العنوان مواقف خالدة.. عمر بن الخطاب
الكاتب بابكر العوض العبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1978
مشاهدات 84
نشر في العدد 397
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 30-مايو-1978
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد؛ فيسعدني أن ألتقي بك أيها القارئ الكريم مع عمر بن الخطاب ومواقفه الخالدة:
1- عمر الذي كان إسلامه فتحًا وهجرته نصرًا وكانت إمارته رحمة.
2- مع الفاروق القائل: لست أدع أحدًا يظلم أحدًا حتى أضع خده على الأرض.
3- عمر أمير المؤمنين الذي وضع قانونًا للجيش ليحفظ كرامة المرأة عندما كتب للأمراء- لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر-.
▪ عمر بن الخطاب مع مواقفه الخالدة
1- عمر منذ ولد إلى أن ولي الخلافة: ينتهي نسب عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى إلى كعب بن لؤي القرشي العدوي.
اشتهر بنو عدي بالشرف والمجد ولهم مواقف مشهورة في الإسلام منهم- زيد بن عمرو بن نفيل الذي رفض عبادة الأصنام في الجاهلية والتزم الحنيفية وابنه سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة وخالد بن حذافة الذي ولي قضاء مصر في عهد عمرو بن العاص.
نشأته:- روى الطبري أن عمر ولد بمكة بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة ونشأ نشأة عالية فكان مثال الفصاحة والبلاغة والصراحة في الحق، وكان في صغره يرعى الغنم لأبيه ثم احترف التجارة يختلف فيها إلى الشام، وهو من الرهط الذين انتهى- إليهم الشرف في الجاهلية وكانت إليه السفارة، وذلك أنهم كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوه سفيرًا وكان عمر عزيز الجانب محترمًا بين قومه قوي الشكيمة شديد البأس.
إسلامه:- أسلم في السنة الخامسة للدعوة وقيل السادسة وكان لإسلامه أثر كبير في ظهور الإسلام إذ أبى إخفاء شعائره الدينية لاعتقاده أنه لم يكن بين القرشيين من يجرؤ على معارضته وقد آثر عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «اللهم أعز الإسلام بأحد هذين الرجلين يعني عمرو بن هشام- أبو جهل- وعمر بن الخطاب، وروى ابن الأثير عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: «كان إسلام عمر فتحًا وهجرته نصرًا وكانت إمارته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي في البيت فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا».
كان عمر يعارض الدعوة الإسلامية معارضة شديدة في مبدأ الأمر ولكنه ما لبث أن صار من أتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- المتفانين في نشر الإسلام. وهاك ما رواه ابن هشام عن إسلامه.
عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: «خرج عمر متقلدًا بالسيف فوجده رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا.
قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ فقال له عمر ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه: قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر: إن أختك وختنك- زوج أختك- قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه فمشي عمر ذامرًا متهددًا حتى أتاهما ومعهما رجل من المهاجرين يقال له- خباب- فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت فدخل عليهما فقال: ما هذه الهينمة- الكلام الخفي الذي لا يفهم- التي سمعتها عندكم؟
قال: وكانوا يقرؤون سورة طه- فقالا: ما عدا حديثًا تحدثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتما فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عمر على ختنه فوطئه وطئًا شديدًا فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها- ضربها- نفحة بیده فدمى وجهها، فقالت: وهي غضبى: أرأیت يا عمر إن كان الحق في غير دينك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فلما يئس عمر قال: اعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه وكان عمر يقرأ الكتب فقالت له أخته إنك رجس نجس- ولا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14)، فقال عمر: دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لك ليلة الخميس اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام فقال خباب إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الدار التي في أصل الصفا فانطلق عمر حتى أتى الدار قال: وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما رأى حمزة وجل الناس من عمر، قال حمزة: نعم هذا عمر فإن يرد الله بعمر خيرًا يسلم ويتبع النبي- صلى الله عليه وسلم- وإن يكن غير ذلك يكن قتله علينا هينًا والنبي- صلى الله عليه وسلم- داخل يوحى إليه، قال: فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله- يعني بك- من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة- اللهم هذا عمر بن الخطاب- اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب فقال عمر أشهد أنك لرسول الله ثم قال اخرج يا رسول الله».
وعن ابن العباس قال: «سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سميت الفاروق قال أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى فما في الأرض نسمة أحب إلي من نسمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلت: أين رسول الله؟، فقالت أختي: هو في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم فقال حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب.
قال: فخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى لقيه بالحجرة- فأخذ بمجامع ثيابه ثم هزه هزة فما تمالك أن وقع على ركبته، فقال: ما أنت بمنته يا عمر قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
قال: فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قال فقلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟، قال: بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم، فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن فأخرجناه في صفين حمزة في أحدهما وأنا في الآخر له كديد ككديد الطحين، الكديد: التراب الناعم فإذا وطئ ثار غباره.
أراد أنهم كانوا في جماعة وأن الغبار كان يثور من مشيهم كغبار الطحين- حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلى قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ- الفاروق-».
▪ هجرته إلى المدينة:-
روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما علمت أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يديه أسهمًا واختصر عنزته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا ثم أتى المقام فصلى متمكنًا ثم وقف على الحلق واحدة واحدة وقال لهم شاهت الوجوه لا يرغم الله إلا هذه المعاطس من أراد أن تثكله أمه ويوتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي، قال علي فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه.
الحاكم العادل:- شعر عمر- رضي الله عنه- بثقل الأمانة التي ألقيت على عاتقه فعاهد الله والمسلمين أن يكون بالرعية رحيمًا عادلًا وذلك في أول خطبة له بويع أميرًا للمؤمنين وكان مما قاله في ذلك الموقف- إنما أنا ومالكم هذا كولي اليتم إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف- ولن أشق عليكم فأجمركم في الثغور- ولست أدع أحدًا يظلم حتى أضع على خده على الأرض وقدمي على الخد الآخر حتى يذعن للحق.
فتح القدس:- حين ضرب الجيش الإسلامي الحصار على مدينة القدس، وأبى بطريقها تسليمها إلا للخليفة نفسه حضر عمر- رضي الله عنه- فتلقاه أمراء الجيش وقادته خارجها واتفقوا معه أن يستبدل ثوبه وركوبه فقدموا له ثوبًا أبيض وبرذونًا بغلًا- مما غنموه من الروم فأصلح من شأنه واعتلى ظهر البرذون فأخذ البرذون يختال به فصاح عمر- أقيلوني- أرفعوني أقال الله عثرتكم لقد سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر» ثم نزل وعاد إلى ثوبه وناقته ولما تقدم الجيش وعلى رأسه عمر أطل- البطريق- من مكان عال فلمحه فنزل وفتح الأبواب ودخل المسلمون المدينة وحين أدركتهم الصلاة في كنيسة القيامة صلى عمر خارجها رغم إلحاح البطريق أن يصلي داخلها ولكنه أبى مخافة أن يتخذ المسلمون ذلك ذريعة للاستيلاء عليها بعده.
اهتمامه برعيته: عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: «خرجت مع عمر إلى السوق فلحقته امرأة شابة فقالت يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك صبية صغارًا والله لا ينضجون كراعًا ولا لهم زرع ولا لهم ضرع وخشيت لهم الضيع وأنا ابنه: خفاف بن إيماء الغفاري وقد شهد أبي الحديبية مع النبي- صلى الله عليه وسلم- فوقف معها عمر ولم يمض وقال: مرحبًا بنسب قريب ثم انصرف- إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار فحمل عليه- غرارتي - الغرارة هي العدل من صوف أو شعر ملاهما طعامًا وجعل بينهما نفقة ثم ناولها خطامه فقال اقتاديه فلن يفنى هذا حتى يأتيكم الله بخير فقال رجل يا أمير المؤمنين أكثرت لها فقال عمر: ثكلتك أمك والله لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصر حصنًا زمانًا فافتتحاه ثم أصبحنا نستفئ سهمانهما فيه» (تفرد به البخاري).
روى ابن جرير أن عمر بينما هو يطوف ليلًا يتفقد أحوال رعيته سمع امرأة تقول:-
تطاول هذا الليل وأسود جانبه
وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فلولا حذار الله لا شيء مثله
لزحزح من هذا السرير جوانبه
فقال عمر مالك؟ قالت أغزيت زوجي منذ أشهر وقد اشتقت إليه فقال: أردت سوءًا قالت: معاذ الله فقال: فاملكي عليك نفسك فإنما هو البريد إليه، فبعث إليه ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فافرجيه عني؟ كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت قال: فإن الله لا يستحي من الحق فأشارت بيدها- ثلاثة أشهر وإلا فأربعة أشهر فكتب عمر: لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.
وإلى اللقاء في حلقة قادمة لنتابع معًا سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مواقفه الخالدة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل