; نظام الحكم في الإسلام :الحكم أصل في الإسلام والحكومة ركن في بنائه وعروة من عراه الوثقى | مجلة المجتمع

العنوان نظام الحكم في الإسلام :الحكم أصل في الإسلام والحكومة ركن في بنائه وعروة من عراه الوثقى

الكاتب ماجد أحمد المومني

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000

مشاهدات 67

نشر في العدد 1413

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 15-أغسطس-2000

السيادة العليا في النظام الإسلامي لشريعة الله.. وهي حاكمة على كل ما عداها

(*) باحث أردني.

الإسلام هو منهاج الحياة الكامل وهو الدين الذي بعث الله به محمدًا ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليحقق لهم سعادة الدنيا والآخرة، وهو روح مهيمن ونظام شامل نظام يتناول تحديد العلاقة بين العبد وربه، وبينه وبين نفسه، وبين جنسه وسائر ما يتصل به، ويتناول تحديد نظرته للحياة، ومسلكه فيها وتعيين ما له من حقوق وما عليه من واجبات.

وهو تزكية للنفس وتربية للخلق، وعبادة لله، وتنظيم للحياة فيه تدبير المنزل ورباط الأسرة وحقوق الرحم، وقانون المجتمع وسياسة الدولة.

والمسلم مطالب بعلم ذلك والعمل به والإحسان فيه قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ  (القصص: ۷۷).

ومن هنا يخطئ من يظن أن الإسلام دين روحانية وعبادة فحسب ولا شأن له بتنظيم الحياة أو شؤون الدنيا - وهو خطأ قدْ ينتهي بصاحبه إلى الكفر بما أنزل الله على رسوله، فالله الذي أمر بتوحيده وعبادته وأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هو الذي أحل البيع وحرم الربا، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وشرع القصاص وأنزل على رسوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ (المائدة: ٤٩).

الحكم أصل في الإسلام

وبهذا تبين أن الحكم أصل في الإسلام، وأن الحكومة ركن في بنائه، وقد جعله النبي r عروة من عرى الإسلام الوثقى، ففي الحديث الشريف لتنقضن عرى الإسلام عروةً عروة، فأولها نقضًا الحكم، وأخرها نقضًا الصلاة»..

وقد ذكره كثير من الفقهاء في كتب العقائد والأصول، لا الفقهيات والفروع.

 قال الإمام الغزالي رحمه الله.. «واعلم بأن الشريعة أصل والملك حارس وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع»..

ضرورة الحكم

1- الحكم ضرورة اجتماعية:  الإنسان مدني بالطبع، أي لا غنى له عن الاجتماع ببني جنسه والناس مختلفو المشارب والمذاهب والقوى والرغبات فما لم يكن لهم وازع يزعهم، وسلطان يحكمهم أكل قويهم ضعيفهم، وسادت الفوضى بينهم، وقد أحسن الشاعر قديمًا تصوير هذه الحقيقة فقال:

لاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لاَ سَرَاةَ لَهُمْ *** وَلا سَراةَ إِذا جُهّالُهُم سادوا

تُلفى الأُمورُ بِأَهلِ الرُشدِ ما صَلَحَت *** فَإِن تَوَلَّوا فَبِالأَشرارِ تَنقادُ

۲ - الحكم ضرورة شرعية: فالإسلام منهج كامل يشتمل العقائد والعبادات والآداب والفضائل والأحكام والحدود، وهذه العقائد والعبادات تحتاج إلى من يحرسها ويثبت دعائمها ويقيم ،شعائرها وهذه الآداب والفضائل تحتاج إلى من يتعهد غرسها ويذود عنها، وهذه الأحكام تحتاج إلى من يقيمها ويفرض سلطانها وينفذها، ولا يتم الإيمان ولا يستقيم الأمر إلا بهذا، قال تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء:65).

﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: ٤٨).

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:44).

فأوجب في هذه الآيات التحاكم إلى كتابه والإذعان له والحكم به وعدم الحكم بسواه، فصار من المتيقن أن يوجد في المسلمين حاكم يحرس عقيدة الأمة وشعائرها ويصون أخلاقها وفضائلها وينفذ أحكام الله ويقيم حدوده، ويحكم بين الناس بما أنزل الله حتى لا تهن العقيدة وتضيع الفرائض وتنحل الأخلاق، وتتعطل الأحكام والحدود، وتكون فتنة.

قال تعالي ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحج:41).

فيتعين إقامة هذا الحاكم المسلم ليكون الظل الذي يفيء إليه المظلوم والمحروم، والحارس الذي يحفظ حدود الله ويحمي حرمات المسلمين، كما قال النبي r: «إنما الإمام جنة يتقى به».. «متفق عليه في حديث أبي هريرة». 

من أجل ذلك. عني أصحاب رسول الله  باختيار خليفة له فوراً عقب وفاته، وقدموا انتخابهم له على دفنه ذلك لأن الأمة لا يستقيم لها أمر إلا بإمام، وأن الشريعة لا تنفذ إلا بسلطان.

دعائم الحكم في الإسلام

هنا نبحث عن الدعائم التي يقوم عليها الحكم في الإسلام وتعنى بها الأصول التي تحدد منهج الحكم وغايته وعلاقة الحاكم بالمحكوم حتى لا ينحرف الحكم عن سواء السبيل، ويمكن تلخيصها في نقاط أربع هي:

1- السيادة للشرع والقرآن دستور الحكم.

2- مسؤولية الحاكم.

3- مسؤولية الأمة.

4-الشورى.

أولًا: السيادة للشرع

الأصل في النظم السياسية المعروفة أن السيادة للأمة تشرع لنفسها وتفعل ما تشاء. 

لكن الأصل في الإسلام أن السيادة لشرع الله ودينه، فإن الحكم في الأصل لله وحده، ليس لأحد حكم ولا شرع معه وعلى الأمة أن تتقيد ولا تخالف أمره.

وقديمًا قال أرسطو: «إن السيادة يجب أن تكون للقانون» وخالف بذلك أستاذه أفلاطون الذي قال: «إن السيادة ينبغي أن تكون للحكام الفلاسفة»، ومع الفارق بين الفكرتين، فإن القانون الذي يعنيه أرسطو هو من وضع البشر سواء وضعه فرد أو جماعة، وهو مهما بلغ قاصر قصور الإنسان الذي يجهل نفسه، ولا يستطيع أن يضع لها منهجاً يغنيها عن دين الله الذي أحاط بكل شيء علمًا.

والشرع الذي له السيادة عندنا هو القرآن الكريم وسنة نبينا محمد الله، قال تعالى ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (النحل:٤). 

فالقرآن الكريم هو دستور الحكم ودعامته الأولى فمن أجله أقيم، وعليه يعتمد في نظامه وإدارته وسياسته وطاعته فهو مصدر السيادة إليه يرد الأمر عند الخلاف، وبأحكامه وتعاليمه يلتزم الحاكم والمحكوم فهو الذي يحدد صورة الحكم ومادته، كما أنه الأساس الذي تبنى عليه الحياة في الدولة كلها.

ولا تقدر الحقوق ولا الواجبات ولا تنفذ القوانين والعقوبات إلا بحكمه، ولا تعلن حرب ولا يجنح لسلم، ولا يعقد صلح، ولا يبرم عهد إلا باسمه ورسمه، هو الحاكم على الإمام والأمة، وهو الحكيم في كل قضية قال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ (المائدة:٤٨).

ومن ثم فهو عصمة الأمة، وجامع كلمتها، كما أنه نظامها وقانون سعادتها، وكل حكم أو نظام لا قوم على أساسه أو يشذ عن أحكامه فهو باطل منهار.

ثانيًا: مسؤولية الحاكم

الأصل في نظام الحكم في الإسلام أن رئيس الدولة هو المسؤول الأول عن إدارة شؤونها، غير أن بعض الفقهاء من المسلمين أجازوا لرئيس الدولة أن يفوض لغيره مباشرة سلطته وتحمل مسؤوليته - مادام في ذلك مصلحة عامة، واستدلوا بقوله تعالى: حكاية على لسان نبيه موسى عليه السلام ﴿وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي هَٰرُونَ أَخِي ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي (طه:30).

قالوا: فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز، واستدلوا بأن تدبير الأمة لا يطيقه الإمام إلا استنابة شخص أو وزارة تضطلع بالأمر يسمونها وزارة تفويض أي يفوض إليها تدبير الأمور اجتهادها، وتكون هي المسؤولة بالنيابة. 

لكن ذلك لا يخلي الإمام شرعًا من المسؤولية وفي عنقه بيعة وأمانة والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ  (فاطر:18).

فالحاكم مسؤول بحكم المسؤولية العامة قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ".. (متفق عليه). إن الحكم في الإسلام تكليف وإنه عقد التزام وتوكيل، وإن الحاكم في الإسلام مكلف ومسؤول وعليه الوفاء بما التزمه أمام الله والأمة التي وكلته.

ثالثًا: مسؤولية الأمة

وهي الدعامة الثالثة من دعائم الحكم في الإسلام، فالأمة هي المخاطب الأول والمطالب بتنفيذ الأحكام والمكلف شرعًا باختيار الإمام وما الإمام إلا نائب عنها وموكل منها فهي مسؤولة عن معاونته ومتابعته في إقامة حكم الله وسيادة الشرع ويدل على هذه المسؤولية ويثبتها أمور منها:

1- أن خطاب الله التكليفي موجه للامة في القرآن الكريم لأنه يدور بين أمرين ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (الأحزاب:59) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (البقرة:104).

۲ - وأن أوامر الله وأحكامه ووصاياه في القرآن موجهة للأمة كقوله تعالى ﴿فَأَصْلِحُوا (الحجرات:9)  ﴿فَقَاتِلُوا (الحجرات:9)  ﴿فَاجْلِدُوا (النور:2) ﴿وَلَا تَقْبَلُوا (النور:4) ﴿فَاقْطَعُوا (المائدة:38)  و﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ. (النساء:11). 

فالخطاب في جميع ذلك للأمة كلها - فهو المسؤول الأول عن إقامة الحق وتنفيذ شرع الله. 

3- وأن هذه المسؤولية هي مقتضى عقد الأخوة للموالاة التي جعلها الله بين المؤمنين وأكدها بقوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (التوبة:۷۱).

 فمن ألزم صفاتها النصح، ومن أوجبها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على التقوى، فقد أوجب الله على كل مسلم أن يهتم لأمر أخيه المسلم ينصره ظالمًا: يكفه عن الظلم، وينصره مظلومًا بإعانته على الظالم للوصول إلى حقه بل أوجب ذلك على أمته كلها.

قال عليه الصلاة والسلام: «مَن لم يَهْتَمَّ بأمرِ المسلمينَ فليسَ منهم» «رواه الترمذي، والبيهقي والحاكم وغيرهم»..

رابعًا: الشورى

الدعامة الرابعة التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام هي «الشورى» فالحاكم وكيل وأمين، يعمل في خدمة الأمة ولمصلحتها، فمن حق الأمة أن يؤخذ رأيها فيما يريد أن يعمل لها، وأن نستشار في كل أمر يهمها.

ومن واجب الحاكم أن يرجع إليها وأن يستشيرها، وأن ينزل على رأيها ويحترم إرادتها، فإنها صاحبة الشأن أولًا وأخيرًا، وعليها يقع العب في تحمل تصرفه صوابًا أو خطاء فلا ينبغي أن يعلن حربًا أو يعقد صلحًا أو يدخل في أمر مهم إلا بعد مشاورتها وموافقتها وهذه أدلة وجوبها. 

أ- وشاورهم في الأمر:

قال تعالى لنبيه :r ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ (آل عمران:١٥٩)، وهو أمر للوجوب، ولهذا قال r لأبي بكر وعمر لما نزلت هذه الآية: لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما» ولما سئل عن معنى العزم في الآية قال: «... مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم». 

ب - وأمرهم شورى بينهم:

قال تعالى يصف المؤمنين القائمين بأمره ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى:38)، فجعل الشورى مثل الصلاة في الاستجابة لأمر الله، فهي أمر حتمي وواجب.

ج -عمل النبي وخلفائه:

وقد التزمها الرسول  rوعمل بها، ونفذها أدق تنفيذ وخذ مثلًا مكان بدر حين وافق الحباب ومثلًا آخر غزوة أحد، إذ كان في رأيه r عمله البقاء للقتال في المدينة مع رأي القلة من الشيوخ، لكن رأي الأكثرية من الشباب القتال خارج المدينة فنزل الرسول عند رأيهم وهو كاره، وكانت حصيلة رأيهم الهزيمة، ولكنها مع ذلك أخف ضررًا من هدم قاعدة الشورى في حياة الأمة.

 كذلك كان أبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون يستشيرون المسلمين في كل ما ينوبهم من جسام الأمور وينزلون على رأي الأغلبية والجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، وبهذه الشورى عاش المسلمون في شمل جامع وأمر رشيد، وإن اختلفوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة نبيه.

قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء:59). 

الرابط المختصر :