; نظرات في قصة الغلام والراهب | مجلة المجتمع

العنوان نظرات في قصة الغلام والراهب

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006

مشاهدات 78

نشر في العدد 1688

نشر في الصفحة 58

السبت 11-فبراير-2006

العملية التربوية جهد مؤسسي يحتاج لجهود متنوعة ومتكاملة

يجب ترك مساحة للداعية لحرية التفكير والحركة بشرط أن تكون مرتبطة بأطر المؤسسة

فَبَيْنَمَا هُوَ كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس.

فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل.

فأخذ حجراً.

فَقَالَ: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي النَّاس.

فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره.

فقال له الراهب أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي. 

وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي.. فأتاه بهدايا كثيرة.

فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني. فقال: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك فأمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس.

فقال له الملك، من رد عليك بصرك؟!

قال: ربي.

قال، ولك رب غيري؟!

قال: ربي وربك الله([1]).

***

لفتة تربوية عظيمة في مواقف منوعة ومشاهد موحية جاءت في إحدى صفحات ملف قصة الغلام والراهب (قصة أصحاب الأخدود).

وبتحليلها برؤية منهجية ذات نظرتين نظرة قريبة ظاهرية، ونظرة بعيدة عميقة تحاول استجلاء بعض الملامح التربوية الطيبة التي تفيدنا في قضية اليوم.

أولاً: النظرة القريبة الظاهرة:

 والتي من خلالها نستشف بعض الملامح التربوية الظاهرية الطيبة:

1- بداية نضج الغلام التربوي على يد. أستاذه ومعلمه الراهب كان علامته البارزة هي خروج الغلام إلى دنيا الناس والاختلاط بهم، ومعايشة مشكلاتهم الحياتية.

2- الغلام كان همه الكبير وشغله الشاغل ليس الجانب الفكري للناس ومحاولة هدايتهم مباشرة إلى الله عز وجل بل أمر عجيب جداً: وهو الجانب الحياتي والمشاكل الاجتماعية اليومية.

وفي هذا توجيه للدعاة إلى أبواب جديدة وواقعية وعملية للدعوة إلى الله. وليكون ذلك الباب رداً عملياً على شبهة أن حملة مشعل التغيير والتيار الإسلامي لا يملكون برامج واقعية لمجتمعهم.

وكم من دواب كثيرة ومنوعة، وتمثل جل هموم الناس بل وتحبسهم في حدود معينة لا تسمح لهم بالتغيير والتجديد والنمو الاجتماعي والحياتي، ويغفل عنها جمهور الدعاة والمصلحين بمحاولات تزيين خطابهم الجماهيري!

3- كانت العملية التربوية للغلام من النضج بكونها متكاملة ومتوازنة ووسطية بما فيها منهجيته الربانية وما يجيده من آليات ناجحة لكيفية هداية البشر؛ ألا وهي مخاطبة اللاوعي والعقل الباطن للناس: أي الطريق غير المباشر، فالداعية عندما يتبنى أمراً حياتياً اجتماعياً وبعيداً عن الخطاب الجماهيري، سيكون أجدى في الدعوة إلى الله سبحانه: لأن الناس ستربط بين شخصه وسلوكه وبين فكرته؛ فإن تلمسوا نفعه لهم أحيوه فأمنوا بفكرته.

4- كذلك كان من نضجه التربوي أن يفقه أولويات الوقت فكان هدفه المرحلي واضحاً ومركزاً، وكان سلوكه أهم من كلامه فكان قتله للدابة أهم من خطابه والحديث عن فكرته.

5- ومن علامات نضجه التربوي هو حريته الفكرية وإعمال عقله، فرغم حبه الأستاذة واتباع تعاليم معلمه. ورغم خطورة طريق الهداية - لم تمنعه أن تكون طاعته المعلمة: طاعة مبصرة حرة رائدة تمكنه هي من تشغيل فكره الحر المستقل المبدع في اختبار صدق الطريق وابتكر طريقة اختبارية خاصة لأفكار معلمه وهي أن تكون علامة صدق أفكار معلمه هي نجاح تطبيقها على الواقع فيما ينفع الناس. فمتى يعلم الدعاة والمربون أن مهمتهم هي صنع الرجال الأحرار، وليس العبيد؟ وإنه من الشرف الكبير لهم أن يكونوا مربين لأحرار، مبدعين، خلاقين، لا أحجار خاملين؟

6- وكان يوم مقتل الدابة يوم عيد ويوم نجاح في نضوج الثمرة وكانت احتفالية عظيمة بمقتل الدابة فكان يوم عيد للناس بحل أعظم مشاكلهم الحياتية وعيد للغلام أن اكتمل نضجه التربوي فانتقل من مرحلة الاتباع التام إلى مرحلة الاستقلالية الحرة المنضبطة، والطاعة المبصرة، ويوم عيد لنجاح أفكار معلمه العظيم.

وكم من دعاة يحيون ويموتون وهم في مرحلة الاتباع التام والانغلاق الفكري والأسر الحركي ولا يجرؤوا أو لا يسمح لهم بأي محاولة للاستقلالية الحرة المنضبطة؟ 

7- والثمرة التي نجحت العملية التربوية والصياغة للغلام في الوصول إليها: هي انتقال الفكرة من طور التنظير إلى طور التطبيق والتنفيذ والخروج إلى الناس عملياً!

8- وكم كان الغلام رائعاً: أن عاد ليسر معلمه ويخبره بنجاحات تلميذه، ونجاح الراهب، لقد اكتملت عملية التوريث بنجاح مدهش وبسهولة غريبة.

 أي أن المناخ التربوي: كان مناخاً حراً مفتوحاً، وصحياً؛ فيسمح للغلام أن يرجع إلى معلمه في كل صغيرة وكبيرة.

وهذا ما نقصده من الاستقلالية الحرة المنضبطة وهي أن يترك للداعية مساحة لحرية التفكير والحركة والاستقلالية بشرط أن تكون مرتبطة ومنضبطة بأطر المؤسسة التي يتبعها، وبالعودة لمرجعيته ليصحح ويقوم، ويقدر ويشجع.

9- كان من أبرز وأعظم معالم العملية التربوية الراهبية للغلام رد الفعل الكيس للمربي. وتواضعه أمام إبداعات ونضوج تلميذه: لقد شهد له بالأفضلية.

ويسمونه في علم التنمية البشرية والإدارية (نظرية الدعم الإيجابي) ومعناها تشجيع وتقدير وتحفيز المبدعين.

فمتى تشهد تواضع الأستاذ لتلاميذه من الدعاة الناضجين المبدعين؟! 

10- وهنا يعن لنا تساؤل تتقاذفه صدور المتابعين لنجاح الغلام ومعلمه هل أفضلية الغلام على معلمه. والتي أقرها الراهب جاءت باختلاطه بالناس ومعايشة مشاكلهم، عكس انعزالية معلمه؟!

مع اعتبارنا بأن العملية التربوية حركة مؤسسية تحتاج لجهود منوعة متكاملة ومتعاضدة.

فالراهب يمثل العقل المحرك والغلام هي يده التي ينفذ بها؟

أو أن الراهب يمثل منظري ومفكري الطريق، والغلام منفذي ومطبقي الأفكار؟ 

على أي وجهة تتحملها مفرزات ومعطيات القصة فالمعنى العظيم هو إقرار الراهب أن تلميذه فعل ما لم يفعله. واقتحم العقبة، وحقق حلم أستاذه فخطا خطوة عملية لم يخطها معلمه!

 ومتى يتعلم الدعاة أن العملية التربوية هي حركة مؤسسية كل له دور، وكل له موقع يخدم منه طريقه، فكلهم حراس للثغور فقط هل من تنسيق وتكامل وتعاضد، ثم تقدير لكل جهد. 

11- وهنا يأتي مسك الختام، وكأنه ختم تختتم به طريق كل الدعوات: يأتي دور ومكان النصيحة الأخيرة للغلام من معلمه الخبير المحنك: بنظرته الاستشرافية المبنية على قراءة عميقة للسنن الإلهية وهي أن الغلام سيبتلي.

تماماً كما قال ورقة بن نوفل للحبيب صلى الله عليه وسلم: «لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي».

12- وكان الرجاء الأخير والعجيب أن يكتم الغلام أمر معلمه!

لماذا؟

لا ندري!

هل يخشى المعلم المواجهة؟

حاشاه من معلم محنك!

هل يخشى على نفسه الفتنة؟

أي هل هو من باب سؤال الله عز وجل دوماً: عدم تمني لقاء العدو ورجاء الثبات والعافية؟

هل هي علامة أو إشارة بانتهاء دور المعلم واعتماد التلميذ على نفسه؟

ولا نظن ذلك: لأن العملية التربوية لا تكتمل إلا بالمراقبة وفي حاجة دوماً إلى المتابعة!

هل هو اختبار أخير لصلابة الغلام؟ 

أم هو الدرس العملي الأخير، والنهاية التي ينشدها الراهب، وهي الشهادة في سبيل الله، بعد أن اطمأن على نجاح عملية التوريث، فأحب المعلم أن ينالها ولكن بطريقة عملية يستفيد منها الغلام من بعده، ثم تؤثر في الجماهير التي ستشهدها؟

حيث ستشهد أن الغلام فعلاً قد ضعف أولاً تحت مطارق التعذيب الرهيبة فدل على الراهب ثم رأى الغلام درساً عملياً من معلمه وكذلك جليس الملك وهما يصمدان أمامه وينالا الشهادة.

فكان ذلك درساً عملياً أخيراً.

وعليه فقد صمد الغلام في الاختبار الثاني أمام جبروت الملك، وآلة التعذيب المنوعة، وانتصر لفكرته أمام الجماهير فاستشهد في سبيلها، وتبعت الجماهير فكرته.

وهذا دلالة على أن الابتلاءات منوعة ومستمرة مع الطريق ومن يفشل في الأولى سينجح بعون الله تعالى في الأخرى.

وذلك حتى يرتبط قلب الدعاة دوماً بالله عز وجل، ولا يتمنوا لقاء العدو، ويسألونه الثبات والعافية. 

ودلالة تربوية: ألا نصم من ضعف مرة، وسقط مرة. وتلك طبيعة البشر، بختم يطارده طوال حياته، ولكن الناجحين هم الذين يتجاوزون فشلهم، لينتصروا في النهاية.

وفي المشاهد الأخيرة من القصة تعلم أن الغلام قد نجح في مهمته، وانتصرت فكرته، وآمن الجليس ثم الجماهير التي حضرت احتفالية المشهد الأخير حينما أسدل الستار بصمود الغلام واستشهاده.

([1]) مسلم، كتاب الزهد والرقائق (٥٣٢٧) ومسند الإمام أحمد، کتاب باقي مسند الأنصار - (۲۲۸۰5) ورواه الترمذي في سننه، كتاب التفسير - تفسير سورة البروج ٤٣٧/٤ .

الرابط المختصر :