; فضيحة آية الله ريغان | مجلة المجتمع

العنوان فضيحة آية الله ريغان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-نوفمبر-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 793

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 25-نوفمبر-1986

موضوع الغلاف

فضيحة آية الله ريغان

  • الولايات المتحدة وحلفاؤها يزودون إیران بالأسلحة من أجل ضمان استمرار الحرب في الخليج.
  • جميع الحيثيات والشواهد تنفي مصداقية الولايات المتحدة في التعامل مع من تسميهم أصدقاء!!

قبل أسبوعين أثارت «المجتمع» في أحد مقالاتها فضيحة ريغان.. حيث أعلن على الملأ أن الولايات المتحدة تلعب منذ زمن لعبة سمسار الحرب، كما كشفنا «تحرك الولايات المتحدة للضغط على فرنسا من أجل حل مشكلة ديونها مع إيران، وذلك بتقديم أسلحة لإيران بقيمة هذه الديون البالغة مليار دولار منذ عهد الشاه». وفي العدد نفسه فسرنا هذا التوجه الأمريكي برغبة الولايات المتحدة الأمريكية إشعار دول مجلس التعاون الخليجي بتزايد الخطر الإيراني؛ مما سيدفع دول المنطقة- بحسب التصور الأمريكي- إلى طلب عون البيت الأبيض وطلب الحماية الأمريكية، حتى يكون الباب مفتوحًا أمام قوات التدخل السريع وإقامة قواعد أمريكية في المنطقة تؤمن السيطرة التامة عليها.

وتجيء فضيحة «المصداقية الأمريكية» على لسان ريغان نفسه، الذي أعلن عن تحمله أمام شعب أمريكا كامل المسؤولية في قرار بيع الأسلحة، لتدل على صواب ما ذهبنا إليه في أعدادنا السابقة من أن الولايات المتحدة وحلفاءها دأبوا على تغذية الجانب الإيراني بالسلاح والعتاد منذ مدة ليست قصيرة؛ وذلك لتقوية أحد جانبي الحرب في الخليج على الجانب الآخر، ومن المعروف- تم افتضاح الأمر الآن- أن الإعلام الأمريكي «الرسمي الحر» كان يتستر على فضيحة ريغان معلنًا الحيادية الأمريكية التامة تجاه الحرب، وفيما يلي نقدم لقرائنا ما يدعم الاتجاه القائل بتورط الولايات المتحدة بدعم أحد جانبي الحرب منذ زمن بعيد:

  • فضيحة ريغانجيت:

أوردنا هذا الخبر وهذا التحليل قبل أسبوعين تقريبًا من افتضاح قصة الأسلحة الأمريكية لإيران وتسوية مسألة الديون الإيرانية في فرنسا.

 والآن وبعد أن اتضحت معالم الصفقة الأمريكية الإيرانية، فيما أطلق عليه في أمريكا اسم «ريغانجيت» أي فضيحة ريغان، واتضح- كما تقول التقارير- أن ريغان وقع أمرًا جمهوريًّا من مكتب الرئاسة رفع بموجبه الحظر على بيع السلاح أوتسليمه لإيران، واعترف ريغان نفسه بعد تردد أنه وافق على تزويد إيران بالأسلحة وقطع الغيار، رغم أنها- على حد قوله- محدودة، ووقف جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكي أمام شبكة التلفزيون الأمريكي CBS يعارض هذه الصفقة، ثم يقول إنه لا يتكلم باسم الحكومة الأمريكية. 

الآن يمكن أن نلقي بعض الأضواء على هذه القضية التي أصبحت حديث أجهزة الإعلام.

  • جذور الاتصالات السرية:

الاتصالات السرية الأمريكية مع إيران ليست جديدة، فهناك قضايا مالية وأسلحة مشتراة مدفوعة الثمن منذ عهد الشاه تطالب إیران بها وترفض الولايات المتحدة تسليمها، وقد لجأت إيران إلى محكمة العدل الدولية التي تنظر في هذه القضية منذ 20/1/1981. ولما لم تستطع إيران أن تحصل على أموالها وأسلحتها من محكمة العدل الدولية قامت المنظمات المرتبطة بإيران في لبنان بخطف عدد من الأمريكيين بلغ عددهم سبعة أشخاص، كان ذلك منذ حوالي سنة ونصف؛ فشنت الولايات المتحدة حملة شعواء على ما أسمته بالإرهاب والدول التي تدعم الإرهاب، وطلبت من سوريا أن تتدخل للإفراج عن الرهائن. 

تقول صحيفةلوفيغارو الفرنسية نقلًا عن صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية أن لقاءات سرية تمت بين مسؤولين أمريكيين وآخرين إیرانيين كان من نتيجتها حصول إيران على أسلحة مقابل إطلاق سراح المختطفين الأمريكيين، وتروي الصحيفة قصة الطائرة «دي سي ۸» التي وصلت إلى تبريز محملة بالسلاح، في الوقت الذي أفرجت فيه منظمة الجهاد الإسلامي عن القس الأمريكي «بنيامين وارد» في 14/9/1985 وقيل وقتها إن الطائرة التي كانت متجهة إلى إسبانيا نزلت نزولًا اضطراريًّا في تل أبيب ثم توجهت إلى إيران. 

ويبدو أن الولايات المتحدة دفعت للكيان اليهودي ثمن الأسلحة من حساب الديون الإيرانية على أمريكا.

وتقول الصحيفة إنه في شهر يوليو- «تموز»- من العام الماضي وصلت إلى إيران صفقة أخرى من الأسلحة، في الوقت الذي أفرج فيه عن القس الأمريكي «لورنس مارتن جنكو»، ولم توضح الصحيفة مصدر هذه الأسلحة، واكتفت بالقول إنها تمت عن طريق وسيط من سوق الأسلحة الخاص.

ونشرت صحيفة دانماركية مؤخرًا أن الباخرة مورسو حملت أسلحة في21/10/1986 من ميناء إيلات الصهيوني إلى ميناء بندر عباس بعد تغيير اسمها، وأن الباخرة (سي. ت. هـ)  قامت بأربع رحلات بين إيلات وبندر عباس ناقلة ٣٦٠٠ طن من الأسلحة وقطع الغيار لطائرات (إف - ٤) أساسًا.

هذه الأسلحة التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى إيران بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، تمت بعد اجتماعات عقدها «روبرت ما كفرلين» المستشار السابق لشؤون الأمن القومي في البيت الأبيض مع «ديفيد كيمحي» المدير العام السابق للخارجية الإسرائيلية.

الولايات المتحدة اعترفت بوجود أسلحة مشتراة لحساب الشاه بقيمة ٧٠٠ مليون دولار، وهذا السلاح مكدس في مطار فيلادلفيا، وقد طالبت شركات التخزين طهران مؤخرًا بدفع مبلغ ۳۰ مليون دولار مقابل صيانة الأسلحة.

  • مسرحية ما كفرلين والمتغيرات الإيرانية:

والرواية التي أعلن عنها مؤخرًا بوصول ما كفرلين إلى مطار طهران متخفيًا بجواز سفر إيرلندي حاملًا معه كتاب العهد الجديد وبعض المدافع الرشاشة وكعكة من الشيكولاتة، وأنه طرد من المطار بعد اكتشافه.. هذه الرواية وإن صيغت بأسلوب مسرحي تدل على أن «ما كفرلين» وصل إلى طهران في مهمة تتعلق بتوريد مزيد من الأسلحة وإطلاق مزيد من الرهائن، وبالفعل ففي هذا الوقت أطلق سراح رهينة ثالثة هي «جاكوبسون». واللافت للنظر هذه المرة أن سوريا لم يكن لها دور في إطلاق الرهينة الثالثة، ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة قررت أن تتجه مباشرة نحو طهران، سيما وأن هناك متغيرات داخل السلطة الإيرانية تتمثل في الصراع الدائر بين رفسنجاني من جهة ومنتظري من جهة أخرى، ولقد انعكس هذا الصراع على المنظمات العاملة في لبنان والتابعة لطهران، بعد اعتقال الأخوين هادي ومهدي هاشمي باعتبارهما من أنصار منتظري، الذي ترجع إليه مسؤولية دعمما يسمونه في إيران بحركات التحرر في العالم الإسلامي. ومع بروز نجم رفسنجاني بطل صفقات الأسلحة الأمريكية بدأت الأطراف اللبنانية المتحالفة مع طهران تخفف من انتقادها لحركة أمل، وتنتقد «التمدد الفلسطيني واليساري» في لبنان.

  • ريغان والديمقراطيون:

ومع المتغيرات التي تجري في إيران- والتي تحاول الولايات المتحدة أن تجريها لصالحها بالبحث عن عناصر «معتدلة» يمكن التفاهم معها خاصة في مرحلة «ما بعد خميني»- فإن هناك متغيرات أخرى تجري في البيت الأبيض نتيجة فوز الحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري «ريغان» في انتخابات مجلس الشيوخ الأمريكي، حيث حصل الديمقراطيون على ٥٥ مقعدًا مقابل ٤٥ مقعدًا للجمهوريين، ومعنى ذلك أن ريغان لن يعود قادرًا على ممارسة ضغوط قوية على الكونغرس الأمريكي خصوصًا في السياسة الخارجية، وسيكون موضوع صفقات الأسلحة السرية لإيران أول مواجهة بين ريغان والمجلس الجديد في يناير«كانون الثاني» المقبل.

إن مجريات الأمور تؤكد أن البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي كانا يعملان من وراء ظهر وزارة الخارجية الأمريكية وهيئة الأركان ووزارة الدفاع، وحتى بعض العناصر في المخابرات الأمريكية بالنسبة لصفقات السلاح الأمريكية لإيران مقابل إطلاق سراح الرهائن الذين لم يبقَ منهم حتى الآن إلا أربعة رهائن فقط.

ومع إن الإنسان في ديار الغرب له اعتباره عند حكوماتهم إلا أن إطلاق سراح بضعة أفراد لا يمكن أن يغير السياسة العامة للدولة، إلا إذا اتخذ من موضوع الرهائن ذريعة لتغيير هذه السياسة، المقرر تغييرها أصلًا لأهداف تتعلق بمصلحة الدولة ككل أو بمصلحة المسك بزمام السلطة على وجه الخصوص.

  • المصداقية الأمريكية الزائفة:

إن قصة السلاح الأمريكي لإيران وضلوع اليهود في هذه القصة تكشف الكثير من خبايا السياسة الأمريكية والغربية عمومًا، وإذا كانت الولايات المتحدة اليوم تواجه حرجًا أمام أصدقائها الغربيين الذين طالما حرضتهم للوقوف معها ضد الإرهاب فإن هذه الصفقة والاتصالات السرية بشأنها تكشف زيف المصداقية وخداعها حتى لحلفائها من الغربيين.

  • الخديعة سمة أمريكية

ونحن بدورنا نقرر أن الخداع والكذب لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل إنه يشمل عالم السياسة في الغرب والشرق على السواء، هذه السياسة التي قيل في أحد تعريفاتها أنها «فن الكذب»، وللعرب تجارب لا تحصى مع الدول الكبرى وخداعها لهم وتنكرها للعهود والوعود. 

ولذلك فليس غريبًا أن تتجه الطائرات الأمريكية حاملة السلاح إلى طهران، في الوقت الذي كان فيه «جورج شولتز» في سبتمبر الماضي يؤكد لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي أن الولايات المتحدة تلزم جانب الحياد في الحرب العراقية الإيرانية، وأنها ستعمل على إيقاف هذه الحرب، كان شولتز يؤكد على ذلك وهو يتناول معهم طعام الغداء. وإذا كان شولتز لا يعلم عن حقيقة صفقات الأسلحة فإن معنى ذلك أنه هوواقع تحت وطأة الخديعة التي هي سمة السياسة الأمريكية خصوصًا والأوروبية عمومًا.

ونحن لا ننسى الخداع الغربي للملك فيصل ملك العراق عام ۱۹۱۹ حين استدعي إلى مؤتمر السلام بعد أن انتهى المؤتمر بمعاهدة سايكس بيكو المشؤومة.

 كما لا ننسى خداع بريطانيا للشريف حسين فيما سمي بمراسلات حسين مكماهون أثناء الحرب العالمية الأولى، في الوقت الذي كانت فيه تكتب نص وعد بلفور المشؤوم.

  • قمة ريكافيك:

إن ريغان وهو يعالج مشكلة الرهائن الأمريكيين هذه الأيام لا ينسى أن كارتر خسر معركة إعادة انتخابه عام ۱۹۸۰ بسبب طريقته في معالجة موضوع الرهائن الأمريكيين الذين احتجزوا في طهران لمدة ٤٤٤ يومًا. وما التصريحات التي أدلى بها مؤخرًا مسؤول بارز في مجلس الأمن القومي بأن هنالك خطرًا على إيران من الاتحاد السوفييتي وأن الولايات المتحدة تريد أن تمهد ليكون لها نفوذ على بعض العناصر المعتدلة في إيران إلا مبرر يكشف حقيقة التوجه الأمريكي، الذي لا يمكن عزله عزلًا مطلقًا عما جرى بين ريغان وغورباتشيف في ريكافيك.

  • واليهود أيضًا:

إن التقارير تفيد أن اليهود حصلوا على موافقة من الولايات المتحدة بتزويد إيران بأسلحة عن طريق مسؤولين بارزين ومتقاعدين ومسؤولين أمريكيين ومحامين دوليين وقيمة هذه الأسلحة ٢ مليار دولار.

وبذلك تتم تسوية الديون الإيرانية على أمريكا، ويتم الإفراج عن بقية الرهائن الأمريكيين الأربعة، وتحصل إيران على حاجتها من السلاح لهجومها المرتقب على العراق، وتحصل أكبر الخسائر في صفوف العراقيين والإيرانيين معًا، ويطول أمد الحرب حتى تأكل الأخضر واليابس وتستنزف طاقات المنطقة المادية والبشرية ويتمدد اليهود في ديار العرب وتسيطر الولايات المتحدة على المنطقة.

فهل تتحقق أهداف اليهود والأمريكان؟ أم أن أمة الإسلام تصحو من رقدتها فتتخلص من التبعية لأعداء الله وتخلص نيتها لله فتنجو في الدنيا والآخرة؟ 

  • أهداف أمريكا الاستراتيجية:
  • بعد ثبوت تورط الولايات المتحدة في دعم إيران.. هنالك سؤال يطرح نفسه: ماذا تريد الولايات المتحدة؟!

ولعل المراقبين المنصفين لا يختلفون على حقيقة تمثل في ذهنية أصحاب القرار الأمريكي وهي أن هذه الحرب وجدت لتبقى.

  • فهي وسيلة كبرى لإحراق موارد المنطقة بأسرها وجعلها رمادًا لا ينتفع منه.
  •  وهي وسيلة لإجبار المنطقة علىالاندفاع في سباق التسلح والتسليح.
  •  وهي وسيلة هامة للإحباط في نفوس شعوب المنطقة من أي تقدم يمكن أن يحصل في هذا الشطر الحيوي من العالم.
  • وهي وسيلة أساسية لإشعار المنطقة بحاجتها- كما أسلفنا- لحماية خارجية.
  •  وهي وسيلة لاستهلاك كل قدرات المنطقة وتدميرها لئلا تقوم في المنطقة إرادة حرة.

نعم.. هذه من مسببات القناعة الأمريكية في وجوب استمرار الحرب، لكن يبقى السؤال: وما علاقة ذلك بمد إيران بالأسلحة؟

 لعل القارئ العزيز يعرف أن إيران هي الطرف الأضعف «تكتيكيًّا وفنيًّا وعسكريًّا»، وهو بحاجة ماسة إلى الآلة وإلى السلاح، وأن التفوق البشري لم يثبت أية كفاءة في ترجيح كفة إيران على العراق.. وأن العراق هي من القوة الأكثر قدرة على الضرب في هذه المعركة، إذًا فالقناعة الأمريكية تتضمن أن استمرار الحرب يحتم مد إيران بالسلاح، لأن نفاد الذخيرة يعني وقوف الحرب، وهكذا يتمثل الشيطان الأمريكي الأكبر في المنطقة بشكله السافر وهو يصب الزيت على النار؛ لتفقدبذلك الولايات المتحدة كل ما يتعلق بمصداقية دعوات السلام التي يتبجح بها عادة صناع القرار في البيت الأبيض الأمريكي.

فهل يدخل- بعد هذا- في يقين حكام الأمـة الإسلامية أن الأمريكان ليس لهم مصداقية؟

 

الرابط المختصر :