العنوان موضوع الغلاف: الانتفاضة الفلسطينية .. هل تتفجر من جديد؟
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أغسطس-1996
مشاهدات 54
نشر في العدد 1212
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 13-أغسطس-1996
- ٥٠ ألفًا خرجوا في نابلس يهتفون ضد السلطة والأجهزة الأمنية «العميلة».
- حماس: بداية انتفاضة شعبية ضد السلطة وأحداث طولكرم تفضح دورها اللا وطني.
- لأول مرة منذ دخول السلطة.. الفلسطينيون أعلنوا الإضراب في نابلس والسلطة ردت بفرض حظر التجول في طولكرم
- حجارة الانتفاضة تتحول ضد السلطة.
- من مداهمات الشرطة الفلسطينية لمؤيدي حماس.
- الشرطة الفلسطينية في شوارع غزة ضد من؟
يوجد على جسد المريض آثار التعذيب، حروق طولية في مختلف أنحاء الجسد، علامات حروق بالسجائر وبالأسياح الملتهبة، بالإضافة إلى كسر في الجمجمة ونزيف حاد في جذع الدماغ جرّاء ضربة قوية على الرأس، المريض يعاني من حالة موت دماغي كامل، حروق بأعقاب السجائر وماء النار وأسياخ اللحم المحماة بالنار، حرف S مكتوب على جسد محمود الجميل باللغة الإنجليزية تمت كتابته بالنار، ضرب بأسلاك الكوابل وآثارها واضحة جِدًّا ...
هذه المقاطع من التقرير الطبي حول التعذيب الذي تعرض له المعتقل محمود الجميل، كان يمكن المرور عليها مرور الكرام رغم فظاعتها وبشاعتها لو أن الجاني الذي ارتكب جريمة التعذيب التي أدت إلى الوفاة كان من سلطات الاحتلال الصهيوني، فلا أحد ينتظر من جلادي الاحتلال سوى القمع والتنكيل دون رحمة، أما أن يكون الجاني الذي ارتكب جريمة التعذيب البشعة هذه فلسطيني ينتمي إلى سلطة تدعي أنها «وطنية»، وأنها جاءت لتخليص الشعب الفلسطيني من ظلم الاحتلال ووحشيته، فهو آخر ما كان يتوقعه أكثر الفلسطينيين تشاؤمًا، وهو ما دفع صحفيًّا إلى طرح ما أسماه بالسؤال الكبير:« ما الفرق بين ممارسات الشاباك - جهاز المخابرات الإسرائيلي - وممارسات أجهزة السلطة الأمنية؟».
خلال أقل من أسبوع واحد سقط ثلاثة فلسطينيين قتلى بأيدي قوات السلطة الفلسطينية «الوطنية»، الأول ينتمي لحركة فتح وتوفي في زنازين «السلطة الوطنية» في مدينة نابلس من جرّاءِ التعذيب
والثاني ينتمي إلى حركة حماس، وأستشهد أمام سجن طولكرم حينما أطلقت قوات الشرطة الفلسطينية النار على عائلات المعتقلين لتفريقهم، فقتلت إبراهيم حدايدة وجرحت العشرات.
أما الثالث فهو فلسطيني لا ينتمي إلى أي فصيل سياسي ويدعى علي الزبون، أستشهد في مدينة بيت لحم نتيجة إطلاق النار عليه من قِبل أحد أفراد الشرطة الفلسطينية، وادعى قائد منطقة بيت لحم أنه قتل خطأ، وأن الشرطة تتحمل المسؤولية.
السلطة الفلسطينية لا تفرق حين تطلق رصاصها بين فلسطيني وفلسطيني، بين حمساوي وفتحاوي، فهي تخوض معركة ضد جميع أبناء شعبها على حد سواء، وهو ما دفع جماهير الشعب الفلسطيني بجميع توجهاته للخروج في مظاهرات عارمة في نابلس وطولكرم، وهي تهتف ضد السلطة وأجهزتها الأمنية التي وصفتها بالعميلة.
●٥٠ ألفًا في وداع الشهيد:
خمسون ألفًا خرجوا في مدينة نابلس في أعقاب الإعلان عن وفاة محمود الجميل تحت التعذيب بأيدي جلاوزة السلطة، وكان القاسم المشترك بينهم جميعًا التعبير عن سخطهم على سلطة تقتل من تدعي أنهم أبناؤها، وعدة مظاهرات جماهيرية أخرى خرجت بعد يوم واحد في مدينة طولكرم، تعلن رفضها للاحتلال الجديد الذي جاء يلبس ثوبًا فلسطينيًّا، ولكنه لم يختلف كثيرًا عن احتلال الصهاينة، والأوضاع في المدن الفلسطينية ولعدة أيام لم تكن تختلف عما كانت عليه أيام الانتفاضة ضد الاحتلال حينما كانت في أوجها وعنفوانها، ولأول مرة أعلن الفلسطينيون الإضراب في نابلس الخاضعة للسلطة الفلسطينية.
السلطة الفلسطينية العتيدة التي اعتقدت أنها نجحت في تدجين الشعب، وتكميم الأفواه بممارسات أجهزتها القمعية، فوجئت بحجم ردة الفعل الشعبية، فلجأت إلى نفس إجراءات الاحتلال، حيث أعلنت نظام حظر التجول في مدينة طولكرم، وحوَّلت مدينتي نابلس وطولكرم إلى ثكنتين عسكريتين بعد أن استدعت قوات شرطة إضافية تُعد بالآلاف، ثم خرج مسؤولو السلطة يعلنون بعد ذلك في نشوة وفرح غامر أنهم نجحوا في السيطرة على الأوضاع، وفرض الأمن مجددًا في المدينة، وما كان لهم أن يحققوا هذا الإنجاز لولا تعاون سلطات الاحتلال التي سارعت على الفور إلى إغلاق جميع مداخل طولكرم وأعلنتها منطقة مغلقة يمنع الدخول أو الخروج منها إلا لقوات الشرطة الفلسطينية.
الأوضاع في المدن الفلسطينية الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية - وكما وصفها مراقبون - تشهد حالة من الفوضى والغليان، والبعض يرى أن الأمور وصلت حدًا لا يُطاق وأنها توشك على الانفجار، وفي ظل هذا التأزم بدأ التساؤل عن إمكانية قيام انتفاضة شعبية جديدة ولكن ضد السلطة الفلسطينية هذه المرة وليس ضد الاحتلال.
لم يستطع المسؤولون العسكريون الإسرائيليون إخفاء شعورهم بالقلق والتخوف مما آلت إليه الأوضاع في مناطق سلطة الحكم الذاتي، فهم وإن كانوا يتمنون نشوب حرب طاحنة بين السلطة الفلسطينية والقوى السياسية المعارضة وفي مقدمتها حركة حماس، فإنهم يبدون حذرًا واضحًا من مواجهة شاملة بين السلطة والشعب الفلسطيني خَشْيَة تطور الأوضاع باتجاه لا يخدم المصالح الإسرائيلية.
فالإسرائيليون يسعون إلى أن تكون السلطة ضعيفة في مواجهة شروطهم وإملاءاتهم كي تستمر في تقديم التنازلات التفاوضية، ولكنهم يريدونها في نفس الوقت سلطة قوية في مواجهة حركات المقاومة الفلسطينية، ولذلك لم يترددوا في السماح لها بتضخيم أجهزتها الأمنية حتى أصبح عدد أفرادها نحو ٣٠ ألفا يشكلون ما نسبته 2% من مجموع سكان المناطق المحتلة في الضفة والقطاع.
الأوساط الإسرائيلية عبّرت عن قلق الجيش الإسرائيلي من تطور الأحداث في مدن الضفة خلال الأيام الماضية، وقالت: إن أجهزة الدفاع الإسرائيلية تخشى من تصاعد حدة المواجهات بين السلطة والشعب الفلسطيني، خاصة في ظل قيام حركة حماس بتصعيد خطابها الإعلامي ضد السلطة.
فقد أصدرت الحركة بيانًا في أعقاب أحداث نابلس وطولكرم شنت فيه هجومًا غير مسبق على السلطة الفلسطينية، ووصفتها ب «العميلة»، وقالت: «إنها ترى في أحداث طولكرم ونابلس بداية انتفاضة شعبية ضد سلطة باعت نفسها للمحتل، وهي ترى في هذه الأحداث دلائل جديدة على أن الشعب الذي قاوم الاحتلال وممارساته لم يعد يحتمل ممارسات السلطة وأكاذيبها..
● فضيحة سلطة عرفات:
وأضافت أن استشهاد إبراهيم حدايدة في طولكرم وجرح العشرات برصاص مليشيات السلطة العميلة؛ ليفضح من جديد طبيعة السلطة وحقيقة دورها «اللا وطني»، ودعت جناحها العسكري - كتائب عز الدين القسام والأجهزة العسكرية للفصائل الفلسطينية الأخرى - إلى الرد على جرائم السلطة الفلسطينية بضرب الأهداف الصهيونية، وقالت: إنها تؤمن بحق الشعب الفلسطيني في مقاومة جلاديه وتحطيم كل القيود التي يحاول الصهاينة وعملاؤهم تكبيله بها تحت شعارات الوطنية وبناء الدولة المستقلة.
وعلى الرغم من محاولة بعض الأوساط السياسية الإسرائيلية التقليل من خطورة الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية واستبعادها لاحتمالات اندلاع انتفاضة شعبية ضد السلطة الفلسطينية، فإن المخاوف الإسرائيلية تبقى قائمة عضو الكنيست الإسرائيلي جدعون عزرا قال: إن على السلطة الفلسطينية أن تصحح بعض تصرفاتها، رغم أنه استبعد قيام انتفاضة فلسطينية.
كلمة «انتفاضة» عادت لتسمع مجدداً في أوساط الشعب الفلسطيني بعد أن تراجع استخدامها خلال العامين الماضيين، وإذا كان البعض يتوقعون اندلاعها مجددًا ضد السلطة الفلسطينية، فإن سياسيين فلسطينيين يرون أن الانتفاضة بدأت بالفعل، وإن كانت تختلف في زخمها وشكلها عن الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الصهيوني، ويعززون وجهة نظرهم هذه بالوقائع التي تكرست خلال العامين الماضيين في ظل سلطة الحكم الذاتي.
فعلى صعيد الاعتقالات فإن ممارسات السلطة - من حيث عدد المعتقلين والأسلوب الوحشي الذي يتبع لاعتقالهم ومداهمة بيوتهم في منتصف الليل - لا يختلف كثيرًا في نظر الكثير من الفلسطينيين عما كانت تمارسه سلطات الاحتلال أيام الانتفاضة، فحملات الاعتقال التي شنتها السلطة في صفوف مختلف القُوَى الفلسطينية ولاسيما حماس لم يتوقف طوال العامين الماضيين، والتعذيب الذي استخدمته أجهزة السلطة القمعية فاق في كثير من الأحيان ما مارسته الأجهزة القمعية لسلطات الاحتلال، أما ظروف الاعتقال في سجون السلطة الفلسطينية فلم تكن أحسن حالاً، بل إنها كانت الشرارة التي فجرت المواجهات في طولكرم بعد أن أضرب المعتقلون في سجن المدينة عن الطعام احتجاجًا على أوضاعهم السيئة وتم نقل بعضهم إلى المستشفيات وهم في حالة خطيرة، مما دفع عائلات المعتقلين التي علمت بالخبر إلى تحدي الشرطة الفلسطينية واقتحام أسوار «باستيل» طولكرم لتحرير أبنائهم المعتقلين.
وعلى صعيد المواجهات بين السلطة والشعب فقد حفل العامان الماضيان بعشرات المواجهات العنيفة سواء كان ذلك في مجزرة مسجد فلسطين التي سقط ضحيتها ۱۳ شهيدًا برصاص السلطة الوطنية، أو في مواجهات الجامعات الفلسطينية، أو في المواجهات المستمرة بين أهالي المعتقلين والأجهزة الأمنية للسلطة، وانتهاءً بمواجهات نابلس وطولكرم التي جاءت تعبر عن حالة الاحتقان والانفصال بين السلطة والشعب.
أما على صعيد الضحايا فقد تجاوز عدد الفلسطينيين الذين قتلوا على أيدي أجهزة السلطة الـ ٢٥ فلسطينيًّا، بعضهم قتل تحت التعذيب في سجون السلطة، كما أصدرت محكمة أمن الدولة التي أنشأتها السلطة عشرات الأحكام الجائرة بحق المعارضين دون أن توفر لهم أية فرصة للدفاع عن أنفسهم.
الناطق الرسمي باسم حركة حماس إبراهيم غوشة توقع اندلاع انتفاضة في مناطق الحكم الذاتي ضد السلطة الفلسطينية، وقال: «إن الأراضي المحتلة الخاضعة لسيطرة عرفات تشهد بوادر انتفاضة شعبية عارمة ضد السلطة الفلسطينية ورموزها في ضوء الجرائم التي تقترفها السلطة ضد المناضلين الفلسطينيين وانتهاكاتها لحقوق الإنسان» وأضاف غوشة «أن هذه الانتفاضة بدأت بشكل واضح في مدن نابلس وطولكرم وبيت لحم تمهيدًا لانتشارها وامتدادها إلى بقية المدن الفلسطينية»، وعلق أحد المواطنين في نابلس على ما جرى في المدينة خلال الأيام الماضية بقوله: «إن نابلس لن تخضع لعرفات كما لم تخضع لنابليون من قبل»، وهو يعبر بذلك عن حالة الغضب التي يشعر بها الفلسطينيون تجاه السلطة الفلسطينية التي قال أحد المحللين السياسيين إنها لم تستطع أن تنتقل من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء السلطة والدولة. وأنها ما تزال محكومة بعقلية المليشيات التي عبر عنها عرفات ذات يوم. بقوله «إنه مستعد لحكم الضفة وغزة، كما تمكن من حكم منطقة الفاكهاني بالحديد والنار في لبنان» الظروف مهيأة - كما ترى كثير من الأوساط السياسية - لتجدد الانتفاضة، وأجواء الإحباط التي سبقت انتفاضة ۱۹۸۷م لا تختلف كثيرًا عنها على مشارف عام ١٩٩٧م.
فسياسيًا: فشلت اتفاقيات أوسلو المتعددة في تحقيق أكثر من حكم إداري منقوص السيادة والصلاحيات على أجزاء مبعثرة وممزقة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبات الفلسطينيون يعيشون «داخل سجن كبير»، كما يرى الأكاديمي الفلسطيني صالح عبد الجواد الذي قال: «إن المجتمع الفلسطيني يعيش حالة قلق وإحباط.
● أو سلو .. هي النهاية وليست البداية:
وقد جاء فوز نتنياهو برئاسة الحكومة الإسرائيلية ليزيد من أجواء الإحباط القائمة، وبات الكثير من الفلسطينيين على قناعة أن أوسلو هي النهاية وليست البداية كما كانت تروج السلطة، فخلال الأيام الماضية اتخذت حكومة نتنياهو - وبموافقة بعض الأطراف العربية، كما أشار مسؤولون في الحكومة الإسرائيلية - قرارًا رسميًّاً باستئناف عمليات الاستيطان وتوسيع المستوطنات القائمة، وطرح وزراء في الحكومة الإسرائيلية خططًا لمضاعفة حجم الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الضعف خلال العامين القادمين، كما أعاد نتنياهو مجددًا تهديداته أن الجيش الإسرائيلي سيدخل إلى مناطق الحكم الذاتي في حال تنفيذ أية عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية، وقال: إن حكومته ستعطي قوات الجيش حرية العمل داخل تلك المناطق ضد خلايا حماس والجهاد الإسلامي من أجل الدفاع عن أمن إسرائيل.
وأمنيا:
لم تنجح السلطة الفلسطينية بأجهزتها الأمنية التسعة في تحقيق أمن المواطن الفلسطيني، بمقدار ما نجحت بتفوق وجدارة في تحقيق أمن المواطن الإسرائيلي، وباتت صورة السلطة الفلسطينية في نظر غالبية الفلسطينيين مجرد أداة في يد سلطات الاحتلال، حيث بلغ التعاون الأمني الاستخباري بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيلية إلى درجة التنسيق الكامل، كما حدث مؤخرًا في قيام جهاز المخابرات الفلسطيني الذي يقوده العميد أمين الهندي، وبناء على المطالب الإسرائيلية بالكشف عن مكان دفن جثة الجندي الإسرائيلي إيلان سعدون الذي اختطفه مقاتلون من حركة حماس قبل عدة أعوام من أجل مقايضة الكشف عن جثته بالإفراج عن معتقلين فلسطينيين.
وتشهد مناطق السلطة تفلتًا أمنيًا واضحًا بسبب الخلافات والصراعات الداخلية بين الأجهزة الأمنية المتنافسة على النفوذ والتي تتسابق على كسب ود الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عبر ممارسة المزيد من القمع ضد حركات المقاومة، وقد باتت هذه الأجهزة الأمنية صاحبة اليد الطولى في السيطرة على الأوضاع داخل مناطق السلطة، وهي تقوم بفرض الإتاوات من أجل تسيير مصالح المواطنين، ووصل الأمر ببعض عناصرها طلب عشرات الآلاف من الدولارات مقابل الإفراج عن بعض المعتقلين، وقد نجح عدد كبير من العملاء الذين كانوا يتعاونون مع سلطات الاحتلال قبل دخول السلطة الفلسطينية في اختراق هذه الأجهزة ووصلوا إلى مواقع مهمة فيها .
- واقتصاديا: تشهد مناطق السلطة انهيارًا شاملاً في مختلف الجوانب، ويتجه الاقتصاد الفلسطيني من سيئ إلى أسوأ، حيث يشهد القطاع الصناعي والزراعي تدهورًا خطيرًا بسبب الحصار وشق الطرق الالتفافية التي قامت سلطات الاحتلال بموجبها بتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، واختارت أفضل الأراضي الزراعية كي تصادرها من أجل إقامة تلك الطرق.
وتعاني مناطق السلطة من غياب كامل للخطط الاقتصادية التي يمكنها النهوض بالوضع الاقتصادي أو تخفيف التدهور على الأقل، فهذه المسألة تأتي في مرتبة متأخرة من اهتمامات السلطة، وغالبية المعنيين بالمسؤوليات الاقتصادية هم من أصحاب رؤوس الأموال والمصالح الاستثمارية، وجلّ اهتمامهم يتركز على خدمة مصالحهم الذاتية، ولا يعنيهم النهوض بالاقتصاد الفلسطيني من قريب أو بعيد.
● فشل السلطة.. الذريع:
لقد فشلت السلطة في تحقيق إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن الفلسطيني وتفتح أمامه آفاق مستقبل أفضل، ولعل الجانب الوحيد الذي نجحت فيه السلطة هو الالتزام الكامل بحذافير تعهداتها لسلطات الاحتلال ونجاحها في بناء قوة أمنية ضخمة قادرة على حفظ أمن السلطة لا الوطن، فكأن الشعب الفلسطيني كان ينقصه أيام الاحتلال المزيد من العسكر وأجهزة القمع ومصادرة الحريات
وإذا كان كثير من المنتفعين راضين عما يجري داخل مناطق السلطة، فإن أوساطًا داخل حركة فتح ذاتها التي تعتبر حزب السلطة وواجهتها الشعبية، باتت ساخطة على ما يجري، فقد أدت سياسات رئيس السلطة خلال العامين الماضيين إلى تفكيك الحركة، كما أن أخطاء السلطة وسلبياتها تقع بشكل مباشر على الحركة المحسوبة على السلطة، ولعله من المفارقات المثيرة للعجب أن المعارضة السياسية الأساسية لتوجهات رئيس السلطة ياسر عرفات داخل ما يسمى بالمجلس التشريعي المنتخب أصبحت معارضة فتحاوية، ومع أن البعض شكك في بداية الأمر في مصداقية هذه المعارضة، وأبدى مخاوف من أن تكون مجرد عملية توزيع للأدوار داخل إطار السلطة، إلا أن العديد من الوقائع أكدت وجود خلافات حقيقية بين عرفات وعدد من رموز وقيادات الحركة التي لم تعد راضية عن ممارسات قيادة السلطة.
● قائد بارز:
وتجدر الإشارة إلى أن محمود الجميل الذي توفي تحت التعذيب على أيدي ضباط الأجهزة الأمنية، كان أحد القادة البارزين للجناح العسكري لحركة فتح الذي كان يطلق عليها اسم «صقور فتح»، وقد عارض هذا الجناح سياسات السلطة تجاه المقاومة الفلسطينية، وخاض صدامات عنيفة معها حينما دخلت إلى مدينة نابلس انتهت بعد أيام بهرب عدد من أعضاء التنظيم إلى مناطق أخرى، في حين تم إلقاء القبض على الجميل وعدد كبير من عناصر التنظيم، ومنذ اعتقاله قبل أكثر من 8 أشهر تعرض الجميل لتعذيب عنيف في سجون السلطة ولم يقدم لأية محاكمة.
والمثير للاهتمام أن الأوساط الرسمية العربية والدولية تبدو كأنها غير معنية بما يجري داخل مناطق السلطة من ممارسات قمعية وانتهاكات لحقوق الإنسان ما دامت السلطة جادة في تحقيق الرغبة الإسرائيلية والدولية في كبح جماح حركات المقاومة الفلسطينية.
وإذا لم تغير سلطة الحكم الذاتي سياساتها في التعامل مع الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقواه السياسية، فإن الأمور ستتجه إلى المزيد من التوتر والصدام والمواجهات التي قد تؤدي - إن لم تكن قد بدأت بالفعل - إلى اندلاع انتفاضة غضب شعبي ضد القمع الفلسطيني، كما اندلعت ضد القمع الصهيوني، وليس في الأفق ما يشير إلى أن السلطة عازمة أو راغبة في مراجعة سياساتها وتصحيح مسارها، فهي مكبلة من جهة بقيود اتفاقاتها الخطيرة مع الصهاينة، ومحكومة من جهة أخرى بأهواء عناصر مخترقة أو ربطت مصيرها بمصير الاحتلال.