; موازين الآخرة | مجلة المجتمع

العنوان موازين الآخرة

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

مشاهدات 76

نشر في العدد 782

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 09-سبتمبر-1986

إن «موازين الآخرة» تختلف تماما عن «موازين الدنيا» ذلك لأن أهل الدنيا يقيسون الأمور بما يرون من أشياء ملموسة محسوسة أمامهم في الدنيا، وليست مخفية عنهم، بينما «موازين الآخرة» تقاس بأمور من الغيب لها علاقة بالآخرة. فالربح الدنيوي قد لا يعني ربحًا في موازين الآخرة وكذلك الخسارة قد لا تعني خسارة بل ربما تعني قمة الربح وكذلك الهزيمة والنصر والموت والحياة والسعادة والتعاسة والقوة والضعف، والكثرة والقلة والظلام والنور والموت والحياة، والعزة والذل والغنى والفقر.. وهكذا.

لذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يربي الصحابة رضي الله عنهم على موازين الآخرة.

المفلس يوم القيامة:

وبينما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- جالسًا بين الصحابة رضي الله عنهم وإذا به يسألهم «أتدرون من المفلس؟» قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع وهذا هو الميزان الدنيوي للمفلس، ولكن ميزان الآخرة يختلف عن ذلك فليس للمال دخل بتحديد قضية الإفلاس والغنى لذلك رد عليهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- قائلا: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار»(1) فلم تنفعه تلك الأعمال الكثيرة من الصلاة والصوم والزكاة بما عارضها من أعمال الشر والظلم.

الربح والخسارة:

وكان الصحابي الجليل صهيب الرومي من الميسورين في مكة وفي هجرته استولى كفار قريش على جميع ما يملك، ومع ذلك نسمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول له عندما قدم من مكة مهاجرًا «ربح صهيب»(2).

فصهيب في «ميزان الآخرة» يعتبر رابحًا لأنه باع دنيا زائلة بآخرة باقية، بينما في میزان الدنيا الضيق يعتبر من الخاسرين؛ لأنه باع ملموسًا محسوسًا بغيبي لم ير.

الغنى والفقر:

وكما ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثلا عن المفلس الحقيقي كذلك نراه يعلم الصحابة رضي الله عنهم ميزانًا آخر من موازين الآخرة وهو ما يتعلق بالغنى والفقر فيقول -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»(3).

يقول ابن بطال: «معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال؛ لأن كثيرًا ممن وسّع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس وهو من استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد، ولا ألّح في الطلب، فكأنه غني»(4).

لا يقبل إلا من الأغنياء!

ولشدة وضوح هذا الميزان عند الزاهد الصدوق إبراهيم بن أدهم(5) كان لا يقبل هدية ولا صدقة إلا من اتصف بالغنى في ميزان الآخرة، فمما جاء في ترجمته أن رجلاً قال له: «هذه جبة أحب أن تقبلها مني فقال: إن كنت غنيًّا قبلتها، وان كنت فقيرًا لم أقبلها قال: أنا غني. قال: كم عندك؟ قال: ألفان. قال: تود أن تكون أربعة آلاف؟ قال: نعم. قال: فأنت فقير، لا أقبلها منك»(6).
هكذا كانوا يعيشون في الدنيا، وهكذا كانوا يتعاملون مع الناس، وكان يأبى أحدهم أن يكون عبدًا للموازين الدنيوية المتغيرة الزائلة، ويلجأون دائما إلى «موازين الآخرة» كي يستقيم سيرهم في الدنيا ولا ينحرف حتى يصلوا بسلام إلى دار الآخرة.

_____________
(1) مسلم 2581 كتاب البر والصلة.

(2) الحاكم وصححه الألباني - فقه السيرة 166.

(3) البخاري - الفتح 6446.

(4) الفتح 11/272.

(5) قال ابن حجر: صدوق من الثامنة التقريب 1/31.

(6) البداية والنهاية 10/138.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1047

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 32

132

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

الجهاد ماض إلى يوم القيامة