العنوان مواجهة الظلم الاجتماعي.. أهم قضايا الدعوة إلى الله
الكاتب د. حمدي شعيب
تاريخ النشر السبت 25-مارس-2006
مشاهدات 61
نشر في العدد 1694
نشر في الصفحة 58
السبت 25-مارس-2006
تحدثنا عن قصة الغلام والراهب «أصحاب الأخدود» وألقينا نظرة عميقة عليها وما نأخذه منها من عبر، ثم تحدثنا عن البعد الاجتماعي في مفردات خطاب الأنبياء واليوم نلقي نظرة تحليلية على قصة الخضر مع موسى عليهما السلام.
الخضر عليه السلام ومنهجيته:
تعتمد منهجية الخضر عليه السلام في رحلته التعليمية التربوية لموسى عليه السلام، على البعد الاجتماعي في التربية وكذلك حركته.
وتدير هاتين المنهجيتين الخضريتين الرئيستين:
أولًا: المنهجية التربوية الداخلية:
حيث وضح فيها أبرز خمس مرتكزات في منهجيته التربوية التعليمية التربية الدعاة:
الركيزة الأولى: التربية بالحدث:
وهذا ما نلمحه من مغزى كلمة «فانطلقا»، وتكرارها في بداية الرحلات التعليمية الثلاث.
أي أن التربية لا تكتمل ولا تؤتي أكلها إلا الانطلاق والحركة إلى المجتمع؛ الانطلاق من سر الهواجس الأمنية: الانطلاق والخروج من يق التنفس داخل الغرف المغلقة؛ وما تسببـه حساسية أمنية، وسعال فكري، والانطلاق إلى أجواء نقية وحرية التنفس الفكري الحركي.
فخرج بتلميذه موسى عليه السلام إلى المجتمع، ليدرس الواقع، ويعايش مشكلات ناس الحياتية والاجتماعية: فيقدم الحلول ويمنع الأخطاء.
الركيزة الثانية: التربية بالحركة:
فالاختلاط بالناس ومواجهة الواقع الحركة بين فئات المجتمع باب عظيم من أبواب التربية.
فالفقه لا يؤتاه قاعد بل تصنعه الحركة، لأن الله عز وجل لا يهب نعمة الفقه في المنهج- أي الفهم العميق لآيات الله وسننه في الكون والحياة والمجتمع- إلا للإيجابيين المتحركين الذين يدركون «أن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ من فقيه قاعد حيث تجب الحركة- ففي الآية: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (سورة التوبة آية: 122) ترجح أن المؤمنين لا ينفرون كافة، ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة- على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون- لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة، بهذه العقيدة، وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وفقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة، ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة، هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين! ولكن هذا وهم، لا يتفق مع طبيعة هذا الدين، إن الحركة هي قوام هذا الدين ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به المجاهدون لتقريره في واقع الناس، المندمجون في الحركة العملية به» (۱).
لذا فقد كانت الخطوة الأولى للحبيب صلى الله عليه وسلم القيام بالأمر العظيم؛ وهو الدعوة، وتطليق الراحة والدعة، وذلك استجابة للأمر الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا المدثر قم فَأَنذِرْ﴾ (سورة المدثر آية: 1- 2).
الركيزة الثالثة: التربية بالمعايشة:
فالانطلاق الخضري مقصود، والتجربة مقصودة، والخطأ مقصود، وقلة عدد الرحلات مقصود أيضًا.
فالمهم في منهجية الخضر عليه السلام؛ هو كيفية تلقين المعلومة والدرس، ثم الاستفادة بنها وتطبيقها؛ فخير الأعمال أدومها وإن قل.
الركيزة الرابعة: الحرية:
لقد أخذ الخضر على موسى عليهما لسلام شرطًا غريبًا: وهو ألا يسأله حتى يخبره، ولعله كان يريد تعليمه درسًا آخر: وهو الصبر.
ولكن موسى عليه السلام، لم يلتزم الشرط الحكمة ربانية- وظل يسأل ويعترض في كل رحلة.
ورغم ذلك ظل الخضر عليه السلام يواصل رحلاته ودروسه حتى تكتمل.
وفي هذا رسالة للمربين بأن يسمحوا لحرية السؤال والاعتراض.
الركيزة الخامسة: الاستقلالية:
لقد كان الفراق بين الخضر وموسى عليهما السلام مقصوداً أيضًا!!
لقد كانت رسالة خضرية تربوية رائعة!!
فبعد الدروس القليلة المعبرة، من خلال التحرك والمعايشة بين المربي وتلميذه: لابد من فراق!
لابد أن يفارقه ليستقل بما تعلمه- ولو كان قليلًا- وينطلق حرًا.
فإلى متى سيظل علمه ومنهجه بلا وريث بنشره؟!
ثانيًا: المنهجية الحركية في الخروج إلى الناس:
لقد كان أبرز ما فيها- وهي التي تهمنا في قضية اليوم- هي اهتمامه وتركيزه التام على أبواب عصره التي تهدد الناس في معاشهم.
وكان من أولويات ما يشغله حركيًا، عندما يخرج بتلميذه موسى عليه السلام؛ هو البعد الاجتماعي: أي مواجهة القضايا الاجتماعية الحياتية.
فركز جهده، وانشغل بما يهم الناس في حياتهم اليومية.
ولم يك يهمه أن يقول لموسى عليه السلام خلاصات علمه وفكره المتميز: والذي يسافر إليه، ويقصده قمم الفقه والعلم والتربية: في مثل حجم موسى عليه السلام.
وتدبر أبرز مشكلات هذا العصر: والتي شغلت الخضر عليه السلام وجعلته يستغلها في منهجيته التربوية التعليمية لموسى عليه السلام، ليرثها وينقلها لأتباعه، ثم للدعاة على مختلف العصور والدهور.
لقد تمثلت المشكلات في:
(۱) مشكلة فقراء السفينة أمام بطش الملك الغاصب.
(۲) مشكلة الابن العاق وحيد والديه.
(۳) مشكلة الأيتام على موائد اللئام والغريب أن المشكلات الثلاث لو رتبناها وجمعناها: لوجدناها تنحصر في قضيتين اثنتين في غاية الأهمية في كل عصر ومصر.
وليت الدعاة يتأملونها فيتبنونها على طريق الإصلاح والنهوض الحضاري والخروج العملي إلى الناس.
وتتعمق هذه الأهمية كذلك حينما تربطها إلى بقضية اليوم:
القضية الأولى: قضية مواجهة الظلم الاجتماعي:
أو هموم لقمة العيش، فكان أول ما شغله هو ما يهدد لقمة عيش الفقراء، والممثلة في الرحلة الخضرية التعليمية الأولى: وكيفية حل أزمة الملك الظالم الغاصب لكل سفينة؛ أي كل مصادر الرزق للفقراء الكادحين.
وكان الأروع هو كيفية مواجهته للمشكلة لقد واجهها الخضر عليه السلام: بطريقة غاية في الذكاء وبعيدًا عن أي استعراض للقوى، والبعد عن حب الصدام، وعدم افتعال المواجهة، وتجنب إثارة حفيظة الخصوم؛ خاصة إذا كانوا أقوياء، تميل بهم ومعهم موازين القوى.
وهو درس خضري تربوي آخر، في فقه المواجهة.
وهو أيضًا: درس خضري إداري في فقه إدارة الأزمة.
القضية الثانية: قضية المشكلات الأسرية أو الجبهة الداخلية:
والممثلة في أحداث الرحلتين الخضريتين: الثانية والثالثة: سواء مشكلة الابن العاق أو مشكلات الأيتام المساكين، في مجتمع لا يأبه لهم، ولا يعنيه شريحتهم الضعيفة.
وكم من تساقطات للدعاة قبل عامة الناس، يكون من أبرز أسبابها: سببان رئيسان:
(1) الخلل في جبهتهم الداخلية: خاصة الأبناء.
(۲) الخوف على مستقبل أولادهم من بعدهم.
وتدبر عمق خطر أي خلل في جبهة الدعاة الداخلية: في القصة التي رواها الفاروق رضوان الله عليه:
«وَكُنَّا تَحَدَّثَنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعَلُ النِّعَالَ لِغَزُونَا فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ عِشَاءُ فَضَرَبَ بابي ضربًا شديدًا.
وَقَالَ: أَنَائِمُ هُوَ؟
فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ.
قُلْتُ: مَا هُوَ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟!
قَالَ: لا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ- وفي رواية أهول* طَلقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم نساءَه.
قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةً وَخَسِرَتْ كُنْتُ أَظُنُّ أنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ (٢).
فتأمل هذا الصحابي الجليل- وهو الجندي المجهول التي لا يذكر الحديث اسمه- وهو يعود هلعًا إلى صاحبه عمر رضي الله عنه، أثناء نوبته لمتابعة آخر أخبار الوحي، فيضرب بابه ضربًا شديدًا، ثم يستغرب نوم عمر رضي الله عنه، والكارثة تكاد تطيح بهم جميعًا رضوان الله عليهم.
لقد كان في ميزانه الراقي الأولويات الخطر أن أي خطر يمس بيته صلى الله عليه وسلم هو أهول وأعظم، وأطول من أي خطر لغزو خارجي.
الاختلاط بالناس ومعايشة الواقع من أعظم أبواب التربية.
الهوامش:
(۱) في ظلال القرآن: ۱٧٣٤سيد قطب 11/ 1735.1734 بتصرف.
(۲) رواه البخاري -كتاب المظالم والغصب (۲۲۸۸)، ورواه مسلم- كتاب الطلاق (۲۷۰۷) والترمذي- تفسير القرآن (٣٢٤٠) ورواه أحمد- مسند العشرة المبشرين بالجنة (۲۱۷).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل