العنوان ميثاق الأسرة في الإسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010
مشاهدات 74
نشر في العدد 1906
نشر في الصفحة 50
السبت 12-يونيو-2010
اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل
بعد هيمنة الغرب على المؤسسات الدولية، وتصاعد موجات «التغريب»، واجتياح «العولمة» للخصوصيات الثقافية لشعوب العالم خلال العقدَين الأخيرَين من القرن العشرين شرع الغرب في اقتحام حُرمات الأسرة المسلمة، وانتهاك منظومة قيمها التي حددها الإسلام، وصاغتها المرجعية الإسلامية.. وبدأ الغزو الفكري الغربي في صياغة منظومة قيمه في مواثيق ومعاهدات أخذ في عولمتها تحت ستار «الأمم المتّحدة» والمنظّمات التابعة لها من خلال «مؤتمرات السكان» الدولية؛ سعيًا لإحلالها محل منظومة القيم الإسلامية ولاسيما في ميدان الأسرة.. الأمر الذي فرض على المؤسسات الإسلامية صياغةَ بديل في هذا المجال، وقد تحقّق هذا في «ميثاق الأسرة في الإسلام»
٣٣ عالِمًا وفقيهًا شاركوا في إعداده ومراجعته
ميثاق الأسرة في الإسلام
يحوي ١٦٤ مادة تمزج بين دور الإنسان كفرد والأسرة كلبنة صغرى والمجتمع ومؤسساته والدولة ككيان معنوي
مواده وبنوده مستقاة من الكتاب والسنة وتراث الصحابة والتابعين مرورًا بالمذاهب الفقهية الأربعة وغيرها
رُوعي في إعداده الابتعاد عن غريب الآراء ومرجوح الأقوال.. أو ما كان مبنيًا على غرف زمانه ثم تغيّر
يوضّح لكل مسألة دليلها الشرعي.. مع مراعاة ظروف المجتمعات الحديثة والمصالح والمفاسد المحيطة بها
وقد جاء هذا الميثاق ثمرة «جهد جمعي»، تضافر على إنجازه ١٢ عالمًا شاركوا في إعداده تطوّعًا لوجه الله تعالى؛ بدعوة من «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» «التابعة لـ«المجلس العالمي للدعوة والإغاثة» بالأزهر الشريف»، وتحت رعايتها، ثم تتابع على تحقيقه ومراجعته ۲۱ عالِمًا من بلدان شتى في العالم الإسلامي.. وقد تمثّلوا في هذا العمل قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:83).. فكان عملًا جماعيًا إسلاميًا سيحفظ له التاريخ قيمته ومنزلته بإذن الله.
بين يدَيْ الميثاق
يسدُّ هذا الميثاق حاجة من حاجات الأمة في أهمَّ مكوّنات ذاتها، وهي الأسرة، ويَكشف عن عدالة الإسلام ورحمته، ويُسره وسماحته، واعتداله ووسطيّته، في أمره كلَّه، بما في ذلك نُظُم الحياة الدنيوية، وعلى رأسها نظام الأسرة الذي يُعَدُّ القلب النابض لغيره من النُظُم؛ لأن الأسرة نواة المجتمع وبذرته، ووحدة تكوينه؛ بل هي صورة مصغَّرة عنه.
وقد استقى معدَّو الميثاق موادَّه وبنوده من شريعتنا الغرّاء الثابتة بصريح الكتاب وصحيح السُّنّة، وحرصوا على الانتقاء والاختيار من تراثنا الفقهي الضخم، من لدن الصحابة والتابعين؛ مرورًا بالمذاهب الفقهية الأربعة وغيرها.. كما حرصوا في تدوينهم هذا على الابتعاد عن كل ما هو غريب ومرجوح من الآراء والأقوال، وخاصّة إذا ضعف مستندُه ووهن معتمدُه أو ما كان مبنيًّا على عُرْفٍ زمانه، ثم تغيَّر إلى عُرْفٍ مُسْتَحدَث لم يُسبق له حكم.
كما راعي العلماء - في اختيارهم وانتقائهم وتدوينهم - أن تكون لكل مسألة يقررونها دليلها من الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، كما حرصوا على مراعاة ظروف وأحوال المجتمعات الحديثة القائمة الآن، والمصالح والمفاسد المحيطة بهذه المجتمعات، ومآلات الأحوال لهذه المصالح والمفاسد؛ فجمعت بين الشرع والعقل والسمع والرأي مع الحرص الشديد على الأخذ بأيسر وأعدل وأوسط الآراء، وأكثرها ملاءمة المقتضيات العصر الحديث في نظرهم، مع تجنب مواطن الخلاف بقدر الإمكان.
كما وازنوا في صياغته وألفاظه بين ما هو قطعي وما هو ظني، وبين ما هو متَّفَق عليه وما هو مختلف فيه، وبين ما هو ثابت وما هو متغيَّر؛ فجعلوا للأول منها اللفظ القاطع، وللثاني منها اللفظ المحتمل.. أما ترتيب الموادَّ ومنهجيتها البحثية فجاءت مشتملة وجامعة لخيرَي القديم والحديث؛ فكانت موصولة بتراثنا وأصالتنا الفقهية بالتأصيل والتقعيد بل وبالمصطلحات، وموشَّاة بأسلوبنا العصري القانوني.
ومزجوا بين العقائد والأحكام والأخلاق؛ من منطلق أن سلوك الفرد والجماعة لا بد وأن ينضبط بذلك العقد المنظوم بين الإيمان والإسلام والإحسان.. كما اعتدلت صياغة تلك الموادَّ بين دور الإنسان كفرد، والأسرة كلبنة صغرى، والمجتمع ومؤسساته والدولة ككيان معنوي في وسطية وعدل وحفاظ على الحقوق وبيان للواجبات، فلم تغفل دور الفرد وحقه وواجبه من أجل المجتمع، كما لم تهمل دور المجتمع وحقَّه وواجبه في سبيل الفرد؛ فجاءت مواد هذا الميثاق وفقراته رفيعة المضمون، واضحةَ الأسلوب، قويمة المنهج، اتسقت فيها أمور الأسرة وشؤونها وحاجاتها اتساقًا. يرشح بصفاء منهلها، وثبات أصولها ورسوخ قواعدها، وشموخ مقاصدها، كما يرشّح بما تضمنه الميثاق من أحكام عادلة وتوجيهات فاضلة، ترمي إلى تحصين الأسرة والمجتمع وتمتين بنائهما، وحمايتهما من الزوابع والعواصف، وصياغتهما على المكارم والفضائل، وإعدادهما ليكونا راشدين قاصدَين صاعدَين.
ونجد - في ١٦٤ مادة - رُؤية مقاصديّة وكُلَّيَّة للشريعة والفقه: تأصيلًا وتفريعًا، عقلًا ونقلًا، استشهادًا واستدلالًا، حالًا ومالًا، يُنْبِئُ عن فقه دقيق، وفَهمٍ عميق للواقع والشرع، مع استكمال آلات الاجتهاد؛ فاكتملت المنظومة الاجتهادية من المُجْتَهِد والمُجْتَهَد فيه وأدوات الاجتهاد.
أما «المذكرة التفسيرية» للميثاق، فجاءت موضّحة ومبينة لذلك الجهد العلمي الضخم، رافعة النقاب عما هو مستبطن، وكاشفة اللثامَ عن تلك الخلفية المنهجية المخبوءة والمستورة في الصياغة الدقيقة لبنود الميثاق.
ودعاؤنا لله أن يهّيئ للأمة الإسلامية كلَّ الخير بهذا الميثاق، وأن تُعنى بتطبيقه على واقعها الاجتماعي والأسري، وأن تمكَّن له في مجالاتها التعليمية والتشريعية والثقافية، وأن يكون خطوةً فعليةً نحو توحيد مدوّنة في شؤون الأسرة في العالم الإسلامي بأسره.
لماذا هذا الميثاق؟
قبل الغزو الفكري، الذي جاء إلى الأمة الإسلامية في ركاب الغزوة الغربية الحديثة التي قادها «نابليون بونابرت» على مصر والشرق (۱۲۱۳هـ - ١٧٩٨م)، لم تكن هناك حاجة إلى وضع المواثيق والفلسفات التي تحدّد سلوك المسلمين في مختلف ميادين الحياة: الفردية، والأسرية، والاجتماعية، والسياسية.. ذلك أن المرجعية الإسلامية كانت هي الوحيدة الحاكمة، التي تحدّد كل المفاهيم والفلسفات في سائر هذه الميادين.
وقد كانت المشكلات التي تعاني منها الحياة الإسلامية مقصورة على «التطبيق» لهذه المفاهيم الإسلامية الواحدة، التي تحكم حتى الاختلافات الفقهية الفرعية التي يُثمرها الاجتهاد في إطار وحدة هذه المرجعية ومفاهيمها وفلسفاتها، ومدى اقتراب «الواقع والتطبيق» من «المُثُل» التي حدّدها الإسلام.
لكن الغزو الفكري الغربي أحدث تغييرًا أساسيًا، عندما زرع في المجتمعات الشرقية الإسلامية مرجعية حضارية أخرى، وهي مرجعية «وضعية علمانية لا دينية» غدت منافسًا شرسًا لمرجعية الإسلام.. الأمر الذي استوجب تمييز المفاهيم الإسلامية عن نظيرتها الوضعية العلمانية اللادينية في مختلف ميادين الحياة، وذلك من خلال:
- إدراك ضرورة وأهمية تقنين الفقه الإسلامي كبديل متميز عن القانون الوضعي العلماني..
- بلورة الرؤية الإيمانية الإسلامية للكون والحياة - لبداية الخلق، والمسيرة، والمصير، ومكانة الإنسان في الكون – كبديل متميَّز عن الرؤية الوضعية والمادية للكون والحياة.
- بلورة مذهب الإسلام في الثروات والأموال والعدل الاجتماعي «مذهب الاستخلاف» كبديل لـ «الليبرالية الرأسمالية» والشمولية الشيوعية» في الاقتصاد والاجتماع.
ولأن الغزو الفكري قد تسلّل إلى ميادين الحياة الإسلامية تدريجيًا بكل أساليب الخداع، وبواسطة الغش والتدليس في خلط المفاهيم ومضامين المصطلحات؛ تجنبًا لاستفزاز الحس الإسلامي فتنتفض الأمة لمقاومته.. ولأن الدوائر التي تخطط لهذا الغزو كانت على علم بمكانة الأسرة في منظومة القيم الإسلامية «الحرام، والعرض، والشرف»، فقد جاء الغزو لميدان الأسرة متأخرًا، وفي مرحلة عموم البلوى لكل ميادين الحياة، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الأسرة المسلمة «محاصرة» بهذا الغزو الفكري الغربي من جميع الجهات والاتجاهات!
وإذا كانت قوى الهيمنة الغربية المعاصرة ترفع - في ميدان السياسة -شعار «الفوضى الخلاّقة»؛ بهدف تفكيك المجتمعات الإسلامية وبعثرة مكوّنات وحدتها، وفق معايير عرقية ولغوية ومذهبية وطائفية؛ ليستمرّ نهب ثروات هذه المجتمعات، بمنع التماسك والتضامن والوحدة الإسلامية من الجهاد لتحرير الأوطان والثروات.. فقد غدت الهجمة الغربية على حصون الأسرة المسلمة بمثابة «المعركة الفاصلة» في هذه الغزوة وهذا الاحتواء الذي يستهدف إحداث الفوضى في عالم الأسرة؛ لتفكيكها والقضاء على مقوّماتها، ومن ثم تفكيك الأمة المكوَّنة من الأُسَر والعائلات.
وإذا أخذنا نموذجًا واحدًا من «الوثائق» التي يصوغها الغرب، ويضمّنها منظومة قيمه في «الحداثة، وما بعدها»، ثم يسعى لعولمتها، وفرضها على الحضارات غير الغربية تحت ستار «الأمم المتحدة» وأعلامها؛ لنرصد من بين فصولها وموادها عددا من معالم الهدم والتدمير لمنظومة الأسرة المسلمة في القيم والأخلاق، فسوف نجد ما يلي:
- في وثيقة «مشروع برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، الذي عُقد بالعاصمة المصرية «القاهرة» (٥ - ١٥ سبتمبر ١٩٩٤م) نموذج لـ «إعلان الحرب» على الأسرة، ومنظومة القيم والأخلاق التي حددها لها الإسلام..
فإذا كان الإسلام قد بني الأُسرة على العلاقات الشرعية والمشروعة بين ذكر وأنثى، انطلاقًا من الفطرة الإنسانية السوية؛ لتتحقق سعادة الإنسان بهذا التمايز والتكامل وليتحقق بقاء الجنس البشري بالتوالد والتناسل، ولتكون هذه الأسرة هي اللبنة الأولى في تأسيس بناء الأمة.. فإن وثيقة «مؤتمر السكان» - وبصريح العبارة - تعلن الحرب على هذا المعنى الإنساني للأسرة، وتدعو إلى «تغيير الهياكل الأسرية»، معتبرة ذلك التغيير هو «المجال الحيوي لعمل الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية، والمنظمات غير الحكومية المعنية ووكالات التمويل والمؤسسات البحثية»، فكل هذه المؤسسات «مدعوَّة بإلحاح لإعطاء الأولوية للبحوث الحيوية المتعلقة بتغيير هياكل الأسرة».
وذلك حتى لا تكون - فقط - أسرة شرعية مؤسَّسة على علاقة مشروعة بين ذكر وأنثى، وإنما لتضم كل ألوان العلاقات بين رجل ورجل، أو بين امرأة وامرأة، مُدخلةً بذلك الانقلاب كل ألوان العلاقات الشاذّة والمحرّمة شرعًا وفطرة في إطار «الأسرة» التي يعترف بها القانون ويحميها ويرتّب لها الحقوق!
وإذا كان الإسلام قد ضبط المتعة الجنسية لتكون سبيلًا شرعيًا للعفّة والإحصان والإنجاب، فجعل الجنس «مشروعًا»، فإن وثيقة مؤتمر السكان تطلب - فقط - أن يكون الجنس «مأمونًا»؛ أي لا يؤدي إلى الأمراض، وتُطلقه وتحرّره من ضوابط الشرع؛ ليكون حقًا من حقوق الجسد- كالطعام والشراب - مباحًا «لجميع الأفراد» وليس فقط «الأزواج»، ومن كل الأعمار، بما في ذلك المراهقون والمراهقات!!
«فالصحة التناسلية، والصحة الجنسية»، التي جاءت مصطلحاتها الأكثر شيوعًا وتكرارًا في هذه الوثيقة هي «حالة الرفاهية البدنية والعقلية والاجتماعية الكاملة التي تجعل الأفراد - وليس فقط الأزواج - قادرين على التمتع بحياة جنسية مُرضية ومأمونة».. و«المتعة الجنسية والصحة التناسلية هي - كالاحتياجات الغذائية - حق من حقوق البنات والفتيات المراهقات»!!
فلسفة غربية فاسدة
وإذا كان الإسلام يحضُّ على الزواج المبكر لإحصان البالغين من الشبان والفتيات وإعفافهم، فإن وثيقة «مؤتمر السكان» تحرَّم وتجرم الزواج المبكّر، وتستعيض عنه ببدائل منها الزنى المبكّر (!!)؛ فتدعو الحكومات إلى أن «تزيد السن الأدنى عند الزواج حيثما اقتضى الأمر، ولاسيما بإتاحة بدائل تُغني عن الزواج المبكر».. أي أنها تدعو إلى «تقييد الحلال، وإلى إطلاق الحرام الذي جعلته حقًّا من حقوق الجسد لجميع الناشطين جنسيًا من كل الأعمار، وبين جميع الأفراد، وعلى اختلاف ألوان هذه العلاقات!!
وفي الوقت الذي يُقيم فيه الإسلام العلاقة بين الرجل والمرأة - وخاصة في إطار الأسرة - على قواعد المودة والرحمة والسكن والسكينة، ويجعل «النساء شقائق الرجال» كما جاء في الحديث النبوي الشريف، ويقرّر للنساء من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات بالمعروف المتعارف عليه.. ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ اّلذِي عَلَيْهِنَّ بالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة:۲۲۸)، تذهب وثيقة «مؤتمر السكان»، انطلاقًا من الطابع المادي للحضارة الغربية، إلى تحويل هذه العلاقة إلى علاقة مادية بحتة تنعدم فيها القيم والمثل والأخلاقيات؛ فتتحدث عن «تمكين المرأة» بدلًا من الحديث عن «إنصافها ومساواتها» بالرجال.. وتدعو إلى «دمجها بشكل تام في الحياة المجتمعية، وإلى المشاركة الكاملة للرجل في تربية الأطفال والعمل المنزلي»، فتصادم بذلك تقسيم العمل الفطري الذي ساد الحياة الإنسانية على مرّ التاريخ.
والأكثر إمعانًا في الغرابة والشذوذ أن الغرب الذي يتفاخر بالحديث عن الحرية والليبرالية وحقوق الإنسان ينكر على الأمم والحضارات الأخرى حقوقها في أن تختار منظومة القيم التي تريد!! ويسعى بالترهيب والترغيب إلى فرض مفاهيمه وفلسفاته على العالمين حتى أنه أعلن في وثيقة «مؤتمر السكان» توجيه المعونات التي يقدّمها لتنفيذ ما صاغه في هذه الوثيقة من قيم وفلسفات فتتكرّر في تلك الوثيقة عبارات «الالتزام» و«الإلزام» التي تقول: «ينبغي للحكومات أن تلتزم - على أعلى مستوى سياسي – بتحقيق الغايات والأهداف الواردة في برنامج العمل هذا.. وإعمال الضمانات وآليات التعاون الدولية لكفالة تنفيذ هذه التدابير.. وينبغي على الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تنظم استعراضًا منتظمًا لتنفيذ برنامج العمل هذا».
وعندما طلبت بعض الدول أن تنص الوثيقة على أن يكون «تنفيذ السياسات السكانية حقًا سياديًا يتماشى مع القوانين الوطنية»، رأينا الوثيقة تجهض هذا الحقَّ بعد النص عليه، وذلك بالنصَّ على أن يكون هذا الحق في إطار «الامتثال للمعايير الدولية لحقوق الإنسان»، وهي المعايير التي صاغها الغرب لتعبر عن فلسفته في هذا الميدان!
أما الإغراء والترغيب الذي قدّمه الغرب في هذه الوثيقة، فهو المساعدات في مجالات «التنمية» التي تساعد على انتشار هذا الانحلال؛ فنصَّت الوثيقة على أنه «ينبغي للمجتمع الدولي أن ينظر في اتخاذ تدابير مثل نقل التكنولوجيا إلى البلدان النامية، لتمكينها من إنتاج وتوزيع وسائل «منع الحمل» ذات النوعية العالية وغيرها من السلع الضرورية اللازمة لخدمات الصحة التناسلية، وذلك للاعتماد على الذات في هذا الميدان»؛ لتحقيق المتعة الجنسية المأمونة للأفراد، من مختلف الأعمار!!
إعلان عالمي
وهكذا.. يتم الغزو والاجتياح لحصن الأسرة المسلمة آخر حصون الأمة الإسلامية، ولمنظومة القيم الحاكمة لهذا الحصن، الأمر الذي استوجب وفرض وضع وصياغة «ميثاق الأسرة في الإسلام»؛ ليكون - مع مذكرته التفسيرية - دليلًا ينير الطريق للإنسان المسلم رجلًا كان أو امرأة، ومرجعًا للمجتمعات الإسلامية، ومنظماتها الأهلية، ولحكوماتنا الوطنية، ومنظماتنا الإقليمية بل وردًا على مواثيق الغزو وأيديولوجياته، التي تحاول - مع امتداداتها السرطانية في مجتمعاتنا - اجتياحَ آخر حصون الإسلام وأمّته؛ حصن الأسرة في عالم الإسلام.
إننا والغرب أمام مفهومين مختلفين للحرية، ينبع كل واحد منهما من فلسفة النظر إلى مكانة الإنسان في الكون، وعلاقته بالذات الإلهية.
ففي الإسلام: استخلف الله الإنسان في الأرض لأداء الرسالة التي عهد بها إليه وفي الحدود وبالضوابط المرسومة له، فحرية الإنسان في الإسلام محكومة ببنود عقد وعهد الاستخلاف المتمثلة في الشرائع الإلهية.
بينما في الرؤية الوضعية الغربية: الإنسان هو سيد الكون، الذي لا سلطان على عقله إلا لعقله وحده، ولا حدود لحريته إلا إرادته واختياره التي لا يضبطها سوى ما يضعه بنفسه لنفسه من قوانين!
ومنذ بدايات الغزو الفكري الغربي للشرق الإسلامي، أدرك علماء الإسلام هذا الفارق الجوهري في مفهوم الحرّية؛ فانتقد العالم المجاهد «عبد الله النديم» (١٢٦١- ۱۳۱۳ هـ، ١٨٤٥ - ١٨٩٦م) المفهوم الغربي للحرية، قائلًا: «ولئن قيل: إن الحرّية تقضي بعدم تعرّض أحد لأحد في أموره الخاصة قلنا: إن هذا رجوع إلى البهيمية وخروج عن حدَّ الإنسانية، أما الحرّية الحقيقية فهي عبارة عن المطالبة بالحقوق والوقوف عند الحدود.. ولئن كان ذلك سائغًا في أوروبا، فإن لكل أمة عادات وروابط دينية أو بيئية، وهذه الإباحة لا تناسب أخلاق المسلمين ولا قواعدهم الدينية ولا عاداتهم».
وفي إطار مواجهة الغزو الغربي لحصن الأسرة المسلمة تأتي أهمية «ميثاق الأسرة في الإسلام»، التي لا تقف عند كونه السياج الذي يحمي الأسرة المسلمة في المجتمعات الإسلامية فقط؛ بل تمتد أهميته إلى حيث تجعله «إعلانًا إسلاميًا عالميًا» لإنقاذ الأسرة من الانحلال الذي تفرضه عليها العولمة الغربية.
هيئة الإعداد
وفقًا للترتيب الأبجدي
أ. د. أحمد العسال
أ. د. أحمد المهدي عبد الحليم
أ. د. جمال الدين عطية
أ. د. صلاح عبد المتعال
أ. د. عبد الرحمن النقيب
أ. د. عبد اللطيف عامر
أ. د. علي جمعة
د. فتحي لاشين
د. محمد عمارة
أ. د. محمد كمال الدين إمام
د. مكارم الديري
أ. د. يوسف القرضاوي
.. وعلماء شاركوا بتعديلات أو ملاحظات وفقًا للترتيب الأبجدي
أ. د. أحمد الريسوني
أ. د. خليفة بابكر الحسن
د. سامر مازن القبج
أ. د. سعيد إسماعيل علي
د. سلمان بن فهد العودة
د. شادية كعكي
أ. د. صبري عبد الرؤوف محمد
د. عبد الرحمن بن معلا اللويحق
أ. د. عبد المجيد بن عزيز الزنداني
أ. د. عصام البشير
د. علي أحمد الندوي
أ. د. غالب عبد الكافي القرشي
أ. د. فاطمة نصيف
الشيخ المستشار فيصل مولوي
أ. د. محمد الروكي
أ. د. محمد المختار محمد المهدي
أ. د. محمد بن موسى الشريف
أ. د. محمد عبد الرزاق الطبطبائي
أ. د. نورة خالد السعد
د. وفاء علي السليمان الحمدان
أ. د. وهبة الزحيلي