; نصيب العالم الثالث من تجارة الموت | مجلة المجتمع

العنوان نصيب العالم الثالث من تجارة الموت

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يناير-1987

مشاهدات 63

نشر في العدد 801

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 20-يناير-1987

  • أميركا تحتكر وحدها 40% من تجارة الأسلحة.
  • معظم الصفقات السرية تتم بترخيص حكومات الدول البائعة.
  • حروب العالم الثالث حروب بالوكالة.
  • 300 مليار دولار نفقات الأسلحة للعالم الثالث عام 1985.

تجارة الأسلحة موضوع يثير قضايا كثيرة وحساسيات لدى الأطراف التي لها صلة به وذلك لأن البضاعة في هذه التجارة ليست كأي بضاعة تجارية أخرى، وبالتالي فالاتجار فيها ليس عملية تجارية اقتصادية بحتة بقدر ما هو عملية سياسية تتنزل في إطار استراتيجية معينة ولها آثار لا تخفى على أحد وقضية صفقات الأسلحة الأميركية السرية إلى إيران وما أحدثته من ضجة وما خلفته من ردود فعل عنيفة حتى على مستوى النظام الأميركي نفسه أكبر دليل على ذلك.. من ناحية أخرى كثيرًا ما تتحدث وسائل الإعلام عن سباق التسلح الرهيب بين الدول العظمى وبالخصوص بين الروس والأميركان وقلما تتعرض إلى سباق التسلح فيما بين دول العالم الثالث بمعنى بذل أقصى جهدها لتحسين ترسانتها العسكرية كما ونوعا برغم أن هذا السباق يأخذ طابع الاستنزاف لمقدرات الشعوب إذ هو يفرض عليها فرضًا بدافع الضغوطات الأمنية وبدافع وجوب حماية الحدود والمكتسبات وسط عالم يزداد فيه اصطراع المطامع والمصالح حدة يومًا بعد يوم، وهذا هو المأزق الذي تجد الدول النامية نفسها فيه فهل تراها تستطيع الخلاص منه ورفع تحديه؟

صناعة الأسلحة وتجارتها مزدهرة على الدوام

من الملفت للنظر أن الشركات الوحيدة التي لم تتأثر في العقدين الأخيرين بالأزمات الاقتصادية والضائقات المالية هي شركات صنع الأسلحة، بل إن هذه الشركات على نقيض غيرها من الشركات المدنية شهدت ازدهارًا وتوسعًا في نشاطاتها في أوج الأزمات وأوج الركود الاقتصادي وحققت أرباحًا لا تضاهى حتى أن 13 شركة من 25 شركة أميركية عملاقة متخصصة في تصدير إنتاجها تحولت إلى إنتاج الأسلحة مثل شركة «نورثورب» «وماكدونالد دوغلاس» و«روکیل إنترناشيونال» «وجنرال ديناميكس» وغيرها وقد ذكرت مجلة «لوفيغارو» الفرنسية في سلسلة مقالات نشرت في صيف 1985 أن عشر شركات أميركية منتجة للأسلحة حققت أرباحًا تساوي 25% من رأسمالها في عام 1984 بينما لم تحقق الشركات الأخرى ذات الأنشطة المدنية أكثر من 12% من الأرباح، وبناء على ذلك فإن البلدان المنتجة والمصدرة للأسلحة لا تنظر إلى تجارة الموت على أنها تجارة مربحة فقط، بل على أنها علاوة على ذلك وسيلة من وسائل تحريك الاقتصاد القومي وإنقاذه من الركود وبطبيعة الحال لابد أن تكتمل الحلقة بإشعال الحروب والفتن وإحداث البؤر الملتهبة لتصريف الأسلحة والأعتدة المنتجة وحتى تظل مصانع الدمار والموت تدور دون توقف.

لماذا كانت دول العالم الثالث مسرحًا لمعظم الحروب بعد الحرب العالمية الثانية؟

من المدهش أن نعرف أنه منذ ١٩٦٠ وقع ما يزيد على ٦٥ حربًا وقتالاً مسلحًا وأن كل هذه الحروب تركزت في العالم الثالث وحصدت قرابة 10 ملايين نسمة من أبنائه وإذا كنا لا نبرئ الأطراف المباشرة في تلك الحروب فإن أصابع الاتهام لابد أن تتجه إلى القوى الاستعمارية والاستغلالية التي لعبت أهم الأدوار في تلك الحروب وحركت بأيديها القذرة قطع الشطرنج على الرقاع بحيث ينفجر الموقف وينشب القتال بما يتلاءم مع مصالح تلك القوى وأقل تلك المصالح ما تحصل عليه من أموال طائلة من مبيعات الأسلحة.. لقد صرح وزير الدفاع الأميركي واينبرغر معلقًا على أهمية تصدير الأسلحة الأميركية: إن بيع الأسلحة يمكننا من تخفيض أثمان أسلحتنا وأعتدتنا ونفقاتها والأعباء المالية المترتبة عليها فقد استطاع البنتاغون توفير 3 مليارات دولار تقريبًا من ميزانية إنتاج الأسلحة خلال الخمس سنوات السابقة (من خطابه الذي ألقاه بتاريخ 22/ 2/ 1983).

ولا يخفى أن أميركا لا تهدف من وراء إشعال الحروب في العالم الثالث إلا الربح المادي فقط بل تهدف كذلك إلى تثبيت دعائم استراتيجيتها والمحافظة على الأنظمة الدائرة في فلكها وتقوية هيمنتها على سائر الشعوب الحديثة الاستقلال عمومًا، وهناك من يفسر وقوع جل الحروب بعد الحرب العالمية الثانية في العالم الثالث باستحالة حدوث صدام مباشر بين القوى العظمى بسبب ما تملكه من مخزون ذري يهدد الوجود البشري فتضطر هذه القوى العظمى أن تخوض الصراع بالوكالة أي بواسطة الشعوب الصغيرة وتدفع هذه الشعوب من دمائها وأموالها ثمن هذا الصراع.

ولعل ما جاء في خطاب وزير الدفاع الأميركي أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونجرس يؤكد هذه الحقيقة إذ يقول: «الدولارات الأميركية التي نوظفها من أجل شراء الأسلحة.. للقوات المسلحة التركية أو التايلاندية أو الباكستانية كنا سننفقها على قواتنا من أجل أن تعمل كل ما سيعمله الأتراك أو التايلانديون أو الباكستانيون أفضل منا وأرخص».

ونشير هنا إلى أن منطقة الشرق الأوسط قد نالت النصيب الأوفر من حروب العالم الثالث ودفعت أفدح الخسائر المادية والبشرية ثمنًا لها ولم تنطفئ بعد نيران الحرب العراقية الإيرانية التي فاقت سابقاتها بحجم خسائرها المهولة والتي أحدثت جرحًا بليغًا في جسم الأمة الإسلامية ومن الطبيعي والحال هذه أن تكون هذه المنطقة من أهم أسواق السلاح في العالم الثالث فقد جاء مجموع ما استوردته عشر دول عربية سنة 1985 حوالي 54% من مجموع ما استوردته كل دول العالم الثالث أي إن هذه الدول العربية وحدها تستحوذ على أكثر من نصف كمية السلاح المعروضة في العالم ولولا الخطر الصهيوني الذي يتهدد الأمة العربية لما كانت أعباء التسلح في العالم العربي بهذا الثقل.

البناء العسكري يعوق التنمية

إذا كانت تجارة الأسلحة وسيلة من وسائل تحريك الاقتصاد في الدول المصنعة فهي على الجانب الآخر أبشع وسيلة من وسائل الابتزاز والاستغلال وإثقال اقتصاديات المشترين على حساب مخططات التنمية باعتبار ما تنفقه دول العالم الثالث على شراء الأسلحة وإذا ما قارنا بين الميزانيات العسكرية لدول العالم الثالث «ما عدا الدول النفطية التي لها من الأموال ما يكفي للبناء المدني والبناء العسكري» لوجدنا أن أموالاً طائلة تنفق على أسلحة تفقد قيمتها بعد سنوات كان أولى أن تستغل لتقديم خدمات اجتماعية أو لإنشاء مشاريع تنموية.

لقد دفع العالم الثالث قرابة 300 مليار دولار سنة 1985 للحصول على أسلحة وعتاد عسكري في حين مازال 300 مليون طفل من أبنائه الذين هم في سن التعليم دون فرصة للتعلم ومازالت المجاعة تطحن عشرات الآلاف في بعض المناطق مثل القرن الإفريقي وإثيوبيا وتشاد، وما أحوج المواطن في مثل هذه الدول إلى رغيف يسد به رمقه ولباس يقيه البرد وبيت يلجأ إليه بدل طلقات الرصاص وقذائف الموت.

إن مسؤولية تجار الموت كبيرة في استنزاف الموارد الضئيلة للدول الفقيرة المستوردة للسلاح هذه الدول التي تنفق على التسلح خمسة أضعاف ما تنفقه على التنمية بالرغم من أن متوسط دخل الفرد فيها يوازي 1/ 12 من متوسط دخل الفرد في الدول الصناعية المصدرة للسلاح.

والجدير بالذكر أن حصول الدول النامية الفقيرة منها بالخصوص على السلاح غالبًا ما يكون بواسطة قروض من الدول المصدرة نفسها ومما لا شك فيه أن مشكلة تراكم ديون العالم الثالث تعود في جزء كبير منها إلى استيراد الأسلحة وقد جاء في تقرير أعدته مؤسسة ركفلر واتحاد العلماء الأميركيين أن أكثر من 20 دولة نامية تنفق أكثر من 20% من ديونها الخارجية على واردات الأسلحة والإنشاءات العسكرية، وكيف لا يكون الأمر كذلك والسلع المعروضة أغلى السلع ناهيك أن سعر الصاروخ جو أرض مثلاً يتراوح ثمنه بين 40 ألف دولار و900 ألف دولار حسب النوعية، وعلى سبيل المثال يباع الصاروخ الفرنسي «اكسوسيت طراز 39 أم» بـ890 ألف دولار وهو مبلغ يكفي لبناء عشر مدارس في بعض البلدان النامية.

انتقال الأسلحة تجارة أم سياسة

السمات الأساسية لهذه التجارة هي تحويل مبالغ ضخمة من الشاري إلى البائع وانتقال البضائع (السلاح) دومًا من دول المركز إلى دول الأطراف أي من الدول الصناعية الغنية إلى الدول ذات المستوى الصناعي الأدنى وبما أن الذين يقومون على هذه التجارة هم أساسًا الحكومات وفي مرتبة ثانية الشركات الخاصة والأفراد فلابد أن تخضع هذه التجارة لسياسات حكومات الدول المصدرة للسلاح.

إننا نسمع كثيرًا عن تهريب الأسلحة وعن الصفقات السرية وعن السوق السوداء لهذه التجارة، ولكن كل نشاط القطاع الخاص في مجال هذه التجارة لا يمثل سوى جزء ضئيل من حجم سوقها وحتى هذا الجزء الضئيل الذي يقوم به الأفراد والشركات الخاصة لابد له من الحصول على إجازة خاصة من حكومة الدولة البائعة، وفي كثير من الأحيان يكون السماسرة والتجار الخواص والوسطاء عمومًا مجرد واجهة فقط لأن الدول البائعة لا تستطيع في بعض الأحيان أن تبيع أسلحتها علانية إلى زبائنها من الدكتاتوريين أو لأنها تخشى من ردة فعل الرأي العام الداخلي والخارجي أو لأنها تعد سر الحرب لها مصلحة في نشوبها وهذا أکبر تاجر سلاح أميركي يدعى صامويل كامنغيز يصرح قائلاً: «أنا لا أبيع أي سلاح لأي أحد دون الحصول على رخص رسمية من حكومتي الولايات المتحدة الأميركية وإنجلترا». وهذا يؤكد ضلوع حكومات الدول البائعة للسلاح في الصفقات السرية وموافقتها عليها لأنها تتماشى مع سياستها وتخدم استراتيجيتها.

لقد قال جيمي كارتر الرئيس الأسبق للولايات المتحدة في هذا الصدد: «إن الطريق الصحيح الذي اتبعته الولايات المتحدة هو استخدام نقل السلاح كوسيلة من وسائل السياسة الخارجية.. لقد توخينا خلق توازنات محلية وفتح الطريق أمام نفوذنا حتى نتحكم في كل الأطراف لتحقيق مصالحنا.. إن واجبنا هو السيطرة على الموارد الاستراتيجية وعمل توازنات لصالح الدول الصديقة لإبعاد الحرب عنا وزيادة قدرة الأصدقاء الذين يساعدوننا على إكمال ترتيباتنا وللتقليل من التدخل الأميركي المباشر».

إن حديث كارتر عن نقل الأسلحة يبين بوضوح أن قوانين السوق الربحية لا تتحكم وحدها في تجارة الموت، بل إن هذه التجارة طالما تتم برعاية الحكومات وإشرافها لابد أن تتحكم فيها اعتبارات سياسية واستراتيجية نوجزها فيما يلي:

١- مصلحة الدولة المنتجة وحاجتها لبيع الأسلحة.

۲- عدم إخلال أي صفقة بموازين القوى التي كرستها القوتان العظميان.

٣- يجب أن تكفل الصفقة ضربًا من استمرارية العلاقات التجارية بين الدولة المنتجة المصدرة والدولة المشترية المستهلكة بحيث تسهل الصفقة عقد صفقات أخرى مدنية وعسكرية.

٤- المانع الأكيد لعقد أي صفقة هو تهديد الأسلحة المصدرة في وقت من الأوقات مصلحة الدولة البائعة أو الدول الحليفة لها.

٥- لا سبيل أن تبيع الدولة المنتجة أحدث أسلحتها وتحتفظ بها لنفسها.

إذن سوق السلاح هي سوق سياسية قبل أن تكون سوقًا تجارية وإذا أخذنا الولايات المتحدة كمثال باعتبارها أكبر دولة مصدرة للسلاح حيث تحتكر وحدها 40% من هذه التجارة نجد أن جميع شركات السلاح فيها تابعة لبنك أوف أميركا وهذا البنك لا يحق له التصرف إلا بعد استشارة البيت الأبيض.

الأمن السلاحي ضرورة مثل الأمن الغذائي

بما أن الذين يملكون الأسلحة الاستراتيجية الجبارة هم الذين يمسكون بزمام الأمور فإن حروب العالم الثالث المحدودة ونزاعاته المسلحة لا تعدو أن تكون حرائق مفتعلة لتصريف الأسلحة واستهلاكها فإن كل بندقية تشتريها البلدان الفقيرة بالخصوص وكل صاروخ تطلقه وكل طائرة تدفع فيها ثروة بعينها ليست في النهاية سوى شكل جديد من أشكال سرقة وابتزاز أولئك الذين يشعرون بالجوع والحرمان ولا يجدون من يطعمهم. وأولئك الذين يشعرون بالبرد والألم ولا يجدون من يكسيهم أو يداويهم وليس أمام دول العالم الثالث ودول العالم العربي والإسلامي بالذات إلا أن تعمل جاهدة من أجل الإفلات من مأزق التسلح من الخارج الذي تفرضه علينا كما هو مفهوم الضغوطات الأجنبية وحاجة الدفاع عن النفس والوطن حتى نتمكن من كسر التبعية في مجال السلاح ومن ضمان أمننا منه ومثلما ننادي بالأمن الزراعي والغذائي لابد أن ننادي بالأمن السلاحي -إن صح هذا التعبير- لأنه فيه حماية للوجود ذاته وإطلاقًا وتعزيزًا لحريتنا السياسية والاقتصادية.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل