; نحو تطبيق الشريعة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان نحو تطبيق الشريعة الإسلامية

الكاتب الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1982

مشاهدات 100

نشر في العدد 572

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 25-مايو-1982

نحو تطبيق الشريعة الإسلامية

----------------------------

  • مشاهد التهديم في المدينة أكبر شاهد على الظلم الذي لم تعرف الأمم مثيلًا له.

  • المدينة ما زالت محرومة من سماع الآذان و إقامة صلاة الجماعة، فهل حدث هذا في التاريخ؟

  • أطفال حماة لم يعد لهم ملجأ لأن آباءهم قتلوا.. فهل من صوت يرفع لإيقاف الظلم.

  • حماة مدينة ذات حضارة أثرية أصبحت قاعًا صفصفًا بعد المجزرة التاريخية التي نزلت بها.

  • مطلوب من كل حاكم مسلم أن يقف ضد الظلم والطغيان.

  • نيرون وهولاكو.. لم يفعلا مثل ما فعل في حماة.

  • حماة ستبقى رغم أنف الطغاة.

يعد من المسلمات أن وضوح الهدف والتركيز عليه مع إدراك العقبات التي تقف في سبيله وتذليلها مؤد إلى تحقيق الهدف بإذن الله، وتحقيق العدل الإلهي في الأرض باتباع منهجه وتطبيق شرعه يُعد فيما نعتقد أسمَى الغايات، وكلما عظم المطلب وشرف طال طريقه وكثرت عقباته على حد تعبير الإمام الغزالي «المتوفى 505هـ»

لقد كان الإسلام كمنهج للحياة منذ ظهوره و حتى الآن تدبر له المؤامرات و ترصد هذه الأموال، و يدخل من لا يؤمن به بقصد الإفساد فيه للحيلولة دون انتشاره، و سيادة منهجه، ولكن الله كتب لدينه الخاتم الحفظ و الصيانة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9) و كتب للأمة الإسلامية الريادة والرئاسة عند التمسك والعمل بمبادئه وتعاليمه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة: 143)،  ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: 110)

ولقد تحالفت اليهودية الماكرة و الصليبية الحاقدة و الماركسية المُلحدة في العصر الحديث على الشريعة الإسلامية، و تنوعت و تعددت أساليبها لإقصائها عن التطبيق، و لقد نجح الثالوث يوم وطئ الاستعمار الغربي ديار الإسلام و استذل أهلها، و استخف بحكامهم، وفرض قوانينه الوضعية عليهم أو هي في مجموعها قواعد من خلق البشر تحقق أهواءهم وشهواتهم، لعبت اليهودية العالمية دورًا كبيرًا في صنع قواعدها من إباحة الزنا والربا وسيطرة الجهلة بأحكام الشريعة على مقاليد الحكم تحت شعار الديمقراطية والاشتراكية، وقد ربى على مناهج المستعمر و أسسه جيل من أبناء الإسلام و أصبحوا أداته في هدم الإسلام من الداخل، و يوم خرج المستعمر من ديارهم اطمأن إلى أنه مُحقق غايته فيهم بجيل من صنعه، فصير منهم حكامًا لبعض الدول العربية يدعون الإصلاح و التطوير و التعصير لمجتمعاتهم باتباع المنهج الماركسي و أي بفضل الدين كشريعة واجبة التطبيق في شتى المجالات، و قصره على العقيدة وبعض المسائل المُتعلقة بقوانين الأحوال الشخصية أو عزل مبادئ الإسلام في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي الإعلامي عن الحياة، ثم خط خطوة أكثر خُبثًا إزاء المطالب المُلحة بتحكيم الشريعة في الحياة إلى تطوير مبادئ الشريعة الإسلامية و فروعها لتكون في خدمة النظام الغربي أو العلماني أو الصهيونية العالمية تحت سِتار الإنسانية!

و نعتقد أن العبء الأكبر في غربة الشريعة في هذا العصر و الأحجام عن تطبيقها أو التلبيس والتدليس في تطبيقها في بعض البلدان التي تَدَّعي تطبيقها يقع فيما نرى على عمالة بعض الحكام وضعفهم، وعجز بعض العلماء وتقصيرهم، وجهل غالب رعية الأمة الإسلامية بأحكام شريعتها التي هي جزء لا يتجزأ من دينها ومعتقدها.

ولعل من الشواهد التاريخية التي تؤكد ما نقول أنه عندما اُستعمرت مصر؛ أصدرت الحكومة البريطانية التقنيات المختلفة 1875م لتُطبقها المحاكم المختلطة على المنازعات التي تقع بين الأجانب المُقيمين في مصر، وقد حدا ذلك بالخديوي إسماعيل أن يطلب من رفاعة الطهطاوي- على ما أخبر به ولد «علي» للشيخ محمد رشيد رضا- أن يتصل بعلماء الأزهر ليضع تشريعًا موحدًا مُشتقًا من المذاهب الإسلامية كلها ليسري على المصريين والأجانب الذين يقيمون في الديار المصرية وإلا اضطر إلى الالتجاء إلى قوانين نابليون، فَرَدَّ عليه رفاعة الطهطاوي «يا أفندينا إنني سافرت أوروبا وتعلمت فيها، وخدمت الحكومة، وترجمت كثيرًا من الكتب الفرنسية إلى اللغة العربية، وشخت فيها، ووصلت إلى هذا السن ولم يطعن أحد في ديني، فأنا إذا اقترحت هذا الافتراء على علماء الأزهر بأمر أفندينا فإنني أخشى أن يقولوا أن الشيخ رفاعة قد ارتد عن الإسلام في أخر عمره برضاه بتغيير كتب الشريعة وجَعْلَهَا كالقوانين الوضعية، فأرجو أن يعفيني أفندينا من تعريض نفسي لهذا قبل موتي لئلا يُقال أنه مات كافرًا».

وقد أعفاه فعلًا، وأصدر الخديوي التقنينات الأهلية سنة 1883م المُشتقة أصلًا من قوانين نابليون، ولا تزال مصر الإسلامية خاضعة لسيطرة ذلك على كثرة ما وعد عليه من تعديلات، ومع الأسَى و الأسف أخذ المبدأ يسري إلى البلاد العربية والإسلامية الأخرى إلا شبه الجزيرة.

وقد حدا ذلك بالشيخ محمد أبي زهرة إلى القول: «إن استخلاص قانون من الشريعة الإسلامية لم يعد أمرًا سائغًا فقط بل أصبح واجبًا محتومًا», وعلى الرغم من ذلك فبين علماء الإسلام وفي دياره حتى الأن يحجم عن صياغة الشريعة الإسلامية صياغة عصرية وتقنينها في صورة مواد واضحة العبارة، تسهل وتوحد أمر التطبيق بمقولة إن هذا الأمر بدعة لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ونحمد الله- تبارك وتعالى- أن قيض لهذه الأمة من العلماء الأجلاء في العصر الحديث من أناروا لها الطريق وبذلوا كل الجهد والطاقة في خدمة الإسلام و النصح لأمتهم، وقد ارتأوا تقنين الفقه الإسلامي في صورة أنظمة وقوانين يعجبني في ذلك رائدهم الإمام المودودي- رحمه الله تعالى- إذ يضع المسألة في وضعها الصحيح فيقول: «إذا كانت الهيئة التي تتولى تدوين الأحكام الشرعية وتقنينها عن طريق الاجتهاد والاستنباط تتكون أصحاب العلم وذوي الفكر الذين يكون لهم باع طويل وبصيرة نافذة في مصادر الشريعة الإسلامية، والذين يكونون موضع ثقة المسلمين في أمانتهم وتقواهم وخشيتهم لله تعالى وسداد رأيهم ونزاهة تصرفاتهم، والذين لم يتأثروا بالمبادئ المستوردة والأفكار غير الإسلامية فإن مثل هذه الهيئة إذا قامت بتقنين الشريعة الإسلامية وإصدارها في أنظمة وقوانين يجوز إلزام المحاكم الشرعية بتطبيقها، كما يجوز أن يحكم بمقتضى رأي هذه الهيئة المُستمدة من أحكام الفقه الإسلامي، ولو كان رأيه هو يخالف رأيها، وعلى نفس الشروط المذكورة آنفًا يجوز لهذه الهيئة تحديد التعزيزات دون الحدود، ذلك لأنه لا بد من صياغة الشريعة الإسلامية ابتداء في مواد قانونية، وكل محاولة لإبقاء القوانين الوضعية مع تقنينها من الأحكام المخالفة للشريعة الإسلامية محكوم عليها بالتبعية؛ لأن مصطلحات القانون الوضعي وأعرافه وروحه وفلسفته تختلف تمامًا عن مصطلحات وأعراف وروح القانون الإسلامي، كما قال بحق أخونا الكبير الأستاذ أنور الجندي في كتابه القيم «إطار إسلامي للفكر المعاصر».

و قد صدق الإمام الجويني «إمام الحرمين» في كتابه غياث الأمم إذ يقول: «إنما ينسل عن ضبط الشرع، من لم يحط بمحاسنه ولم يطلع على خفاياه و مكامنه، فلا يسبق إلى مكرمة سابق إلا ولو بحث الشريعة لألفاها أو خيرًا منها في وضع الشرع».

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

صور ومشاهد من حماة:

شهادة سلوك حزبية

بينما كان المدعو أحمد الأسعد أمين- ما يسمى بحزب السلطة في حماة- يتفقد أعمال جرف المناطق المدمرة من قبل آليات شركات النظام و ذلك في أواخر شهر نيسان الماضي، إذ شاهد مسجد الشهيد الشيخ مروان حديد في حي البارودية لم يصب بأضرار كبيرة وعليه شعار الإخوان المسلمين، فلم يرق له هذا المنظر؛ فأمر الجرافات بجرفه و كَتَبَ شهادة جديدة من شهادات حسن السلوك لدى النظام الحاكم، و الجدير بالذكر أن المسجد المذكور كان في العهد العثماني مَصنعًا لصنع البارود للدولة العثمانية حَوَّلَهُ المهندس الشيخ مروان حديد إلى مسجد عام 1964.

آثار عريقة:

أزيلت من المدينة أثناء عملية آثار عريقة و تحف نادرة موغلة في القدم، يعود تاريخ بعضها إلى عهود الحثيين والآراميين والإغريق والرومان، كما أزيلت معالم و رموز إسلامية في حماة بُنيت على الطراز الأيوبي والمملوكي والطراز العثماني.

نسف ما تبقى من المساجد:

عمدت آليات السرايا إلى نسف ما تبقى من مسجد الشفاء في حي المصيطبة في المدينة وذلك خلال شهر أيار الحالي.

وكان المسجد المذكور قد دك بالمدفعية أثناء مجزرة حماة الأخيرة، ولم يبق منه سوى غرفة الوضوء وحرم صغير، مما دعا القوات الغازية إلى تدميرها.

 ومن الجدير ذكره أن المسجد المذكور استغرق بناؤه أكثر من «20» عامًا لشدة الاعتناء به، و يقع المسجد على ربوة عالية وهو ضخم البناء يتسع لآلاف المصلين.

الآذان:

لم يعد يرفع الآذان في حماة منذ أكثر من ثلاثة شهور ونصف، وقد تجرأ أحد الأشخاص فرفع الآذان في مسجد التكية فتجمع من تبقى من الناس للصلاة رغم إصابات القصف المدفعي الثقيل الذي تَعَرَّض له مؤخرًا، فكان نتيجة ذلك أن جاء بعض الغزاة إلى المسجد في الرابع عشر من إبريل الماضي و وضعوا فيه المتفجرات وسط النهار ثم غادروه، وما لبثت المتفجرات أن انفجرت فهدم المسجد و تناثرت الحجارة فوق البيوت و الشوارع على امتداد كيلومتر واحد، و سقط ما بين أربعين إلى خمسين شهيدًا من المواطنين الأبرياء.

من الأوامر:

صدر أمر في حماة بنسف المساجد والكنائس أثناء انتفاضة المدينة، وبعد انتهاء الحوادث عمدت السلطة إلى تفجير أربعة مساجد وكنيسة السريان الأرثوذوكس الجديدة في حي المدينة. وقتل أثناءها العشرات من الأبرياء على حين غرة.

الضحايا:

يقدر ضحايا العدوان الأثيم على حماة بأكثر من ثلاثين ألف قتيل.

السجون:

السجون و المُعتقلات مليئة بالأبرياء ذنبهم أنهم من أهل حماة.

أبرياء تحت الأنقاض:

قُتل ثلاثة أشخاص و جُرح آخرون من أبناء المدينة أثناء نسف مسجد الأربعين في حي العليليات، و ذلك في منتصف شهر مارس الماضي، و في كل مرة يُقتل فيها الأبرياء تنشر السلطة أخبارًا عن طريق مُخبريها مفادها أن المقتولين هم أفراد من جماعة الإخوان المسلمين، و قد دأبت السلطة على إبقاء جثث الشهداء الأبرار تحت الأنقاض.

المقابر الجماعية:

دفن المواطنون أحياء في حماة بعد أن حُفرت لهم قبور جماعية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 59

96

الثلاثاء 11-مايو-1971

كتاب جديد "جذور البلاء"

نشر في العدد 198

92

الثلاثاء 30-أبريل-1974

الوطن الكبير  عودة للكتابة