; نقوش على جدار الدعوة.. نحو تأصيل العمل السياسي الإسلامي (5) الصدق في الخطاب الدعوي | مجلة المجتمع

العنوان نقوش على جدار الدعوة.. نحو تأصيل العمل السياسي الإسلامي (5) الصدق في الخطاب الدعوي

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يوليو-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1259

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 22-يوليو-1997

أهمية التزام أصول الخطاب الدعوي:

الخطاب الدعوي له أصوله التي إن التزم بها الدعاة كان لها تأثيره وأتت أكلها بينهم، وإن حادوا عنها أو عن بعضها فقد هذا الخطاب الدعوي قيمته، ودخل في باب اللغو الذي ينبغي أن يعرض عن المؤمنين: ﴿وَالَّذينَ هُم عَنِ اللَّغوِ مُعرِضونَ﴾ (المؤمنون: ٣)

ومتى: كان اللغو نافعًا؟! والخطاب الدعوي ليس قاصرًا على فئة من الناس دون الأخرى لأنه يوجه لجماهير الناس أجمعين، ويوجه كذلك للعاملين من أبناء الحركة والصحوة على السواء، وهو في هذا التوجه أو ذاك عرضة للاختبار والتمحيص على محك الحق والصدق فإن ثبتت أصالته أثمر ثمرته وإن ثبت زيفه: غيره، وأوتيت من كان ضرره أكثر من نفعه، وأشد في الإيذاء من غيره وأوتيت من قبله الحركة والصحوة، وصح فيها قول الله ﴿كَبُرَ مَقتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقولوا ما لا تَفعَلونَ﴾ (الصف: ٣)، لذا فإن التزام أصول الخطاب الدعوي ضرورة لا محيص عنها، ولا مفر منها.

أصول الخطاب الدعوي:

وهذه الأصول يمكن تحديدها بصورة مجملة في مجموعة من المرتكزات التي تومئ إلى غيرها، وتوصل إليه، وهي:

1 - الصدق في مخاطبة جميع الناس سواء أكانوا داخل الصحوة والحركة أم كانوا غير منتمين، إذ الصدق أمر الله به جميع المؤمنين فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكونوا مَعَ الصّادِقينَ﴾ (التوبة: ١١٩)، والصدق كما قال رسول الله «يهدي إلى البر»، أي يرشد إلى كل أبواب الخير وطرقه، وهل رأيت أن شيئًا نافعًا للناس في الأرض بني على الكذب؟ ومن مستلزمات هذا الصدق ما ذكرناه في مقالات لنا من قبل من ضرورة الابتعاد عن التلون والمداهنة والخداع في القول أو في العمل السياسي، لأن ضرر هذا التلون والخداع خطير يصيب المشروع الإسلامي كله في مقتل، ولا ينبغي أن نتعامل مع الصدق بصورة مرحلية، بمعنى أن يكون الإنسان في هذا الموقع شديد التمسك بالصدق، شديد الدفاع عن الحق، فإذا ما انتقل إلى موقع آخر، انتقل عن الصدق إلى غيره مما ينافيه، لأن الموقع الجديد، يتطلب شيئًا غير الصدق التام في كل حال، ولابد من التفرقة هناك بين الصدق المأمور به في كل شأن وبين الكذب المنهي عنه في كل شأن، وبين الكتمان الذي قد يلجأ إليه الصادقون في بعض الأحيان ليساعدهم فيما يفعلون، فهذا أمر لا ضرر منه ولا بأس به إن دعت إليه ضرورة واستلزمته حاجة.

2- الأمانة في النقل عن الآخرين، حتى ولو كانوا غير مسلمين، أو كانوا من القدامى أو المحدثين، لأن تحريف الكلم عن مواضعه، وزحزحته عن بواعثه، واقتطاعه من سياقه لا يثير الحيرة والشك وحدهما، بل قد يثير فتنة ويورث بغضاء، ويغرس في النفوس ضغائن لا تنتهي، وقديمًا قالوا: وما آفة الأخبار إلا رواتها، وقد ابتكر المسلمون علمًا مستقلًا كامل الأركان لم يسبقوا إليه ولم يلحقوا، علمًا متصلًا بهذه القاعدة هو علم الجرح والتعديل، الذي من أبرز مقاصده البحث في أحوال الرجال للحكم على ما يرونه من أحاديث من حيث صحة السند أو ضعفه، وغير ذلك من طرائق هذا الفن، لتسلم لهم الأخبار المروية عن الرسول الله وصحبه الأكرمين، والأقوال المبتورة لا تصلح للتربية ولا لإجراء الأحكام إلا إذا كان للهوى مدخل كبير في ذلك، وهذا يفضي بنا إلى النقطة التالية.

3- الابتعاد عن الأهداف الخاصة، فإن الذي يبتغي وجه الله بعمله لا ينتظر من الناس جزاء ولا شكورًا، فإن عمل وهو يود أن يحقق كسبًا ماديًا، أو شهرة علمية، أو سمعة سياسية، أو وجاهة اجتماعية فقد عمله الإخلاص وكان وبالًا عليه، وربما حقق له غير ما قصد.

فيكون قد خسر في دنياه وخسر في أخراه، والعمل الجماهيري سياسيًا كان أو غير سياسي إنما يكتسب روحه وحيويته من الطابع العام وإيثار المصلحة العامة والتضحية في سبيلها -أحيانًا- بالمصلحة الخاصة إذ هذا وحده هو الذي يعطيه طابع الاستمرارية، ويعطيه تماسكًا اجتماعيًا والتفاتًا جماهيريًا، فإن تغير الوضع وصارت المصلحة الخاصة مقدمة على المصلحة العامة فقد الخطاب الدعوي مصداقيته، ولم يعد له بين الناس أصل ولا صدى، وانصرفت عن صاحبه الجماهير وربما أدى ذلك إلى عزلته وترك العمل كله.

4- ومن لوازم الخطاب الدعوي الاعتدال في الخصومة، فالشطط في كل شيء له عواقب غير سارة، والمسلم صاحب مراجعة لنفسه، وهو مطالب بالعفو والصفح والإعراض، وينبغي ألا يبالغ في خصومته لأولئك أو لهؤلاء، فقد يصبح من بينهم ذات يوم صديق أو صاحب، والمبالغة في الخصومة تقطع كل طريق أمام الذين يودون أن يراجعوا أنفسهم في أمر من الأمور، ولقد بين لنا رسول الله الله في قوله: أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون عدوك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما، وكما أن صاحب كل خطاب دعوي يود من الآخرين أن ينصفوه، فإن عليه أن ينصف الآخرين فيما يقولون، إنه العدل الذي لا ينبغي أن يغيب عن أذهان أصحاب الخطاب الدعوي في أي لحظة، والله سبحانه يقول: ﴿وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى أَلّا تَعدِلُوا اعدِلوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾(المائدة: 5)

وبهذه المعالم في الخطاب الدعوي يتقبل الإنسان بيسر النقد الذي يوجه إليه، بل قد يكون هذا النقد ذاتيًا من داخل الصف بقصد تعديل الصف وتقويم مساره، ويعمل أيضًا على عدم غمط حق الآخرين، بل يعترف بجهودهم التي استفاد الناس منها، وحسن الحكم على العمل الجماهيري يقتضي تسليط الأضواء على الإيجابيات مع توضيح السلبيات حتى نتجنبها وليس العكس، فالتشهير مرفوض والتقدير ينبغي أن يسود طالما التزم الناس بالأسس العامة التي يسير عليها مجتمع المسلمين.

الرابط المختصر :