العنوان نجيب محفوظ.. أو بقايا الاستعمار الثقافي والفكري
الكاتب أحمد محمد عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1976
مشاهدات 62
نشر في العدد 283
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 20-يناير-1976
لم نكن نظن ظنًا، بل كنا على يقين أن المنافقين مهما تستروا فلا بد أن يأتوا أمرًا يكشفهم ويفضح نواياهم، فليس عبثًا أن يتناولهم القرآن الكريم تناولًا مسهبًا طويلًا حتى لا يدع سيئة فيهم إلا كشفها.
ويشيعون في اليوم التالي كلامًا حادًا ليطمسوا به على أعين المبصرين وليحملوا على صدق الصادقين.. فلا يلبث عوارهم أن ينجلي للناس ولا يلبث الغافل أن يتنبه.
فإذا النفاق رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف وإذا زيف الشخصيات يضمحل أمام نور الحق فإذا به يتلاشى حتى يختفي محفورًا باللعنات والطعنات..
سيول الأقلام التي فاضت تمجد نجيب محفوظ وتعلى من قدره نفاقًا وتزلفًا إليه وهي تعلم علما يقينيًا أنها تكذب على كل أمانة، وتخدع ذوقها قبل أن تطوف بخديعتها على أذواق الآخرين، هذه الأقلام الممالئة للنفاق تظهر نفسها بصورة تسمى -كتابة أدبية- وتعلن على الناس صنوفًا من الأقاويل تضرب أعماقها في الكذب والدجل وتثور إذا انبرى لها قلم صحيح.. فما يكون دورها إلا أن تشتم وتسب وتلعن.
إن صورة الحق واضحة، ومهما كثرت ترهات السذج فإن الحق لا يضيره أن يشوهه مدع أو منافق.. وإنما تسقط كل الرايات وتموت كل الشعارات ويبقى وجه الحق باسمًا.
نجيب محفوظ روائي مشهور حاز مرتبة في هذه الناحية حتى أصبح اسمه يذكر عند مجرد ذكر اسم الرواية العربية، امتد به العمر وهو يحمل القلم وينقل للناس كثيرا من الخرافات والأكاذيب وقليلا من الصدق والوضوح.. وحتى الوضوح لا تتضح فيه الرؤية تمامًا فعليها من الغشاوة ما عليها لست كارهًا لنجيب محفوظ فليس بيني وبينه عداوة أو معرفة شخصية.. ولكني على صلة فكرية بكتبه التي تمثله وبكتاباته التي تتوزعها كتب ومجلات وصحف.. وهذه الكتب التي قدمها للناس ترسم صورته وصورة تفكيره ونمط حياته وعقليته وخياله وواقعه.
ونجيب محفوظ واحد ممن بحثت عن مزايا الحقيقة فيما يكتبون، وبحثت عن خيال للفضيلة فيما يسطرون فوجدت أن الحقيقة ترفس رفسًا وأن الفضيلة ما وجدت إلا لينال منها، أو يسخر بها، وعرفت أن الهالة التي تبنى حول هؤلاء إنما هي من قبيل البروز للكاتب والمكتوب عنه.
إن الرجال لا تهزهم مواقف الحياة هزة التقلب ولكنهم يثبتون على مبدأ وعنه يدافعون وهذا المبدأ لا يناقض أوله آخره ولا تتعاور عليه أفكار البشر بالتجريح والتشقيق ولكنه المبدأ الذي يحمله الإنسان في عقله وقلبه.. كبيرًا كبيرًا. يعيش صاحبه على الأرض ولكن روحه تحلق في سماوات من السمو وترتفع عن تفكير البشر المتدني نحو الهاوية.. وتندفع لتحمل معها آلاف الأرواح لعلها تنقذهم من هاوية سحيقة يهيمون بها لو تركوا وشأنهم.
إن نجيب محفوظ يمثل جزءًا من قتامة التفكير في عالمنا العربي والإسلامي فما كان ينتظر منه وهو الذي نال شهرة واسعة أن يكون قائد الميدان نحو الانحدار.. وما عهدنا رجلًا حمل المشعل وسار به إلا وتقاذفه السفهاء من كل جانب ليطفئوا مشعله.. فلربما سقط وحمل المشعل آخرون والمسيرة باقية، وأما الذي يرفع صوت الشيطان وصورته فنجد سياجًا من الفوضى والبربرية تحيط به تملأ الدنيا صراخًا وتصفيقًا وتصفيرًا..
نجيب محفوظ الذي أبرز نفسه في رواياته.. الرجل الشاك في كل قيمة.. المتذبذب في كل فكرة.. الضائع في كل واد.. المتحدي لعقيدة الأمة.. والمتجه ناحية المشارب الأخرى يعب منها حتى يطفح حده فيفيض ما عليه على غيره وينتكس بعد ذلك إلى غيره.. فألوان الطيف ممثلة في تقلباته ولست هنا بسبيل ضرب الأمثلة فرواياته أكبر شاهد لمن تتبعها منذ فترته الأولى في كتاباته التي يطلقون عليها- الرومانسية -ثم الواقعية مدوره في -الرمزية- والرمزية المفرقة الغارقة حتى إتهامه للأزهر بأنه لا يقرأ لأن الأزهر وقف ضد فساده وهو يصور أنبياء الله تلك الصورة السفيهة والتي يرد على سائله بأن هذا الأسلوب إنما هو -معادل فني-.
وتستمر كتاباته تنهمر على القراء وتسارع هيئات السينما لنقلها إلى الناس على أبشع ما يجد الذوق واردًا ما يكون التقديم وأسوأ ما يجترأ على الأخلاق والفضائل.. ويقول.. إنها محاولة لإعادة القيم إلى المجتمع الضال المبتعد عن أخلاقه.. وهي التي تنقل للناس سوأة قوم آخرين.. نجيب محفوظ الذي تقوم لك صفحات الجرائد مرحبة به في كل مرة.. شتمته هذه المرة.. لماذا؟ لأنه قال كلامًا خطيرًا لا يعجب الناس.. إن الناس بدأت تتغير لماذا لا يعجبها كلام نجيب محفوظ أليس هو الكاتب الكبير؟
قلنا إن نجيب محفوظ قد سكت منذ مدة وعللنا سكوته بأنه لا يجد ما يكتب ولكنه سيكتب فإنه لم يتعود السكوت كثيرًا.. لأن الساعي إلى هدم لا يمكن أن يتوانى عن عمله لحظة وإن كان قد سكت.. وكان يجهز حادثًا أزعج بعض الناس وتفلت المنافقون من خوفهم من قوله.. ولكن آخرين حملوا أقلامهم يدافعون عن جريمته وسوف تجد أيضًا من يعتمد هذه الجريمة مادة يضحك بها على تلاميذه في جامعاتنا.. قال هذا الرجل المغرور: إنه مستعد للتنازل عن قطعة من الأرض في سبيل السلام وهذا الكلام ليس إنشاء أدبي ولكنه محور حديث طويل..
في الكلام غباء وغباء مركز.
فالذين ماتوا وطحنتهم رحى الحروب ماتوا في سبيل أن تبقى لهم عزتهم وأن تبقى لهم كرامتهم ما داموا أحياء على هذه الأرض فتفريطهم في الأرض معناه تفريطهم في أرواحهم فما ماتوا إلا وهم يدافعون حتى لا تذهب منهم العزة والكرامة.
والتنازل عن جزء معناه أن الطمع عند المحتلين يقود لإجبارك على أخذ الكل وأنفك في التراب لأن العاقل لا يلين في هذا الأمر وإلا كان غبيًا ساذجًا.
والذي يريد أن يبنى حضارة وينشد السلام لبناء الحضارة فلا بد من أرض يبنى عليها أركان السلام ثم يقيم أركان الحضارة وهذا الحديث أحدث ثورة كما يقولون أو فرقعة.. ما هو إلا مما اعتاد الناس سماعه في نشرات الأخبار وفي تصريحات الزعماء بل وفي تقريراتهم وفي ابتساماتهم وهم يوقعون الصكوك ويرغمون الناس على التصفيق والنفاق.
وما قاله نجيب محفوظ لا يثير كل هذه الضجة فهو مذيع يذيع بيان سادته ومأمور ينفذ ما يطلبون.. وفي غد تقرأ الأجيال الرواية الجديدة لنجيب محفوظ.
-النفاق والأرض والسلام-.