وضباط فلسطينيون انتهت الأزمة سلميًّا، وقال مراقبون: إن السلطة الفلسطينية لم ترغب بتكرار ما جرى في مسجد فلسطين، مما دعاها لتهدئة الموقف.
ويقضي الاتفاق الذي جرى التوصل إليه باعتقال الشاب وائل نصار لمدة شهر في سجون السلطة، على أن يطلق سراحه في وقت لاحق، فيما تعهدت الشرطة بعدم اعتراض بقية أفراد الخلية الذين تواجدوا مع نصار في المنزل ساعة مداهمته.
وكان قياديًّا فلسطينيًّا هو عماد الفالوجي أمضى عدة ساعات في التحدث مع العقيد موسى عرفات- أحد مسؤولي المخابرات الفلسطينية - قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق بين المطاردين والشرطة لإنهاء الأزمة سلميًّا.
وكانت إسرائيل اتهمت نصار الذي أطلق سراحه بأنه كان يعد لتفجير نفسه في تل أبيب في عملية انتحارية، والمطاردون أعضاء في خلايا عز الدين القسام المسلحة، ويسود الهدوء قطاع غزة حاليًّا.
ويقول مراقبون فلسطينيون: إن انتهاء الأزمة سلميًّا لا يعكس حقيقة الموقف بين السلطة الفلسطينية وأكبر فصائل المقاومة الفلسطينية. وتشير المعطيات إلى أن عوامل الانفجار الكامنة أخذة في الازدياد مع كل فشل تُسجله السلطة في قاعات التفاوض مع الإسرائيليين، وكل نجاح شعبي تسجله «حماس».
فيما يشي مقربون من حركة «حماس»، وقوى المعارضة الفلسطينية إلى أن أحداث مسجد فلسطين كشفت للسلطة خطورة مواجهة الشارع وتحشيده إلى جانب المعارضة، مما استدعى من السلطة العمل على خلق حواجز بين المعارضة الفلسطينية والشارع، ويقول هؤلاء: إن أحداث حي الشيخ رضوان أكدت هذا التوجه
من جانبها أثبتت حركة «حماس» أن الضربات التي استهدفتها في قطاع غزة لم تؤثر على حجم التأييد الشعبي للحركة في القطاع الخاضع للسلطة الفلسطينية، وقد مكنها هذا التأييد من حماية عناصرها وإرغام الشرطة الفلسطينية على التراجع مؤقتًا على الأقل.
ردود فعل إسرائيلية
أثنى رئيس قائمة حركة «ميرتس» اليسارية الإسرائيلية في البرلمان الإسرائيلي ران كوهين على نشاط السلطة الفلسطينية ضد نشطاء حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، والجهاد الإسلامي في قطاع غزة.
وقال كوهين: «يؤسفني أن أقول: إن محاربة رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات لحركة «حماس» أكثر حزمًا من نشاطات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين ضد أفراد حركة «کاخ» الإرهابية اليهودية وضد المستوطنين المتطرفين في الخليل الذين يتطاولون على قوانين الدولة، ويهددون أفراد الشرطة الإسرائيلية».
كما امتدح ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي الشرطة الفلسطينية على هذه الإجراءات، ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العربية عن هؤلاء الضباط قولهم: إن الشرطة الفلسطينية اجتازت اختبار أهلية بعلامة مثيرة للإعجاب، حسب تعبيرهم.
وفي تعقيب له على أحداث حي الشيخ رضوان، قال المعلق الإسرائيلي روني شيكد في صحيفة «يديعوت أحرونوت»: «إن هذه العملية بمثابة رسالة لمقاتلي كتائب عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة «حماس»، بأن ذراع جهاز المخابرات الإسرائيلية «الشاباك» لا تزال موجودة في بناية سكنية في حي الشيخ رضوان في مدينة غزة الخاضعة لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني»، وأضاف المعلق الإسرائيلي المقرب في أجهزة المخابرات الإسرائيلية: أنه يتعين على أفراد عز الدين القسام التصرف بحذر وسرية أكبر داخل معقلهم في القطاع، إلا أن المراقبين الإسرائيليين يعتقدون أن المواجهة لم تصل بعد إلى ذروتها أي إلى مرحلة الصدام المسلح الشامل.
من جانبه امتدح نائب رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية الأسبق غدعون عزرا عملية الشرطة الفلسطينية ضد ناشطي «حماس» في غزة وقال: «إن السلطة الفلسطينية تستحق كل الاحترام، ففي الصور التليفزيونية ظهر بوضوح كيف حارب أفراد الشرطة الفلسطينية رغم معارضة الشارع». وأكد عزرا الذي شغل منصب نائب رئيس جهاز «الشاباك»، إلى ما قبل بضعة أشهر أن الطوق الأمني الذي فرض على قطاع غزة مؤخرًا يدل على وجود تعاون ما بين أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية. وأشار المسئول السابق إلى أن نصار الذي قيل: إنه يدبر لهجوم انتحاري كان متزوجًا مما يعتبر ظاهرة ملفتة للنظر في ظاهرة الانتحاريين من أفراد «حماس»
وقال منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية الأسبق في الأراضي الفلسطينية المحتلة الجنرال دان روتشيلد: إن «ما حدث الشيخ رضوان لم يكن انقلابًا، وإنما عملية مستمرة ومتطورة». وأضاف: «أعتقد أنهم - أي الشرطة الفلسطينية - نجحوا في هذه المرة، وأكد روتشيلد اعتقاده أن حادث الشيخ رضوان سيترك أثرًا على علاقات «حماس» مع السلطة الفلسطينية.. إلا أنه لم يوضح ماهية هذه الآثار.
خلاصة
بعيدًا عن حماسة الإسرائيليين وتحريضهم المبطن، فإن الأمور في قطاع غزة تبدو حسب المعطيات الحالية تتجه نحو الصدام بين قوى ظلت تحاول تجنبه في الماضي، إن برنامج السلطة المقيد باتفاقات أوسلو التي أرغمتها على دفع الاستحقاقات مقدمًا، وأجلت تسليم الإنجازات «إذا وجدت» إلى أجل يحدده الإسرائيليون حسب ظروفهم الداخلية بات ينحى بشدة نحو معارضة برنامج المقاومة الذي تتبناه حركة حماس، وتصر على تنفيذه بغض النظر عن اتفاقات السلطة.
(*) خدمة خاصة لـ «المجتمع» من قدس برس