العنوان نظرات إسلامية.. الأمم الأخلاق
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر الجمعة 13-يناير-2012
مشاهدات 61
نشر في العدد 1984
نشر في الصفحة 53
الجمعة 13-يناير-2012
تعيش مجتمعاتنا أزمة أخلاق خطيرة، تتبدى مظاهرها في الأكاذيب السياسية والإعلامية، وصور الغش الاقتصادي، وانحدار لغة التعامل اليومي، وشيوع الشرور والمفاسد والصراعات والمظالم، والمطامع والأهواء، وإصرار الفريق العلماني على التحلل من منظومة القيم والأخلاقيات الإسلامية، وإلباس ذلك ثوب الحداثة والمدنية والتقدم والتطور، وهذا خطاب خطير في حقيقة الأمر لأنه ينطلي على البسطاء وأنصاف المتعلمين.
إن المجتمعات الإسلامية فضلًا عن الإنسانية في حاجة ماسة إلى مكارم الأخلاق، لأن فسادها يدمر المجتمعات ويشيع فيها شريعة الغاب، ويأكل القوي الضعيف دون وازع من ضمير أو دين، وفي هذا الشأن يعج تراثنا الإسلامي النبوي بآداب وتوجيهات أخلاقية، لو تمسكت بها الأمم لتغيرت حالها إلى الأفضل، وتوقفت الصراعات المقيتة.
روى أحمد وغيره بسند قوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، وفي رواية للبزار وغيره: «مكارم الأخلاق»، أو في أخرى للطبراني وغيره: «حسن الأخلاق».
وهنا نذكر تهذيب النفس، وتربية الوجدان، والتألف مع الناس، والقرب إليهم، والتواضع والرفق بالضعفاء. ويطالعنا ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه، وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».
وفي رواية عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بني دارًا فأكملها وأحسنها، إلا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء»، ونبصر مكانة النبوة في أفقها العالي، وحملة لوائها في ذروة الحضارة، حتى كأنها حقيقة واحدة تصنع الحياة، وتبني الحضارة في صورة إنسانية موحدة الإحساس والشعور، ويطالعنا قوله جل شأنه لخاتم النبيين ﷺ: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4)
وتلك شهادة من الله في ميزان الله لخير خلق الله، ومدلول هذا الخلق العظيم، هو ما عند الله، وحقيقة هذه النفس من حقيقة هذه الرسالة، ويطالبنا جواب عائشة رضي الله عنها فيما رواه مسلم وغيره من حديث طويل عن سعد بن هشام أنه قال: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت بلى قالت: فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن. قال: فهممت أن أقول، ولا أسأل أحدًا عن شيء حتى أموت.
ومع ذلك أمره الله أن يقتدي بكل واحد من الأنبياء الذين يقودون موكب الإيمان، وهم الذين هداهم الله، وفي هذا الأمر يقول الله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (الأنعام: 90)
ولما كان ذلك درجة عالية لم يتيسر لأحد من الأنبياء قبله، لا جرم أن وصف الله خلق محمد ﷺ بأنه عظيم، رجاء أن ينشرح الصدر، وتطمئن النفس، وينتشي الحس، وينسكب هذا في الحنايا والجوانح، ويظهر في السلوك والجوارح، وتفيض الطمأنينة على القلب، وتصبح النفس في محراب أشواق وأنس، وتتبدى للروح آفاق تسبيح وقدس، وتعود إلينا سيرتنا الأولى وتهب نفحات القرن الأول، ويوجد للإسلام عالم مثالي، هو قضاء الله الغالب، وقدره الذي لا يرد، ويفرح المؤمنون بنصر الله، ويرحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي القائل:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل