; موضوع الغلاف لغز الانتخابات: صعود اليسار.. ومفاجأة القوميين | مجلة المجتمع

العنوان موضوع الغلاف لغز الانتخابات: صعود اليسار.. ومفاجأة القوميين

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 93

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 27-أبريل-1999

الأتراك يقدمون الفضيلة للبلديات

  • واجه حزب الفضيلة ضغوطًا كان يمكن أن تمحو غيره من الوجود.. ومع ذلك حقق أفضل النتائج الممكنة.
  • الناخبون أعطوا ثقتهم في البلديات للإسلاميين لأنهم يبذلون أقصى جهدهم في خدمة الناس.
  • الصوت الإسلامي مشتت بين الأحزاب وهذا سبب عدم ظهور قوته.
  • الحركة الملية حسنت موقفها.. واليسار لم يعد يسارًا في الجانب الاجتماعي ولذلك ذهبت بعض أصوات المتدينين إليهما.
  • هبط حزبا الوطن الأم والطريق القويم بنسبة ١٤% دون أن يتعرضا لـ١% مما تعرض له الفضيلة. 

دخلت تركيا الانتخابات العامة ممزقة وخرجت أكثر تمزقًا.. لم يستطع حزب واحد أن يكسب إلا أقل من ربع الأصوات... وتبعثر الباقي بين الأحزاب، كل ما حدث أن تغير ترتيب الأحزاب فيما يشبه لعبة الكراسي الموسيقية.. وقف الجالس.. وجلس الواقف.. وتبدلت المواقع دون أن تتبدل الأحوال.. مسكين الشعب التركي أم ظالم لنفسه؟ هل هو ضحية الضغوط الهائلة التي تمارس عليه من النظام العلماني والإعلام الاحتكاري؟ أم أنه عنيد متشبث برأيه ولو أدى ذلك إلى استمرار مشكلاته وتفاقمها؟ تقدم حزب اليسار الديمقراطي، وحقق حزب الحركة الملية مفاجأة، وحل الفضيلة في المركز الثالث، وهو الذي كان يؤمل أن يكون الأول أو الثاني، وستنبري الأقلام لتذكر أن الإسلاميين خسروا في تركيا، وأن الشعب قد انصرف عن دعوتهم، فما الذي جرى في الانتخابات التركية؟ وهل خسارة الفضيلة نسبة من أصواته تعني نهاية الحالة الإسلامية في تركيا؟ وأين ذهبت الأصوات؟ ولماذا كسب اليسار؟ وهل الحركة القومية التركية ضد الإسلام؟ وماذا يعني تقدم حزب الفضيلة في البلديات؟

تضافرت عوامل عدة حققت لبوليند أجاويد زعيم حزب اليسار الديمقراطي فرصة العمر في الانتخابات الأخيرة؛ فالمعروف أن أجاويد كان أحد طرفي «مسار ۲۸ فبراير» والمقصود به التآمر على الائتلاف الحكومي الذي كان قائمًا حتى فبراير ۱۹۹۸م، بين أربكان وتشيللر، إذ تعاون أجاويد مع مسعود يلماظ لضرب هذا التحالف، وقد ثارت نقمة شعبية من التيار المحافظ على مسعود يلماظ لما تسبب فيه انهيار التحالف من ضرب لعدد من المشاريع الإسلامية مثل مدارس الأئمة والخطباء، وتفجر مشكلة الحجاب وغيرها، أما أجاويد، فقد زادت فعلته من شعبيته لأنه يأخذ من أصوات اليسار «حوالي ربع الأصوات الانتخابية في تركيا»
 والتي كانت موزعة بينه وبين حزب الشعب الجمهوري «دنيز بايكال». وقد وجد اليسار أن أجاويد أصبح فاعلًا قويًا ومؤثرًا في السياسة ولذا فقد أيدوه على حساب بايكال، بل إنه أخذ أيضًا من قاعدة مسعود يلماظ لأنه الأكثر حظًا في تشكيل الحكومة، ويرى مصطفى أوزجان الصحفي التركي أن أجاويد وإن كان يساريًا في الناحية الاقتصادية فإنه- اجتماعيًا- يعد يمينيًا قوميًا، ولذا فهو يمكن أن يكسب من أصوات اليمين.

ومن أسباب عودة اليسار تشتت اليمين وتمزقه، فاليمين- بما في ذلك الفضيلة الذي يصنف سياسيًا ضمن اليمين- يشكل ٧٠٪ من القوة السياسية، ولو توحد لأمكنه الصمود أمام الحكومة الخفية أو ما يسمونها في تركيا «الدولة العميقة»، ومن ثم فإن من مصلحة القائمين على تلك الحكومة الخفية تمزيق اليمين وتفريقه، ولقد كانت الحكومة التركية على الدوام يمينية، ولم يتمكن اليسار من الوصول إلى السلطة إلا بسبب بعض ألاعيب أحزاب اليمين، ويلاحظ أنه بعد الانقلاب العسكري عام ۱۹۸۰م شجع العسكر اليسار بينما اهتموا بتقسيم اليمين لأن قاعدته كبيرة. وتتحمل تانسو تشيللر بعض المسؤولية على وجه الخصوص بسبب تعنتها في التعامل مع مسعود يلماظ ومنع توحيد اليمين.

 وقد ساهمت وسائل الإعلام في الترويج لأجاويد والتأكيد على أنه الفائز الأول على الرغم من عدم وجود استطلاعات رأي مؤكدة، الأمر الذي هيأ الناخب التركي لمنحه الأصوات الانتخابية. سبب آخر وهو أنه في ظل حكومة أجاويد تم القبض على عبد الله أوجلان «بعبع» تركيا العنيد، وقد كانت فرحة الأتراك غامرة بتحقيق هذا النصر على حزب العمال الكردستاني على الرغم من أن أجاويد لم يكن له فعليًا دور كبير في ذلك.

إسلاميون ساندوا اليسار

بل إن حزب اليسار الديمقراطي حصل على أصوات بعض الإسلاميين خصوصًا أنه عدل لهجته وقدم بعض الرموز الإسلامية على قوائمه، حتى إن مفتي إسكودار- إحدى بلديات إسطنبول- كان من بين مرشحي الحزب وحجة هؤلاء أن أجاويد لم يتورط في فضائح مالية وقضايا فساد، مثلما الحال مع غيره والناس قد ملوا الفساد، ويبحثون عمن يمكن أن يخدم دون أن يحقق منفعة.

وقد أكدت مصادر عدة أن أحد أجنحة جماعة النور «أتباع الشيخ بديع الزمان النورسي»- وهو الجناح الأقوى الذي يتزعمه الشيخ فتح الله- قد دعم أجاويد، وأشير إلى أن المرشح الأول على قائمة أجاويد في مدينة أفيون والمرشح الرابع في ديار بكر هما من المنتمين للجماعة، وأن هناك اتفاقًا بين الطرفين على أن يعطي أنصار فتح الله حزب اليسار أصواتهم في الانتخابات العامة وأن يترك لهم حرية الاختيار بالنسبة للبلديات لكن مصادر الجماعة نفت ذلك لـ«المجتمع» وأكدت أن الجماعة تركت مسألة الانتخابات مفتوحة لاختيار كل شخص حسبما يرى، وهذا يعني أنهم لم يدعموا الفضيلة، وكانت الجماعة تصوت من قبل لصالح الوطن الأم، ويعالج الشيخ فتح الله منذ بضعة شهور في الولايات المتحدة.

وإذا كان النورسيون قد أيدوا أجاويد حقًا فأغلب الظن أنهم انطلقوا في ذلك من مصالح معتبرة، فهم يمتلكون مؤسسات ضخمة في مجالات الإعلام والتربية والاقتصاد، ولا يرغبون أن تتسبب الخلافات السياسية التي لم يصنعوها ولم يشاركوا فيها في تدمير ما صنعوا، وقد وقف اليسار الديمقراطي إلى جانب النورسيين أثناء مواجهة العسكر مع الإسلاميين وكانت مصالحهم معرضة للضياع لولا وقوف أجاويد إلى جانبهم، ولذلك نجد دنيز بايكال رئيس حزب الشعب الجمهوري- الجناح الثاني في اليسار- يهاجم أجاويد ويتهمه بممالأة الجماعة ويسلط هجومه عليها ويطالب بإغلاق مؤسساتها.

أما لماذا يهادن أجاويد النورسيين، فهو يرى أنهم ليس لهم غرض سياسي- على الأقل في الوقت الراهن- وهم يحدون من اندفاعة الشباب نحو الفضيلة، وهو يرى أنه بذلك أحق بأصواتهم بدلًا من أن تذهب إلى الطريق القويم أو الوطن الأم وكلاهما علماني.

ولا تخفي جماعة النور انزعاجها من العمل السياسي لحزب الرفاه ومن بعده الفضيلة بهذا الاندفاع الذي لا تستوعبه طبيعة النظام السياسي التركي كما يرون.

ويقول مصدر كبير في الجماعة- وبالمناسبة فإن الجميع في تركيا لا يرغب في التصريح باسمه فيما يتعلق بانتقاد النظام منعًا لحدوث مشكلات قانونية-: إن الرفاه أخطأ في إظهار هويته الإسلامية لأن ذلك أدى إلى خلق مشكلات للحزب ولغيره، فقد أدى إلى إغلاق الحزب فضلًا عن الحرب على المؤسسات الإسلامية الأخرى، ويضيف قائلًا لـ«المجتمع»: إن الشعب يريد حل مشكلاته، ويضرب مثالًا برجب الطيب أردوغان رئيس بلدية إسطنبول السابق الذي حصل على أصوات أكثر من أصوات حزب الرفاه لأنه قدم خدمات وحل مشكلات والمطلوب التأكيد على هذه الناحية دائمًا. 

ويقول مصدر صحفي كبير في جريدة «زمان» التي يصدرها جناح فتح الله إن أربكان أخطأ في عدة مواقف:
 فقد بدأ عهده في السلطة بزيارات للدول العربية مما أثار «الدولة العميقة»- التي تحكم البلاد من خلف الأحزاب السياسية- وعلى الرغم من أنه وقع على اتفاق مع إسرائيل، إلا أن ذلك لم يشفع له. وعلى الصعيد الإسلامي يحصي المصدر ثلاثة أخطاء مهمة:

أ- فقد ذكر أربكان أن مدارس الأئمة والخطباء هي الحديقة الخلفية لحزب الرفاه مما أثار العسكر وجعلهم يصرون على إغلاقها.

ب- حين سُئل عن النظام العادل الذي كان ينادي به- ويعني به النظام الإسلامي- ومن يحققه قال: إن هناك ثلاثة آلاف «قاضٍ» يدرسون في الأزهر، وهؤلاء عندما يعودون سيطبقون النظام العادل، وهذا أدى إلى سحب الاعتراف بشهادة الأزهر في تركيا وطرد من يحمل هذه الشهادة من وظيفته، والمعروف أن هناك آلافًا من الطلبة الأتراك يدرسون في الجامعات الإسلامية في مصر والسعودية وماليزيا والعراق ولا ينتمون بالضرورة لحزب الفضيلة.

 ج- قبل أن يأتي أربكان إلى السلطة قال: إنه سيجعل رؤساء الجامعات وعمداء الكليات يقفون لتحية الطالبات المحجبات، وقد أدى ذلك إلى منع المحجبات من دخول الجامعة فيما بعد.

ظهور الذنب

لم تكن المفاجأة الأولى في الانتخابات التركية تقدم اليسار، بل تحقيق حزب «الحركة الملّية» القومي الإنجاز الأكبر في حياته وتقدمه إلى المركز الثاني سابقًا حزب الفضيلة، ويمثل هذا الحزب التعصب للقومية التركية، ولم يكن في عهد زعيمه السابق ألب أرسلان توركش من أحزاب المقدمة، وقد تحالف عام ١٩٩١ م مع حزب الرفاه- الضعيف وقتها- ليتخطيا ومعهما حزب ثالث حاجز العشرة في المائة حيث يشترط قانون الانتخابات التركي أن يحصل الحزب على عشرة في المائة من أصوات الناخبين ليكون له تمثيل في البرلمان وإلا ذهبت أصواته إلى الحزب الأول، وقد آلت زعامة الحزب إلى دولت باخجلي عام ۱۹۹۷م بعد خلاف مع تورجرول توركش ابن ألب أرسلان، وقد نحا بخجلي بالحزب- وهو مثقف حاصل على الدكتوراه في الاقتصاد- إلى الاتجاه المحافظ وأصبحت له شعارات إسلامية، وقد نجحت على قوائمه النائبة المحجبة نسرين أونال وهي طبيبة. 

ومن المهم الإشارة إلى أن القومية في تركيا تعني في أحد أبعادها الانتماء الإسلامي، صحيح أنه ليس إسلاميًا مثل الفضيلة، ولكنه الأقرب إلى الإسلام بعده، وقد ساهم أربكان بتحالفه معه في إعادة إحيائه. 

ويعتمد الحزب- الذي يرسم أنصاره بأصابعهم ما يشبه رأس الذئب ويرفعونها عاليًا- في قاعدته على المحافظين والشباب خاصة بعد أن أخرج العناصر المتشددة في القومية والفاسدة، واستقطب بعض «المتتركين» من الأقليات الأخرى التي تعيش في تركيا، وعلم الحزب هو ذاته العلم العثماني مع تغير الأرضية من اللون الأخضر إلى اللون الأحمر الذي هو شعار الجمهورية، ويلاحظ أن القومية في تركيا أقرب إلى ما هو موجود في الجزائر من ارتباط بالإسلام بخلاف القومية في المشرق العربي التي كانت تدعو إلى الخلاص من الرابطة الإسلامية، ويقولون إن التركي قد لا يصوم ولا يصلي ولكن حين يرى شخصًا يفطر في رمضان يدخل معه في معركة وقد اكتسب الحزب أصوات عدد كبير من الشباب الذي يصوت لأول مرة بعد خفض سن التصويت من ٢٤ سنة إلى ١٨ سنة، الأمر الذي أضاف قرابة 4.5 ملايين صوت انتخابي جديد وهؤلاء الشباب سئموا على ما يبدو مناورات الأحزاب الأخرى بما فيها الفضيلة على النحو الذي سيأتي 

الحزبانتخابات 1995
النسبةعدد المقاعد
اليسار الديمقراطي14.7%59
الفضيلة/ الرفاء22%144
الحركة القومية8.2%-
الشعب الجمهوري10.7%53
الوطن الأم19.4%131
الطريق القويم20.5 %119

بيانه. 

انتخابات1999م
النسبةعدد المقاعد
22%136
 15%110
18.3%130
8.5%-
13.4%86
12.585
   

ويلاحظ أن سقوط الاتحاد السوفييتي وانفتاح الشعوب التركية في جمهورياته السابقة على تركيا، وأحداث البوسنة والهرسك، ثم كوسوفا وما لاقاه أهلهما بسبب ما يزعم الصرب من انتمائهم للأتراك والحديث عن خطط تقسيم تركيا وزيادة الشعور القومي الكردي، وتعنت الاتحاد الأوروبي في ضم تركيا إليه.. ذلك كله ساهم في دعم الاتجاه القومي في تركيا الذي صب لصالح هذا الحزب بالشكل الذي حقق به المفاجأة. ويدافع حزب الحركة الملية عن حق النساء والفتيات في ارتداء الحجاب في أماكن الدراسة والعمل، وتتفاوت الآراء حول موقف الجيش من ذلك الحزب، والأغلب أنه أكثر قبولًا لديهم من الرفاه، وهي مسألة نسبية بالطبع لأنهم لا يرونه حزبًا ضد الدولة التي أسسها مصطفى كمال، على عكس نظرتهم للفضيلة باعتباره يمثل في النهاية انقلابًا على النظام الكمالي. 
هل قام الفضيلة بتحجيم دوره طواعية؟

بعض أنصار الفضيلة يؤكدون أن الحزب ربما لم يرغب في تحقيق المزيد من التقدم بعد تجربته السابقة المريرة والتي كان السبب الرئيس فيها تقدمه للمركز الأول، ويقول هؤلاء إن الحزب ترك المسألة للنمو الطبيعي، خاصة وهو يعلم ضغوط العسكر وقلة فرص التغير المتاحة. ولكن ذلك يتناقض مع تصريحات رجائي قوطان رئيس الحزب إبان الحملة الانتخابية حيث كان يؤكد باستمرار أن الحزب سيتقدم ويحافظ على شعبيته.

الفضيلة.. ظروف صعبة

خاض حزب الفضيلة الانتخابات في ظل ظروف صعبة للغاية:

 ١- فالزعيم الحقيقي للحزب- وإن لم يكن ذلك معلنًا أو رسميًا- وهو نجم الدين أربكان ممنوع من العمل السياسي. وبذلك فقد الحزب الزعامة التاريخية له.

٢- كما أن زعيم الشباب- بل أمل معظم شباب تركيا الذي تحول إلى ما يشبه الأسطورة- رجب الطيب أردوغان موجود في السجن.. وقد تم تأخير تنفيذ حكم السجن عليه إلى ما قبل ثلاثة أسابيع فقط من موعد الانتخابات فلا هو قضى مدة السجن وخرج قبل الانتخابات ولا هم تركوه لما بعد الانتخابات، ورجب الطيب له حضور كاسح في إسطنبول التي هي ربع تركيا تقريبًا. 

٣- حزب الفضيلة حزب جديد، وبالرغم من كونه أكبر الأحزاب في البرلمان السابق لهذه الانتخابات، فإنه لم يسبق أن خاض أي انتخابات سابقة وإنما ورث نواب الرفاه، وكونه حزبًا جديدًا يعني أنه لم يحصل على دعم الدولة المقرر للأحزاب السياسية وهذا يؤثر بالطبع على نشاطه، لذلك يقول زعماء الحزب إنه لا يمكن مقارنتنا ببقية الأحزاب، فنحن ندخل الانتخابات لأول مرة، ونحن لم نخسر لسبب بسيط هو أننا لم نكسب من قبل، وهم بذلك يتبرأون من صلتهم بحزب الرفاه ويستشهدون في ذلك بأن بعض نواب الرفاه لم ينضموا إلى الفضيلة. 

ولكن هذا الكلام لا يقنع كثيرًا من الناخبين الأتراك الذين يدركون الصلة الوثيقة بين الحزبين ويرون أيضًا أن أربكان رغم أنه معزول سياسيًا، ما زال الرجل الأقوى داخل الفضيلة، وبالتالي فهم يحملون الفضيلة تبعات سياسات الرفاه، خاصة أن الرفاه لم يصمد أمام ما يعرف بـ«مسار ۲۸ فبراير» حتى حصل الانقلاب الأبيض على أربكان وأطيح به من الحكومة فهو لم يواجه العسكر بالقوة المطلوبة وكان مسالمًا أكثر مما ينبغي ورضي بتنفيذ قرارات العسكر بحذافيرها، هذا الموقف لم يستطع الحزب أن يمسح إلا القليل من آثاره.

٤- حزب الفضيلة خسر جزءًا من شعبيته بسبب المناورة التي لجأ إليها قبل الانتخابات، فقد كان يعلن دائمًا رغبته في إجراء الانتخابات في موعدها في أبريل ولكن الذي حدث أن عددًا من نواب البرلمان السابق أعلنوا العصيان على أحزابهم التي لم ترشحهم في الانتخابات وتحالف معهم نواب الفضيلة في صفقة كان مفادها تأجيل الانتخابات مقابل تعديل المادة ۳۱۲ من القانون بحيث يتم رفع الحظر السياسي عن أربكان، ومنع تنفيذ حكم السجن على أردوغان، ولم تنجح الصفقة لأن العسكر أظهروا العين الحمراء فتراجع النواب الساخطون على الفور وتركوا الفضيلة مكشوفًا في الساحة، وظهر أمام الناس أن الفضيلة يناور مثل الأحزاب الأخرى، وأنه غير رأيه بشأن الانتخابات من أجل كسب موقف سياسي، كما أظهر ذلك الموقف أن الحزب يعتمد بشكل كبير على وجود قيادة أربكان، فهو الذي يتخذ القرارات ويحرك الأحداث من وراء الستار.

ويرى بعض المحللين في تركيا حتى من مؤيدي الفضيلة أن ذلك الموقف قد أضر بالحزب خاصة أن نسبة نجاح المناورة لم تكن كبيرة لعدم اكتمال النصاب اللازم لتعديل القانون، وحتى لو تم تمرير القانون من البرلمان فإن من صلاحيات رئيس الجمهورية تأخير التوقيع عليه لمدة ٤٥ يومًا أو إعادته للبرلمان وفي هذه الحالة تكون الانتخابات قد أجريت. 

كما أن من مضار حركة تعديل القانون أنها أعطت مسوغًا للنائب العام بتقديم شكوى ضد الفضيلة متهمًا إياه أنه امتداد حقيقي لحزب الرفاه «المنحل»، وفي هذه الحالة يجيز القانون حل الحزب الجديد على الفور، ويرى مراقبون في إسطنبول أن احتمالات حل الفضيلة كبيرة وربما تصل في رأي البعض إلى 90%، ولهذه النقطة أيضًا سلبيتها إذ ربما يرى البعض أنه لا فائدة من منح صوته في الانتخابات العامة لحزب قد يتعرض للحل، وهنا درس مهم يجب أن يتعلمه الفضيلة، وهو أن للسياسة مناوراتها، وللمبادئ تبعاتها، وأن الجمع بينهما يضر أكثر مما ينفع.

الحملة الانتخابية للفضيلة 

تركزت الحملة الانتخابية للفضيلة في الانتخابات العامة على الدعوة إلى الحرية والحقوق العامة والعدالة، وفي البلديات كان الشعار: «تستمر الخدمة مع الفضيلة»، وهذا الأخير يقتنع به الناخبون بالفعل ولذلك فضلوا أن يقوم الفضيلة بخدمتهم. وعلى العموم قدم الفضيلة حملة انتخابية جيدة في الأيام الأخيرة وعقد عددًا من المؤتمرات الكبيرة والطريف أن قنوات التلفاز العلمانية التي تؤيد أجاويد كانت تركز في تغطية مؤتمراته على شخصه نظرًا للحضور الضعيف للجمهور في مؤتمراته كما تركز على شخص رجائي قوطان رئيس حزب الفضيلة لتتجاهل الحضور الكثيف للجمهور. أما القناة السابعة المؤيدة للفضيلة فقد كانت تركز على الجمهور في الحالين لأن الأول قليل والثاني كثير.

والمعروف أن حزب الرفاه الذي خلَّفه حزب الفضيلة اشتهر بأن له ۹۰ ألف مندوب انتخابي وأن أسماء الناخبين مسجلة جميعًا على الكمبيوتر ومصنفة إلى فئات: مؤيد- مؤيد محتمل- معارض، وأن مندوبي الحزب كانوا يتابعون حركة الصناديق أولًا بأول، ويعلنون النتيجة التقريبية قبل أن تعلن رسميًا وكان مندوبو الرفاه يمارسون عملية الاتصال الشخصي والحشد بواسطة الاتصال بجميع الناخبين، ولكن في الحملة الأخيرة ركز الفضيلة على العمل العام بشكل أكبر بينما أخذت أحزاب أخرى بالمنهج القديم للرفاه. 

وقد صحبت «المجتمع» علي مفيد مرشح الفضيلة لرئاسة بلدية إسطنبول في جولة انتخابية طويلة، وكان بارزًا أن الفضيلة على مستوى البلدية يجني ثمار ما قدم من خدمات للناس، وحفلت الجولة بعدد من الإشارات في بلد أصبح يحاكم الناس على كل كلمة. كانت بداية الجولة في ميدان أسكودار على الشاطئ الآسيوي للبوسفور، حيث تجمع عدد من أنصار الفضيلة يقدمون الورود التي هي مفاتيح القلوب للمارة مع عدد من الأوراق تتضمن البرنامج الانتخابي وكتيبًا عن إنجازات الفضيلة في البلدية التي هي إنجازات باهرة بحق، وحين وصل المرشح أخذ يصافح الناس ويسلمهم الورود بيده ثم ركب مركبًا عموميًا لينتقل إلى البر الأوروبي، ودار على جميع من في المركب. على الناحية الأخرى من البوسفور بدأ جولته من أمام «يني جامع» في إشارة إلى أن المسلم يبدأ عمله منطلقًا من المسجد، ثم دخل «مصري تشارشي» أي السوق المصري، وهو من الأسواق القديمة المسقوفة أنشئ عام ١٦٦٤م في إشارة إلى الارتباط بالدول العربية، وبدأ بزيارة رئيس جمعية السوق (كان الإمام البنا حين يزور بلدة يبدأ بزيارة كبيرها) ثم مر على أصحاب المحلات الصغيرة، ودخل أزقة وممرات لم نرَ فيها أثرًا لدعاية أي حزب آخر بخلاف الفضيلة، وعلى الرغم من أن علي مفيد لا يحمل الصفات الشخصية لرجب الطيب، إلا انه كان نائبه في البلدية، وقد استفاد من رصيد الطيب، وكانت الدعاية تقول: لو جئنا من جديد فلن يكون أمثال الطيب في السجن.

انقسام الصوت الإسلامي

وفضلًا عن المشكلات التي تعرض لها حزب الفضيلة فإن الصوت الإسلامي ليس محجوزًا بالكامل للفضيلة، بل هو موزع على عدد من الأحزاب:

۱- فهناك حزبا الحركة الملية، واليسار الديمقراطي.

۲- وحزب الوحدة الكبرى أو الاتحاد الكبير الذي يتزعمه محسن يازجي أوغلو المنشق عن الحركة الملية، وهو إسلامي قومي يرفع شعارات إسلامية ونشأته تشابه نشأة حزب السلامة الذي أسسه أربكان قبل الرفاه، وقد واجه العسكر بقوة وقال: «لن نسمح لتركيا أن تتحول إلى سورية» في إشارة إلى الحكم الطائفي.

٣- وحتى الأحزاب العلمانية تستقطب أيضًا بعض الأصوات الإسلامية خاصة من بعض الجماعات الدينية أو الفرق «على حد تعبير الصحفي التركي أحمد قورال لأنها تفرق ولا تجمع» وهي كثيرة في تركيا، وهناك مصلحة مشتركة بين الطرفين فالأحزاب تهمها الأصوات الانتخابية والجماعات تريد تأمين مصالحها ونشاطاتها عن طريق الأحزاب الحاكمة بالفعل، خاصة أن لها موقفًا من الرفاه- الفضيلة، ومن بين هذه الأحزاب على الأخص حزب تانسو تشيللر «الطريق القويم» التي خاطبت الأتراك في  إحدى جولاتها الانتخابية قائلة: «أنا أمينة دينكم» فبدأ النائب العام برفع دعوى قضائية ضدها بحجة استخدامها الدين في السياسة فأنكرت مقولتها، وزادت: «لو ثبت ذلك لأعدمت نفسي في تقسيم»- إحدى مناطق إسطنبول- وقد دارت بينها وبين الصحافة مساجلات حامية خاصة بعد اتهامها للصحافة بالعمالة لأجاويد ويلماظ. 

ويقول مسؤول كبير في إحدى الجماعات الدينية: إن المرء لا يجد حرجًا إذا أعطى صوته لمرشح علماني، فهذه الأحزاب خاصة اليمينية عندها أجنحة إسلامية وفيها أشخاص معروفون بتدينهم وهويتهم الإسلامية وهذا موجود في حزبي تشيللر ويلماظ على وجه الخصوص. وهناك نواب كانوا في الرفاه وذهبوا لهذين الحزبين وهؤلاء يأخذون من أصوات القطاعات الشبيبة المتدينة.

ويضيف هذا المسؤول: في الإحصاءات الأخيرة هناك ٨٥٪ من الشعب التركي يصومون بينما حصل الرفاه في الانتخابات على ۲۲٪ إذن ليس كل من صام أعطى صوته للرفاه «مجرد الصيام في تركيا يعني الالتزام بالإسلام».

هذا هو الواقع التركي. ثم إن المناداة بتطبيق الشريعة غير وارد والقانون يمنع ذلك ولا يستطيع حزب من الأحزاب بما في ذلك الفضيلة أن يطالب بها. ولذلك ينصح ذلك المسؤول حزب الفضيلة بتوسيع سياسة الحزب وترك إبراز الهوية الإسلامية- وهو ما بدأ بالفعل- وتبني تقديم الخدمات أو بمعنى آخر تعميم تجربة بلدية إسطنبول التي حققت للأتراك ما لم يكونوا يتصورونه، فالشعب يريد أشخاصًا نزيهين وحزبًا نظيفًا، يقدم مشاريع تحل مشكلات، أو بعض مشكلات تركيا، لأن الشعب عانى من استغلال النفوذ.

نقطة ارتكاز

مشكلة حزب الرفاه ومن بعده الفضيلة أنه دافع عن الإسلام، ولكن المسلمين عانوا في عهده وبسببه أكثر مما عانوا في عهد الأحزاب العلمانية خلال الخمسة عشر عامًا الماضية، وحتى من يحبون الفضيلة يمكنهم أن يبرروا تخليهم عنه بقولهم: نحن نحبك، ولكن لا نستطيع أن نعطيك أصواتنا لأننا سنعاني معك أكثر مما نعاني مع غيرك. وهذه نقطة ارتكاز أساسية في السياسة التركية، فبينما كان الرفاه يقول: أعطوني أكثر لأغير بكم الأوضاع السيئة، أصبح لسان حال قطاع من الناخبين يقول: لا لن نعطيك، لأن الأوضاع ستزداد سوءًا.
نجاح في البلديات

غطت نتائج الانتخابات البرلمانية على النجاح الكبير الذي حققه حزب الفضيلة في انتخابات البلديات، فقد فاز ببلدية إسطنبول العاصمة التاريخية وأنقرة العاصمة الحديثة، وقونية، وغيرها، بل إنه انتزع بعض البلديات من حزب اليسار الفائز الأول في البرلمان، والمغزى وراء ذلك أن الشعب التركي أدرك أن الفضيلة قادر على تقديم خدمات جديدة في البلديات، ولذلك انتدبه لهذه المهمة، أما البرلمان فله حسابات أخرى. 

ومن بين رئاسة بلديات ۸۰ محافظة تركية، فاز الفضيلة بـ١٧ بلدية، ولم يفز اليسار إلا بـ٧ بلديات.

بعد استعراض الموقف العام للانتخابات التركية من المهم أن نخصص في عدد من الملاحظات:

١- أن من نتائج الانتخابات المهمة سقوط حزب الشعب الجمهوري، وهو الذي أسسه مصطفى كمال ليكون معبرًا عن مبادئه العلمانية، إذ حصل على ٨,٥ ٪ فقط من الأصوات بانخفاض 2.2٪ عن الانتخابات السابقة، وبعد أن كان له ٥٣ نائبًا في البرلمان السابق لن يمثله أحد هذه المرة.

٢- تراجع أصوات حزبي اليمين الطريق القويم والوطن الأم بنسبة ١٤٪ وهذه ضربة قاصمة أكبر مما تعرض له الفضيلة رغم إتاحة الفرصة كاملة أمامهما.

٣- أن حزب الفضيلة- بتراجعه- سيبقى بعيدًا عن الأعين والضغوط وستتاح له الفرصة لالتقاط الأنفاس وتقديم أداء أفضل في البلديات.. ولعله من المهم لمن يقولون إن الإسلاميين لا يعرفون الديمقراطية إلا لتصل بهم إلى كراسي الحكم، أن يروا الفضيلة يقبل بالربح والخسارة، وأن تعلو أسهمه وتهبط.

هل تدخل المحجبات البرلمان؟

فازت محجبتان في الانتخابات البرلمانية الأخيرة إحداهما عن حزب الفضيلة، والثانية عن الحركة القومية، ولا تمنع لائحة البرلمان وجود نائبة محجبة، ولكن إذا تم تعديل اللائحة، فإن الأولى وهي السيدة مروة قاواقجي- مهندسة كمبيوتر- فقد أعلنت أنها لن تخلع الحجاب، ولن تدخل البرلمان، فيما قالت الثانية: إنها ستخلع غطاء الرأس عند دخول البرلمان.

الرابط المختصر :