; نظرات في سيرة الإمام حسن البنا (الحلقة الثانية) | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في سيرة الإمام حسن البنا (الحلقة الثانية)

الكاتب شوقي محمود الأسطل

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1993

مشاهدات 51

نشر في العدد 1040

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 02-مارس-1993

نظرات في سيرة الإمام حسن البنا (الحلقة الثانية)

بقلم: شوقي محمود الأسطل - موجه التربية الإسلامية بإدارة تعليم نجران – السعودية الإمام الشهيد حسن البنا.

3. تواضعه

صدق المعلم الأول صلى الله عليه وسلم عندما قال في الحديث الذي رواه مسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه». وقد كان الإمام مثالًا في التواضع ولين الجانب، وخفض الجناح، والزهد في الألقاب. نُشرت له صورة مع الشيخ مصطفى السباعي «المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا» في جريدة الإخوان وقد كتب تحتها «قائد وجندي»، فما كان منه إلا أن غضب وكتب إليهم بالرد التالي الذي نُشر في نفس الجريدة: «... كما قرأت كذلك تحت الصورة التي نشرتموها بالأمس تقديمًا لي ولفضيلة الأخ الأستاذ مصطفى السباعي في نهايته هاتان الكلمتان «قائد وجندي»، فإن أردتم بالقائد فضيلة الأستاذ السباعي وبالجندي هذا الضعيف الذي ما اعتبر نفسه يومًا إلا أصغر جنود دعوة الحق فقد أحسنتم وصفًا وشكر الله لكم. وإن كنتم تقصدون ما تَبَادَر إلى الأذهان من أول وهلة حين يرون مرشدًا ومراقبًا فإلى الله أبرأ مما صنعتم، وإلى الإخوان أعتذر عما وضعتم. وأرجو ألَّا تحملنكم المداعبات الصحفية على مثل هذه المتعبات النفسية (7).

 حدث الدكتور محمد خميس حميدة أخاه سعد الدين الوليلي «سكرتير الإمام» فقال: أتدري يا سعد أسعد يوم مرَّ بالمرشد؟ قلت: أي الأيام وكل يوم أسعد عنده من سابقه؟ قال: يوم دخلنا داره وعددنا يربو على الخمسة بعد سهرة طويلة بالمركز العام نسأله العشاء، فتركنا وعاد جذلًا يحمل ما بقي من قوت عياله من الأرغفة وخيارات معدودة وقليل من حبات الزيتون وقطِع من الجبن القديم، وقال: كلوا فهذا عشائي وخير الطعام ما كثرت عليه الأيدي باسم الله، فأكلنا وشبعنا وحمدنا الله.

 قلت: صدقت، فوالله ما تميز طعامه وما اشتهت نفسه شيئًا قَطْ غير ما قدم إليه أو عرض عليه. ويحكي سعد الدين الوليلي فيقول واصفًا رحلة جمعته بالإمام: «هبطت بنا الطائرة في سوريا للاجتماع بقادة العروبة للتشاور في أمر فلسطين. وفكر الإخوان هناك في إكرام الإمام وإحلاله محله من الاحترام، فحجزوا لي وله في فندق الأوريان بالاس. وعند انتصاف الليل دعانا الأخ الشاعر عمر بهاء الدين الأميري للنوم والراحة. ولشدّ ما كانت دهشة فضيلته حينما وقف بباب الفندق ثم صاح: يا عمر، أنبيت هنا في المكان الأنيق وإخواننا المجاهدون في معسكري البريج بفلسطين وقطنا بسوريا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء؟ والله لليلة في دار من دور الإخوان أفترش الحصير وألتحف عباءتي وأتوسَّد ذراعي أحب إلي من الدنيا وما فيها (8).

4. عفة لسانه وقلمه

كان رحمه الله نموذجًا في الالتزام يمثل لآداب الإسلام في مخاطبة حتى الخصوم، مستنيرًا في ذلك بكتاب الله عز وجل ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34)، وبسُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا» (رواه أبو داود بإسناد صحيح).

 هاجمت صحف الوفد الإخوان ومرشدهم هجومًا فاجرًا مستخدمة في ذلك كل فنون الكذب والافتراء، فإذا ببعض الإخوان يقوم بالرد عليهم وبأسلوب يقترب من أسلوبهم، فغضب رحمه الله وكتب إليهم هذه الرسالة التي نُشرت على صفحات جريدة «الإخوان»: «حضرة المفضال رئيس تحرير «الإخوان المسلمون»، فقد قرأت ما كُتب من تعليقات عن زهد النحاس وعن النحاس الورع في عدد الأمس، فلم أرَهُ يساير الأسلوب الذي ترتضيه دعوة الإخوان ويتفق مع طابع الجريدة التي تنطق بلسانها، بل هو بالأساليب الحزبية والصحف التجارية أشبه وإليها أقرب. وأظن أنني نبهتكم مرة من قبل إلى هذا المعنى ويظهر أنكم نسيتموه. وكان الأخ الكاتب يستطيع أن يصل إلى كل ما يريد بعبارة قوية رصينة تحمل طابع النصيحة والحرص على قبولها والاستماع لها، تبتعد عن التشهير واللمز وقد نهينا عنه أشد النهي. وإن من إرشاد الحق تبارك وتعالى لموسى وهارون عليهما السلام ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (طه: 44). ولا حجة فيما تتناوله الصحف الوفدية من أعراضنا بغير الحق أو تلغ فيه صباح مساء من الباطل، وأين إذًا فضل الدعوة وسمو الفكرة وجلال درجة العفو ومنزلة الكاظمين الغيظ والاقتداء بسيد البشر صلى الله عليه وسلم «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون». ولهذا أرجو أن تحرص الجريدة كل الحرص على تخير الألفاظ وانتقاء العبارات وتجنب النواحي الشخصية التافهة وتحري المعاني الكلية الجامعة، مع تصحيح النية وكبح جماح الغضب وكظم الغيظ وقتل شهوة الانتقام (9). ويوم أن انشق بعض الإخوان وسموا أنفسهم شباب محمد، لم يَثُر عليهم ولم يقاطعهم، ولكن تصرف معهم التصرف الذي يليق به في مثل هذا الموقف، فقد اتخذ شباب محمد مقرًّا له وأعد دفاتر للاشتراك في صفوفه، فكان الإيصال الأول باسم حسن البنا؛ ليؤكد لهم أن موقفهم هذا لم يزعجه وإنه يتمنى لكل عامل في حقل الدعوة أن يوفقه الله لكل ما يحب ويرضى (10).

 وتأمل معي قصته مع الدكتور طه حسين عندما أصدر كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي كان دعوة صريحة للاتجاه إلى الغرب وأخذ ما عنده من خير أو شر. وقد تناول الكتاب وصاحبه بالنقد كثير من الكتاب فلم يكترث بكل ما كتب وعزم على وضع ما جاء في كتابه موضع التنفيذ، وقد كان مستشارًا لوزارة المعارف. وهنا اتصل بعض الغيورين بالإمام وطلبوا منه نقدًا للكتاب عبر محاضرة، وحددوا موعدًا لذلك بعد 5 أيام بدار الشبان المسلمين، وطبعوا الدعوات. وقد كان مرتبطًا بمواعيد طوال هذه الأيام ولا يستطيع التحلل منها، ولم يجد وقتًا للاطلاع على الكتاب إلا فترة ركوبه من وإلى عمله. يقول: «فقرأت الكتاب وكنت أضع علامات بالقلم الرصاص على فقرات معينة. ولم تمض الأيام الخمسة حتى كنت قد استوعبت الكتاب كله. وفي الموعد المحدد ذهبت إلى دار الشبان فوجدتها على غير عادتها، خاصة والحاضرون هم رجالات العلم والأدب والتربية في مصر. ووقفت وبجانبي الدكتور يحيى الدرديري السكرتير العام للشبان المسلمين، ورأيت الكتاب كله منطبعًا في خاطري بعلاماتي التي كنت علمتها بالقلم الرصاص. وبدأت فقلت: لن أنقد هذا الكتاب بكلام من عندي، وإنما سأنقد بعضه ببعض. وأخذت أذكر العبارة من الكتاب وأعارضها بأخرى من نفس الكتاب. ولاحظ الدكتور الدرديري أنني في كل مرة أقول: يقول الدكتور طه في صفحة كذا وأقرأ العبارات بنصها أيضًا من خاطري، فاستوقفني ليُحضر نسخة من الكتاب ليراجع النصوص والصفحات، وظل يتابعني فيجد العبارات لا تنقص حرفًا ولا تزيد ويجد الصفحات كما أحددها، فكاد يُجن وساد الحاضرين جوٌّ من الدهشة. وظللت على هذه الوتيرة حتى أنهيت الكتاب. فلما هممت بالانصراف اقترب مني الدكتور يحيى وأسر في أذني سرًّا تعجبت له قال: لقد كان معنا الدكتور طه وسمع محاضرتك دون أن يراه ويشعر به أحد، وقد خرج كذلك دون أن يُحس به أحد.

 وطلب الدكتور طه مقابلة الإمام وفي لقائه به قال: لعلك يا أستاذ حسن لا تعلم بأنني حضرت محاضرتك وبأنني كنت حريصًا على حضورها وعلى الاستماع إلى كل كلمة تقولها لأنني أعرف من هو حسن البنا وأقسم لك لو أن أعظم عظيم في مصر كان في مكانك ما أعرته اهتمامًا، وليس لدي رد على شيء مما قلت، وهذا نوع من النَّقد لا يستطيعه غيرك وهذا ما عناني مشقة الاستماع إليك ولقد كنت أستمع إلى نقدك لي وأطرب. وأقسم يا أستاذ حسن لو كان أعدائي شرفاء مثلك لطأطأت لهم رأسي. ليت أعدائي مثل حسن البنا إذن لمددت لهم يدي من أول يوم. وكان من آثار هذا اللقاء أن عدل الدكتور طه عن آرائه التي سجلها في كتابه وفي كتبه ومقالاته التي سبقته (11).

 هذه القصة أسوقها لمن لا يعرفون إلا اللجاج في الخصومة واتهام الناس في نياتهم، متجاهلين هدى الإسلام في مخاطبة الناس ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83). واقرأ معي وتدبر هذه الكلمات المضيئة لشيخ الإسلام ابن تيمية رضى الله عنه والتي قالها في حق من خالف في قضية زيادة الإيمان ونقصانه حيث يقول: «وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته» (12).

 ويقول كذلك في رسالة وجهها إلى إحدى الجماعات الصوفية القائمة في عهده مع ما عرف عنه من شدة في الحق والجرأة في الإنكار على كل مبتدع سواء انتسب إلى الصوفية أو غيرهم. يقول: «من أحمد ابن تيمية إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين المنتسبين إلى أهل السُنة والجماعة والمنتمين إلى جماعة الشيخ العارف القدوة «أبي البركات عدي بن منار الأموي» رحمه الله ومن نحى نحوهم. وفقهم الله لسلوك سبيله وأعانهم على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وجعلهم معتصمين بحبله المتين» (13).

 هذه آداب عرفها السلف والتزموها ولكنها غابت للأسف عن كثير ممن يتصدرون الدعوة إلى الإسلام اليوم.



 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 98

110

الثلاثاء 02-مايو-1972

الأسرة "98"

نشر في العدد 358

99

الثلاثاء 12-يوليو-1977

من شذرات القلم (العدد 358)

نشر في العدد 453

112

الثلاثاء 10-يوليو-1979

الأســــــرة (العدد 453)