العنوان نظام عربي جديد!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1546
نشر في الصفحة 22
السبت 12-أبريل-2003
في غمرة الحديث عن اضمحلال النظام العربي تتواتر أنباء عن مساعٍ لصياغة «نظام عربي جديد»
فقد تزامنت دعوة الرئيس حسني مبارك أمام الجيش الثالث المصري مؤخرًا إلى «نظام أمن جماعي عربي متطور يواكب روح العصر ويعزز قدراتنا على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية على حدٍ سواء»، تزامنت تلك الدعوة مع ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر دبلوماسي عربي رفيع المستوى، كشف عن «مشاورات ساخنة على أعلى المستويات لإعادة بناء الكيان العربي وفق معطيات جديدة تتفق عليها الأطراف المؤثرة بما ينسجم مع المستجدات الإقليمية والدولية... وأنه سيتم استثناء دول عربية من التوجه الجديد»
وكان عمرو موسى - أمين عام الجامعة العربية - أكثر صراحة في حواره مع صحيفة «الشرق الأوسط» «الثلاثاء۱ /٤ الجاري»، وهو يصف الحالة العربية بالضعف الكبير والذي انعكس على مستقبل الكيان العربي.
ولا شك أن أنباء هذا التوجه الجديد لإعادة بناء الكيان العربي تسقط علينا كالصاعقة، ليس كُرهًا في إعادة ترتيب البيت العربي، ولا امتعاضًا من محاولة ضخ الحيوية في النظام العربي الخامل، ولا حتى تشكيكًا في المساعي الدائرة لتحقيق ذلك، وإنما تقوم تخوفاتنا على ما يلي:
أولًا: لم نشهد على الساحة العربية أي مؤشرات تحمل عناصر قوة، أو تحسن للوضع العربي بقدر ما تبدو عوامل الضعف متزايدة.
وقد يقول قائل: إن ذلك أدعى للمسارعة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكن المسارعة يجب أن تكون وفق أسس وإرادة وجسارة على الإنقاذ ومحاولة «إسناد» البناء قبل أن ينهار على من فيه، وذلك غير ملموس.
ثانيًا: الذي يبدو واضحًا على الخريطة العربية، هو تغليب العلاقة الثنائية بين واشنطن ومعظم أعضاء المنظومة العربية - كلٌ على حدة على العلاقة العربية البينية... وذلك ليس بخافٍ على أحد.
ثالثًا: أن الدعوة لإقامة «كيان عربي جديد» تأتي في وقت تصل فيه الهيمنة الأمريكية على المنطقة العربية إلى ذروتها بعد سحقها لواحدة من أكبر دول النظام العربي، ولا يستبعد أن يمتد السحق لأعضاء آخرين في ذلك النظام العربي بل والإسلامي، وهو ما يمثل في المحصلة النهائية ضربة مُوجعة لقوة وجغرافية هذا النظام ومخزونه الحضاري والثقافي والاقتصادي.
ومن هنا، فلن يكون من قبيل المبالغة القول إن أي محاولة اليوم لتشكيل نظام عربي جديد لن تسلم من مراعاة الرؤية الأمريكية - على الأقل، لمستقبل المنطقة والتي أفصحت عنها الإدارة الأمريكية طوال الفترة الماضية، ممثلة في مشاريع «فرض الديمقراطية»، وتأميم التعليم... وتغيير الأنظمة، بل وربما تغيير جغرافية المنطقة.
فهل يمكن - في ضوء ذلك - أن نرتجي نظامًا عربيًا جديدًا بحق؟.. إن مصر تحاول... نعم.... ولكن المطلوب غربيًا للدور المصري منذ عقود هو الانحصار داخل الحدود المصرية، وإن تعداها، فبحساب وباتفاق، ولم تُجد المحاولات المصرية المتواصلة لكسر هذا الطوق، لأن عوامل الدفع العربي تكاد تكون معطلة أو راغبة في التعطل.
ومن هنا، فإن الحديث عن نظام عربي جديد ينهض بحفظ أمن الأمة القومي، ويحمي مقدراتها ويصون استقلالها، ويحتفظ لها بمكانة وسط عالم التكتلات والقوى، وينطلق بها نحو المستقبل، يظل حديثًا من قبيل الأمنيات والآمال حتي تشهد المنظومة العربية أو حتى جزء منها تغييرًا جذريًا نابعًا من أرضها وبإرادة شعوبها وتضحياتها، وذلك أمر بعيد المنال - للأسف - في ظل المعطيات العربية والدولية الماثلة أمامنا.
والحقيقة أن المساعي والأهداف لا تتوقف- غربيًا - عند حد فض «النظام العربي» وحده، وإنما أيضًا فض «النظام الإسلامي» كله على المدى البعيد... حتى يمكن فرض المشروع الغربي لإعادة التقسيم والتجزيء في هدوء.
وهنا لسنا أيضًا في حاجة كبيرة إلى استدلال، فالمشروع الغربي المتعدد المراحل لضرب مكامن القوة الجغرافية والديموجرافية والعسكرية على امتداد العالم الإسلامي مشروع واضح ومتجسد على الأرض.. فالمحاولات الدائرة من الطرف الغربي برعاية الأمم المتحدة لتفتيت إندونيسيا واضحة للمراقب العادي وقد نجحت في خطواتها الأولى في فصل تيمور الشرقية الكاثوليكية، وها هي تواصل محاولاتها لفصل جزر أخرى بتجمعاتها الهندوسية - والكاثوليكية سعيًا لانفراط جزر الأرخبيل الكبير وكتلته
السكانية الكبرى!
ثم أليس ما يجري من محاولات لترويض باكستان وفض مشروعها النووي... وما يُبيَّت لإيران لشل قدرتها العسكرية... وما يُبيَّت لدول إسلامية أخرى كبرى... أليس دليلًا على أن مشروع فض المنظومة الإسلامية يتواكب مع مشروع هدم النظام العربي؟
إن كل ما يتردد بقوة على الساحة الدولية منذ أحداث ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱م عن اقتراب دخول العالم في تغييرات، وتقسيمات كبرى، مقصود به العالمان العربي والإسلامي بالدرجة الأولى، وحتى يتحقق ذلك في عرف تلك المشاريع، فلابد من هدم النظام العربي وقض المنظومة الإسلامية لإحداث الخلخلة والفضاء المطلوب للتغيير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل