; نصف الغرب في العيادة النفسية | مجلة المجتمع

العنوان نصف الغرب في العيادة النفسية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 938

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 24-أكتوبر-1989

الدكتور رشدي فكار للمجتمع:

نصف الغرب في العيادة النفسية

 

● د. رشدي فكار

 

الدكتور رشدي فكار.. واحد من الفلاسفة العرب المعاصرين، ها هو يضع لمساته الأخيرة على نظريته الجديدة في مجلداتها الثلاثة «النظرية الحوارية».

اختص بالفكر الوضعي ثم التزم الإسلام فكرًا ينظر من خلاله إلى الحياة، همومه وآراؤه متنوعة واختصاصاته كذلك.. وحول هذه وتلك كان هذا الحوار المتنوع مع الدكتور رشدي فكار الأستاذ بجامعة الملك محمد الخامس في المغرب.

 

● كنت واحدًا من الذين أوغلوا في دراسة الفكر الغربي، وبحكم تخصصك كنت قريبًا جدًا منهم.. ترى كيف يجد الدكتور رشدي فكار حالة العالم الغربي، ومن أي منظور ينطلق؟

 

• سأقول لك الحقيقة من نهايتها.. قناعتي في النتيجة أن البشر هناك كئيب كئيب.. وبالمنظور النفسي أقول بتحديد تام: إن نصف الغرب في العيادة النفسية ونصفه الآخر في صالة الانتظار لأنه لا يجد مكانًا في العيادة.. هذه حقيقة رغم أنهم يبحثون عن حل ولكن..

 

● ترى هل هم قادرون على الوصول إلى ذلك؟

 

• قلت في كتاب «نهاية عمالقة» ما يوضح ذلك.. ودعني أشرح لك حقيقة الحال هناك.. إنهم يعانون هناك من أمراض التخمة، وأمراض التخمة ذات مظاهر وأشكال وآثار متعددة، نعم هناك مفكرون منهم يحترقون لذلك، وهذا الذي أعطانا مسلسلات الانهيار الرهيبة التي دونتها في «نهاية عمالقة» إنك تجد نهايتهم كلها كوارث لأنهم كانوا يحترقون غير مسلمين بالهزيمة.. وهذا يعطي للأمر بعدًا جديدًا.. والذي أعتقده أن الحضارة الغربية فيها عوامل قوة وعوامل ضعف رغم أني لا أعتقد أننا سوف نستيقظ غدًا ونراهم قد انتهوا.

 

● المفكر الكبير الأستاذ مالك بن نبي يقول في هذا «إن الغرب والشرق سيتلاقيان في نقطة الإفلاس التاريخي إثر انهيار النظامين»!

 

• مع احترامي للمفكر الكبير لكني لا أراهم غدًا سيتسولون المناهج والنماذج.. نعم إن الغرب القائم سيكون غير الغرب السعيد القادر على إعطاء النموذج الصالح للبشرية.. علماؤهم بالذات يقولون ذلك.. الانتحار، المخدرات، المشاكل النفسية.. علماؤهم يقولون: ما يجري الآن كارثة.. كان من المفروض أن نكون سعداء على الأقل.. اقرأ «هايدغر» حين يقول: حضارة الغرب قصر شامخ في منظر كئيب.. سكان القصر سادة وخدمًا.. السادة يعانون من الأرق والقلق والملل، والخدام يعانون من الجوع والفقر والحرمان، فليس في القصر من سعيد.

وما أعتقده كذلك أن في هذه الحضارة عوامل دفاع وصناعة إضافة إلى عوامل الانتكاس والتقلص.. وهناك تفاعل والله يحكم.

 

بين النص والعقل

 

● الآن نعود إلى الذات ونبدأ الحديث في هذا الاتجاه عن نظرة الدكتور رشدي إلى بعض قضايا التراث خاصة وأن له بعض كتب في ذلك، والسؤال هو عن حقيقة ما يقال عن خلاف أو صراع بين العقل والنص في التاريخ الإسلامي؟

 

• جوابي واضح ومعروف.. إن ما تفخر به الحضارة الإسلامية أنها كانت حضارة متعددة القنوات فهي حضارة أعطت للأصول الأولوية.. الإسلام ابتداء أصول.. وهناك مدرسة المدينة مدرسة النصوص ثم هناك قناة ثانية قناة الدراية «الاستحسان القياس».. «مدرسة الكوفة».. ثم هناك قناة ثالثة «البصرة وبغداد» المنطق الصوري والاستدلالي.. إذن لدينا تيارات ثلاثة، ومن الخطأ أن نقول إن الأصوليين ممن احتكموا للنص أو الحديث إنهم حرفيون نصيون.. أنا أعتقد أنه كان وراءهم منطق في منتهى العمق..

إنهم حينما أعطوا للنص الأولوية أعطوا أولوية للعقل الكامل الذي لا يخطئ «رب العالمين» النص منزل والذي أوحى به العقل الكامل المطلق «إن صحت العبارة، وبالتالي فلا مكان لأهواء النفس أو الغرائز، ومن هنا أعتقد أن هذه المدرسة هي قمة في العقلية.. إنها حين احتكمت للنص احتكمت للذي لا يعرف الخطأ.. وهذا عين العقل.. وما أقوله أنا كعالم نفسي إن مشكلة النص أكثر عمقًا مما نظن..

في قضية مثلًا: نقول إن قوانين الأحوال الشخصية أو القانون الموحد تعلن أن الطلاق لا يتم إلا على يد قاضٍ.. النص الشرعي والأحاديث كانت في مقابل ذلك في قمة القداسة والروعة.. لقد رأى الإسلام أن الطلاق ظاهرة غير محببة «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، ونهاية الأسرة حين يقرر الرجل ذلك تكون نهاية مؤجلة، «إلا إذا كان القرار النهائي متخذًا من البداية» وعندها يحدث الذي يحدث.. وينصرف الطرفان.. في المحاكم الآن يراد من الطلاق أن يكون فضيحة كبرى.. محامي الزوج يبدأ بنشر سجل الزوجة والعكس بالعكس.. وتنتهي المحكمة وقد هتك سر الوالدين وصار الأولاد في مهب ريح الفضيحة.. ولا «حكمًا من أهله ولا حكمًا من أهلها».. إنها خسارة.. وما أحوجنا في مقابلها إلى عودة لكتاب الله سبحانه والمشرع نتبع خطواته، وهكذا فالنص في الحقيقة حق وصدق وطمأنينة، والصراع الفكري الذي حدث له إيجابيات أكثر بكثير من أية سلبية.. ولكن لا صراع بين العقل والنص مطلقًا.

 

● إذا الأمر كذلك.. فما هي في رأي الدكتور رشدي مشكلات عودة الإسلام لممارسة الدور في الواقع والحياة؟

 

• أنا أؤكد هنا كذلك أنه ليس للإسلام مشكلة.. المشكلة هي مشكلة سلوك المسلمين.. لا داعي أن نقول كلما تعسر بنا الطريق أن ذلك من الإسلام.. الإسلام ليس هو القضية، القضية هي قضية البشر الإسلامي، وما أحوجنا إلى إعادة صياغة السلوك الإسلامي، المشكلة فينا لا في ديننا.. إننا نعيش في عصر غني بالإنجازات المروعة وعندما بدأت عملية التنقل حصل الإحباط والإسقاط وبدأنا نبحث عمن نجسد فيه الخطيئة.. ولهذا دعنا نتساءل كيف يستعيد المسلم نقاء سلوكه على ضوء الإسلام لا في عتمة العصر.. لقد قنن لنا الإسلام كل شيء من أبسط السلوكيات إلى أعقدها من علاقتك مع زوجك وأولادك إلى مستوى وعلو صوتك

إلى علاقتك مع عدوك، وكل هذه مؤشرات.. ولكننا خلطنا المتغيرات وأخذنا من هنا وهناك وافتعلنا أشياء لا أساس لها.

 

● كعالم نفسي، يرى بعضهم أن هذه التحديدات تعد قيودًا على الحرية الإنسانية، فكيف ينظر رشدي فكار لذلك؟

 

• من خلال موقعي في علم النفس أقول إن تلك المؤشرات هي قمة في الشروق.. لقد جاء الإسلام شارحًا ما استوجب علينا.. لقد شرح لنا كيف نحب وكيف نتعاطف.. كيف نرحم وكيف نفترق.. وهذه حريات حقيقية.. في وقت تعيش فيه أوروبا ضحية حرية مزورة.. أسرة متفككة ومصالح متباينة، ورحمة مفقودة، وود

مجهول.. إنها حرية مزيفة وصراع مصالح غير محدود.

 

● أن نستيقظ غدًا لنرى انتهاء الحضارة الغربية رغم كثرة عوامل الضعف فيها.

● مشكلة سلوك المسلمين عقبة أمام عودة الإسلام لممارسة دوره في الحياة.

● التحاور.. لا المداهنة أفضل طريق نسلكه مع القيادات في العالم.

 

حديث التاريخ

 

● هناك مفاصل كثيرة في تاريخنا كانت نقاطًا ذات أثر في انحراف مسيرة الحضارة الإسلامية بل والنكوص على الأعقاب.

ما هي في رأي الدكتور رشدي فكار أهم تلك العوامل التي قادت إلى الحالة التي نحياها اليوم من التخلف والانهيار؟

 

• ابن خلدون طرح منذ أربعة قرون وأكثر قضية غيبة الصناعة، فهو يقول إن غيرنا بدأ يهتم بالصناعة، ونحن لم نهتم بها ويتنبأ بأن هذا شؤم وخطر.. وهذه حقيقة.. من جهة أخرى لا بد أن تقرر أن هناك فترة مخاض كبرى حدثت في القرن الخامس عشر.. لقد دخلت مجتمعنا عناصر ديناميكية معينة، بعضها كان دافعًا للأمام،

وبعضها الآخر كان للوراء، وأنا أرى أن الامتداد الإسلامي استمر إلى غاية (1453) حين سقطت القسطنطينية وإلى حين سقطت غرناطة (1492) وهذان الحدثان «رغم أن الأول كان انتصارًا والآخر هزيمة» كانا نهاية الامتداد الإسلامي، قابلهما حدثان هامان في أوروبا.. الأول كان عدم قراءة الطبيعة كنص والإنسان كنص، وإنما تشريح وتركيب الإنسان والطبيعة، يعني ظهور فرنسيس بيكون والعلوم التجريبية (1616) ثم المنهج الديكارتي (1637) لقد كان الغرب يسجل إصابات بعكسنا تمامًا، أما الإجابة عن سبب اعتباري سقوط القسطنطينية نهاية المد الإسلامي، فأنا أقول مع احترامي لكل الآراء المخالفة أو مع احترامي الشديد للدولة العثمانية، أقول: إنه وحتى قبل ظهور الدولة العثمانية كان العقل له أولوية على السيف، مع الخلافة العثمانية وهي خلافة نعتز ونفتخر بها أعطت للإسلام امتدادًا ما شاهده في أي عصر، لكنها كذلك أعطت السيف أولوية على العقل.. لقد ربطت قوة البشر الإسلامي بقوة السيف، فبمجرد أن يسقط السيف ينتهي البشر الإسلامي.. وهذا لم يكن قائمًا في العصور الأولى، كان للبشر المسلم ركائز عقلية قوية.. وكانت هناك مواجهات فكرية.. ومدارس.. هناك مثلًا معركة المعتزلة والأشاعرة التي انتهت بانتصار الأشاعرة وامتصاص واحتواء المنطق الصوري بأكمله.. وكان هذا صراعًا مشرفًا.. كانت هناك قدرات ذهنية تتحرك كرصيد لهذا البشر حتى لا يقع في المسلسل الخطر.. أما عندما صار السيف هو المعيار.. سكن القلم وهدأ الرصيد وبدأ بالتراجع.. لقد بقيت الأندلس تقاوم السقوط (400) عام رغم كل الهجمات الشرسة العاتية لأن الرصيد الفكري كان كبيرًا وعظيمًا، واستطاع أن يقاوم.. وكانت هناك محاولات الكر والفر.. «الموحدون المرابطون» وسواهم.. لقد كان الإسلام دينًا حمل في آيته الأولى مفهوم القراءة والسيف لديه وسيلة وليس غاية.

 

بين الماضي والحاضر

 

● ترى هل انسحب هذا الاختلال في معادلة «السيف - القلم» على أوضاعنا الحالية، وما هي حدود ذلك؟

 

• لا شك أن بعضًا من معاناة الواقع الذي نحياه يصور وبآثار متنوعة تعود إلى ذلك الخلل الذي طرأ.. ولعلك تلمح الساعة أنه وحتى حملة المشاريع الحضارية دخلوا في مواجهات وصدامات مع القيادات الأمر الذي ترك أبشع الآثار السلبية

على واقع الأمة.

 

● ولكن كيف يفسر الدكتور رشدي تلك المواجهات وما هي حقيقة جدواها؟ وما هي آثارها إجمالًا؟

 

• دعني أقول لك شيئًا مهمًا.. أنا لا أؤمن مطلقًا بجدوى المواجهة مع القيادات في عصر الصواريخ والهليكوبتر التي تستطيع حصد الملايين في ساعات، إنه ليس في صالح أية أمة أن تدخل بعض الفئات في صراع مع القيادات.. لقد جربنا في الوطن العربي ذلك طيلة ثلاثين عامًا، ولم نحل مشكلة، إن أفضل طريق هو التحاور لا المداهنة.. والقيادات لا بد أن تستمع إلى المنطق المخلص المقنع.. أما التخويف

والتهديد والإرهاب فهو خطر داهم.

 

● ولكن أليس هذا تبسيطًا للصراع؟

 

• حتمًا أنا لا أعتقد أنه يكفي القضاء على تلك المشكلة بساعات أو أيام، ولكن هذا أساس لا بد منه.. أن قناعة القيادات أن المواجهة معها ليس هدفها إزالتها، وإنما توجيهها ونصحها، هو بداية الأمر.. إن جانبًا كبيرًا من الصراعات القائمة الآن مبنية على سياسة التخويف «كل يتخوف من الآخر» «سيفعلها بي إن لم أفعلها به».. لقد وقعنا في معارك خسر فيها الجميع واستنزفت طاقات الأمة ولا فائدة.

 

● ومن المسؤول عن ذلك كله؟

 

• غياب الوعي باختصار.. وأنا أعتقد أننا نفقد ابتداء القيادة المؤهلة.. وهي المشكلة.. وهذه نقطة شرعية دينية.. بحتة، فلطالما وضع الإسلام أسس اختيار إمام الصلاة في دقائقها القليلة فكيف بإمامة الناس والمجتمع.. والحقيقة أنه لا مكان في هذا العالم لقيادة غير مؤهلة، والمرء يحس بكثير من الفخر والاعتزاز والاحترام لأولئك الذين يسعون لتأهيل الذين يتولون بعدهم.. لقد عشنا (30) عامًا من حياة أمتنا في ظل قيادات تتمتع بالوطنية والمغامرة ولكن ينقصها أخطر شيء وهو التأهيل.. لقد وضع القرن العشرون أسسًا للقيادة من أهمها المؤسسات، وهذه قضايا ما عادت تعرف الانفعال أو العشوائية، لقد آن الأوان لكي يبدأ الحوار، وآن الأوان لظهور قيادة مؤهلة، وكفى تخويفًا ورعبًا ودماء... إن هناك من يصرف الكثير من أجل أن تظهر قيادة متوترة متشنجة التي تستنزف خيرات البلاد في أجهزة سرية لحماية حرقة لا وجود لها.

 

● ولكن بعضهم يرى أن حوارًا كهذا غير مجد في بعض المواقع؟

 

• لا أستطيع الدخول في التفاصيل، لكني مؤمن بأن المستقبل أفضل، وأنا أرى أن مئات الألوف من البراعم التي تنطلق كل صباح إلى مدارسها لا بد أن تحمل في غدها القادم تباشير الفجر.

 

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل