العنوان میتران في دمشق!
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
مشاهدات 57
نشر في العدد 694
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 04-ديسمبر-1984
منذ حصول سورية على استقلالها عام ١٩٤٦ لم يحدث أن قام رئيس للجمهورية الفرنسية بزيارة لها؛ وبذلك تكون زيارة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران هي الأولى من نوعها، ومن هنا كانت الاهتمامات منصبة على هذه الزيارة، ومع كونها لم تستغرق سوى ثلاثة أيام إلا أن الاهتمام الاعلامي الذي سبقها ورافقها كان يوحي بأهمية الزيارة وتوقيتها المناسب.
میتران في دمشق، لماذا؟
منذ الحادثة التي تعرضت لها الوحدة الفرنسية العاملة ضمن القوة المتعددة الجنسيات في لبنان العام الماضي والعلاقات السورية الفرنسية مصابة بنوع من التوتر والجمود حسب ما ترويه معظم الأجهزة الإعلامية، إضافة إلى أن ظواهر الأحداث تعطينا انطباعًا بأن كلًا من سورية وفرنسا تقفان على طرفي نقيض.
ففرنسا مثلًا تعارض الوجود السوري في لبنان، بينما دمشق تدين وجود الوحدة الفرنسية في القوة متعددة الجنسيات.
وفرنسا تقوم بتسليح العراق، بينما دمشق تعارض العراق وتؤيد، بل وتساند إيران، وفرنسا أسهمت بإخراج عرفات من طرابلس، بينما دمشق طاردته وتطارده في كل مكان.
وإذا كان ما ذكرناه يعبر عن مواقف متناقضة للطرفين فلماذا يقوم ميتران بزيارة دمشق؟ لا بُدَّ أن تقرر هذا وبداية ما ذهبت إليه أجهزة الإعلام حول وجود تناقض بين كل من سوريا وفرنسا حول النقاط التي ذكرناها آنفًا لا يعدو أن يكون واحدًا من اثنين، إما أن تحليل هذه الأجهزة لتلك الأحداث كان تحليلا سطحيًا لم ينفذ إلى الحقائق الكامنة وراء الحدث، وإما أن هذا التحليل كان مقصودًا للتشويش على المواطن العربي صاحب المصلحة الأول فيما يجري حوله، وبالتالي الوصول إلى تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الأطراف المعنية وأهمها تنفيذ السياسات والمشاريع التي لا تتفق أو لا تقبل من شعوب المنطقة.
فزيارة ميتران لدمشق لم يخطط لها، وتنفذ من أجل إقامة علاقات، أو إنهاء حالة التوتر أو الجمود، بل إن أهميتها تفوق مثل هذه الأمور التي لا تحتاج إلى زيارات على مستوى القمة، بل يكتفي بالاتصالات الرسمية الدبلوماسية، وكما تقول صحيفة لوفيغارو الفرنسية في تعليقها على زيارة ميتران لدمشق: (إذا كانت فرنسا ترغب في إقامة علاقات مع دول المنطقة المعنية بمشكلة الشرق الأوسط فإن أحدًا لا يعترض على ذلك، ولكن هذه هي مهمة السفراء، أما زيارة رئيس الدولة فلا بد أن تكون استجابة لمتطلبات أخرى).
ونحن هنا مع الاتجاه الذي ذهبت إليه الصحيفة الفرنسية من أن الزيارة كانت لأسباب أخرى غير العلاقات الثنائية التي يمكن بحثها من خلال القنوات الدبلوماسية.
ويمكننا أن نتعرف على هذه الأسباب من خلال المواضيع التي بحثت بين الطرفين والتي حددت بـ:
أ- قضية الشرق الأوسط بقضية لبنان.
وكما يقول مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الفرنسية فإن المباحثات تتركز حول الدعوة لعقد مؤتمر دولي، والتنسيق بين المساعي السورية والفرنسية للوساطة في لبنان لدى الأطراف اللبنانية لإنهاء الأزمة هناك، وإدخال جيش الشرعية إلى جميع المناطق ومساهمة سوريا وفرنسا لتقوية هذا الجيش.
الزيارة والمؤتمر الدولي:
الدعوة لعقد مؤتمر دولي لحل مشكلة الشرق الأوسط، وبمعنى أصح لحل القضية الفلسطينية سبقتها دعوات مختلفة ومتعددة الأشكال، وقد رافقت هذه الدعوات القضية الفلسطينية منذ بدايتها بأسلوب أو بآخر، فمن مبادرة روجرز الأمريكية، إلى تحركات كيسنجر، إلى فصل القوات، إلى معاهدة كعب ديفيد، وأخيرًا الدعوة من جديد لعقد مؤتمر دولي لحل القضية، وكان لفرنسا دور كبير وأساسي في هذا التحرك الأخير، والذي يتحدد بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وتتمثل في الزيارات المتلاحقة التي قام بها الرئيس الفرنسي ميتران لكل من الأردن، ومصر، وموسكو، وواشنطن، وفي هذه الزيارات حصل ميتران على موافقة وتشجيع كافة العواصم التي زارها.
المرحلة الثانية: وتتمثل في زيارة ميتران للعاصمة السورية في محاولة لتنشيط عملية السلام، وكسر الجمود، والاتفاق على الخطوط النهائية.
المرحلة الثالثة: وتتمثل في الزيارة التي من المزمع أن يقوم بها رئيس وزراء العدو شمعون بيريز للعاصمة الفرنسية، واجتماعه مع الرئيس الفرنسي ميتران لبحث الموقف الإسرائيلي على ضوء نتائج زيارة ميتران لدمشق.
وإذا ما أشرنا إلى الزيارات التي قام بها كل من رئيس وزراء إيطاليا كراسكي ورئيس وزراء اليونان باباندريو إلى دمشق مؤخرًا وقبل زيارة ميتران لتأكد لنا أن التحرك الأوروبي يدور في تجاه إنجاح المهمة التي أنيطت بالرئيس الفرنسي، وأن هذه المهمة لا بد وأنها تحمل في طياتها موافقة كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي اللذان تقدما بمبادرتين لحل القضية، ومع وجود نقاط متباينة في كل مبادرة عن الأخرى، إلا أن هناك أرضية مشتركة يمكن من خلالها تذليل نقاط الاختلاف بعد إقناع الأطراف المعنية سيما وأن العنصر الأهم وهو إسرائيل يتميز بعلاقة من نوع خاص مع الرئيس الفرنسي ميتران؛ حيث إن كلًا من حزب العمل الإسرائيلي الذي يرأسه شمعون بيريز والحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يرأسه ميتران عضوان في المجموعة الاشتراكية الدولية.
ولهذا، فإننا نعتقد أن ميتران حاول من طريق زيارته لدمشق تأمين موقف مشترك من التحرك نحو السلام، وهذا ما ذهب إليه بعض كبار المسؤولين الفرنسيين.
إضافة إلى أن میتران سيحاول تقريب وجهات النظر بين إسرائيل وسوريا، ويعزز هذا الرأي أن بيريز سيقوم بزيارة ميتران بعد عودته من دمشق إلى باريس، كما يعزز هذا الرأي أن مفاوضات الناقورة بين لبنان وإسرائيل ستبقى متعثرة لحين عودة بيريز من فرنسا.
ونعتقد أن أهم نقطة -كما يقول ميتران نفسه في تصريح صحفي- تكمن في حق دول المنطقة بالأمن، والحصول على وسائل ضمان هذا الأمن (وهذه إشارة للكيان الإسرائيلي).
وجدير بالذكر أن سوريا أعربت أكثر من مرة عن قناعتها بضرورة ضمان أمن إسرائيل، وهذا ما أوحت به إلى الأطراف اللبنانية المتحالفة معها، مثل: حركة أمل، والمليشيات الدرزية.
وتشجيعًا للتحرك الفرنسي فقد أعلنت مصادر سورية من إيمان سوريا بالدور الفعال الذي يجب أن تقوم به فرنسا في الشرق الأوسط، وأن تكون باريس بديلًا لواشنطن، وهذا يعني أن تمر المبادرة الأمريكية عبر البوابة الفرنسية.
وفي إشارة بهذا المعنى يقول حافظ أسد: لقد كنا دومًا نعتبر أن فرنسا تحتل موقعًا متقدمًا في أوروبا الغربية فيما يتعلق بقضايانا، ونحن نتمنى أن تحتفظ فرنسا بموقعها، وهذا ما يجري حاليًا على أرض الواقع.
الزيارة والقضية اللبنانية:
قبل توجه الرئيس الفرنسي إلى دمشق أدلى بتصريح قال فيه: (إن زيارتي ستكون لبحث السبل الكفيلة باستعادة وحدة لبنان ضمن استقلاله الوطني ومؤسساته الدائمة، وأضاف لسوريا دورًا أساسيًا في ضمان استقلال لبنان).
ونحن نعتقد أن القضية اللبنانية تأتي في قمة القضايا التي توجه من أجلها الفرنسي إلى دمشق.
وهنا لا بُدَّ لنا أن نسأل لماذا تنطلق الآن السياسة الفرنسية من مبدأ الحرص على وحدة وسيادة لبنان وضمان استقلاله الوطني؟ وأين كان هذا الحرص قبل عشر سنوات؛ حيث الحرب الأهلية التي أكلت الأخضر واليابس في لبنان؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بُدَّ من الإشارة إلى العلاقات التاريخية التي تربط لبنان بفرنسا، ونقصد هنا لبنان الرسمي؛ حيث الحكم اللبناني تسيطر عليه الطوائف المسيحية وعلى رأسها الطائفة المارونية، وهذه السيطرة كانت السمة الأساسية للحكم اللبناني منذ عهد الاستقلال.
ولكن مع بداية السبعينيات اهتزت هذه السيطرة المسيحية مع تدفق عشرات الألوف من الإخوة الفلسطينيين والتحامهم مع الشارع اللبناني المسلم؛ ومن ثم كانت الحرب الأهلية التي كادت أن تطيح نهائيًا بالسيطرة المسيحية، فكان لا بُدَّ من قوة تدخل لكبح جماع التحالف الإسلامي الفلسطيني، فكانت الإشارة الدولية الخضراء بدخول قوات الردع، ومن ثم مجازر تل الزعتر، والكرنتينا، وتحجيم هذا التحالف، ثم بدأت عملية ضرب هذا التحالف عن طريق الغزو الإسرائيلي عام٨٢، وإخراج القوة الفلسطينية من لبنان تحت رعاية ومباركة القوة المتعددة الجنسيات، وكان لفرنسا دور أساسي في هذا الاتجاه، ولما كان الدور السوري يرتكز على مساندة القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا، فإن زيارة ميتران تأتي في هذا الوقت لبحث الوسائل الواجب اتخاذها والكفيلة بتثبيت السيطرة المسيحية على لبنان من جديد كما هو واضح من خلال الواقع اللبناني الجديد؛ لذلك فإن محادثات ميتران في دمشق حول هذا الجانب متتبعه بالضرورة محادثات بينه وبين بيريز رئيس الوزارة الإسرائيلية للوصول إلى حل للقضية اللبنانية يعطي الطائفة المسيحية دعمًا سياسيًا تثبت من خلاله سيطرتها على كامل الأرض اللبنانية.
وكما قال الرئيس الفرنسي السابق دبستان (الأُخوة قديمة جِدًا بين اللبنانيين والفرنسيين فاللبنانيون يقاسموننا لغتنا وإيماننا).
الزيارة وعودة رفعت إلى دمشق:
من المفارقات التي تستحق النظر في زيارة میتران لدمشق أنها تمت بعد يومين من وصول رفعت الأسد إلى دمشق بعد غياب دام أكثر من خمسة أشهر، قضى معظمها في فرنسا، وبعد أن في نسجت حول إقامته في فرنسا كثير من الأقوال والاحتمالات، والتي دارت معظمها حول خلافه مع شقيقه حافظ أسد، ومن ثم نفيه أو طرده إلى خارج سوريا، ثم اتضح بعد ذلك أن قضية الأبعاد لم تكن إلا لإعطاء النظام فرصة كافية لإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية لصالح شقيقه، بالإضافة إلى أن عودة رفعت قبل وصول ميتران بيومين أعطى دفعة قوية لهذه الزيارة؛ حيث أوحت بعض الأجهزة بأن ميتران كان له دور أساسي في عودة رفعت إلى دمشق، والحقيقة تؤكد على أن اقتران هذه الزيارة بعودة رفعت أسد يعني ازدياد النفوذ الغربي في العاصمة السورية والذي يشكل رفعت الأسد أحد معالمه البارزة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل