العنوان نظرة على التاريخ العثماني.. 3 جبهات اجتمعت على حرب الدولة العثمانية
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 14-يوليو-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1459
نشر في الصفحة 42
السبت 14-يوليو-2001
ظهر في الأسواق في سنة 1999م كتاب «الدولة العثمانية المجهولة»، للدكتور أحمد آق- كوندوز رئيس الجامعة الإسلامية في هولندا ومدير وقف البحوث العثمانية بعد 15 سنة من تدقيق الوثائق العثمانية، فأحدث ضجة كبيرة، حيث عقدت ندوات في العديد من القنوات التلفازية في تركيا لمناقشة ما ورد فيه، وراج الكتاب رواجًا كبيرًا بين الأكاديميين وجماهير الشعب حتى بيع منه أكثر من 200 ألف نسخة.
وقد بدأنا منذ مدة في ترجمته إلى اللغة العربية، وندرج أدناه قسمًا من مقدمة المؤلف.
كما هو معلوم، فقد كان عام 1999م ذكرى مرور سبعمائة سنة على تأسيس الدولة العثمانية التي ظللت ثلاث قارات تحت جناحيها مدة (600) سنة، وكان من الطبيعي أن يتم تنظيم فعاليات مختلفة في هذه الذكرى سواء بجانبها أو ضدها في أكثر من (35) دولة ظهرت إلى الوجود بعد سقوطها، وعندما كنت في الولايات المتحدة كأستاذ زائر في السنة الدراسية 1997- 1998م شاهدت أن العديد من المؤسسات العلمية الأمريكية، وفي مقدمتها جامعة برنكتن، تفكر في الاشتراك في هذه الفعاليات. وقرأنا في الصحف أن المخازن المشهورة في باريس أثثت طوابق خاصة بالأثاث على الطراز العثماني.
ونحن نعتقد أن هذه الذكرى يجب أن تشكل نوعًا من نقطة تلاقٍ بين التاريخ العثماني والجمهورية التركية، أي لقاءً مليًّا يشترك فيه كل من يحب وطنه وأمته ودولته وتاريخ أمته، وأن يبذل قصارى جهده لتحقيق هذا التلاقي في هذه الذكرى.
يجب أن يقبل الجميع من جميع الفئات، يساريًّا كان أم يمينيًّا أن لنا ثلاثة أعداء رئيسين: الجهل، والفرقة، والفقر، ونحن نعتقد أن أكبر عائق أمام التلاقي بين الدولة العثمانية والجمهورية التركية هو الجهل.
وفي كل مجلس أو اجتماع حضرناه كانت الأسئلة توجه إلينا في هذا الصدد من مختلف الطبقات والفئات، من البقالين البسطاء إلى رجال العلم، وبعد الإجابة عنها كانت هناك رغبة ورجاء واحد مشترك هو: «ألا تستطيعون وضع كتاب يحتوي على أجوبة للأسئلة التي تتكرر حول الدولة العثمانية التي يجب على كل مواطن تركي معرفتها؟». إن مجتمعنا قليل القراءة مع الأسف، والكتب الموجودة في هذا الصدد، إما كتب علمية صرفة لا تستطيع الأكثرية في مجتمعنا فهمها، أو هي كتب بعيدة عن الحقيقة بحيث لا تستطيع إعطاء أجوبة شافية.
إذًا، فهذه كانت وظيفة ملية.. وكان أحد الذين أظهروا هذه الرغبة «عدنان قهوجي». فعندما كان وزيرًا للمالية استدعاني إلى أنقرة وتقدم لي بالرجاء الآتي... قال لي: «أستاذي المحترم... لم أستطع في سني دراستي معرفة المعلومات الصحيحة حول الدولة العثمانية, وفي أثناء دراستي في الولايات المتحدة فقط أدركت مدى خطأ المعلومات التي تعلمتها ضد الدولة العثمانية، ومدى ضرر رد وإنكار تاريخنا بكامله. وعندما رأيت أن أصول وطريقة «الالتزام»، «التي كنا نعيبها على الدولة العثمانية ونراها من أسباب انهيارها» تقدم في دروس الماجستير كنظرية اقتصادية حديثة تريد الولايات المتحدة الأخذ بها في جمع الضرائب، ذهلت وبدأت بتدقيق الدولة العثمانية من جديد، وكان أول عمل قمت به هو قراءة الجزء الأول من كتابكم «القوانين العثمانية»، ولكن لا يستطيع الجميع قراءة مثل هذه الكتب، لذا أتمنى وأمل منكم القيام بتلخيص ما جاء في كتبكم؛ للإجابة عن أهم الأسئلة المتكررة حول الدولة العثمانية ضمن كتاب بحجم (500) صفحة، ويكون عنوانه: «الدولة العثمانية المجهولة»، ولو قمت بهذا العمل فسأقوم بطبع (500) ألف نسخة من هذا الكتاب، وتوزيعه على الراغبين والمشتاقين إلى معرفة الحقيقة».
إن الأسئلة التي أصبحت وسيلة لتأليف هذا الكتاب ظهرت نتيجة البحوث العلمية التي بدأنا بها منذ عام 1983م، وكذلك في أثناء مئات المحاضرات التي ألقيناها في مختلف مدن الأناضول، فقد تجمع في بنك الأسئلة عندنا (5000) سؤال ورد إلينا من القراء ومن المستمعين. قمنا بتصنيف هذه الأسئلة أولًا، فرأيت مثلًا أن على رأس قائمة الأسئلة ترد (503) أسئلة تتعلق بموضوع الحريم، ثم (276) سؤالًا عما إن كان سلاطين آل عثمان، ولاسيما «يلدرم بايزيد» يشربون الخمر أم لا؟ ثم تأتي الأسئلة الأخرى حول قتل الأشقاء، والحرية والحقوق في الدولة العثمانية، وعدم حج السلاطين، وعما إذا كان السلطان وحيد الدين خائنًا أم لا ... إلخ. ولا شك أن البحوث التي سبقت وإن جرت في هذه المواضيع كانت معينة لنا.
وعندما كرر العديد ممن قابلتهم من الناس هذا، علمت أن قيامي بتأليف كتاب «700 سؤال حول الدولة العثمانية في ذكرى مرور 700 عام على تأسيسها»، وطبعه بالعدد الكافي, وإيصاله إلى المحتاجين وظيفة ملية، ولكن الأصدقاء نبهوني أن حجم مثل هذا الكتاب سيكون ضخمًا، وأنه حتى لو نشر مثل هذا الكتاب، فإن الحاجة إلى كتاب يحتوي على (300) سؤال مختار بعناية وتحت عنوان «الدولة العثمانية المجهولة»، ستبقى موجودة، وكنت قبل سنوات قد خططت لتنفيذ هذا الأمر وتأليف مثل هذا الكتاب وحدي، ولكن عندما رأيت تشعب مواضيع هذا المشروع، رأيت إشراك زميلي العزيز الدكتور «سعيد أوزترك» المتخصص في التاريخ الاقتصادي، والاستفادة من معلوماته الغزيرة في هذا الصدد، ولا سيما في تناول مواضيع الاقتصاد العثماني في القسم الرابع من الكتاب، فكانت مساهمات زميلي في حقل التاريخ الاقتصادي العثماني، ومراجعته المصادر وتدقيقه لما كتبت، عاملًا في تكامل هذا الكتاب وخروجه بشكل أفضل وأكمل، لذا ظهر هذا الكتاب تحت توقيعين وبقلم مؤلفين.
لو أن الروائح الكريهة التي يفرزها جسم شخص ما فيخلال سنة كاملة خرجت من جسمه في لحظة واحدة.. كم يبدو هذا الشخص كريهًا ؟!
كذلك حال الدولة العثمانية لقد حكمت ۲۰ مليون كيلو متر مربع مدة ستة قرون.. هل من العدل أن نجمع سيئاتها كلها ونرسم بها.
المبادئ العامة التي اتبعت في تأليف هذا الكتاب
يجب أن أسجل منذ البداية أن هذا الكتاب ليس كتابًا تاريخيًّا يتناول الحوادث حسب تواريخها بالتسلسل، كما أنه ليس كتابًا في فلسفة التاريخ بمعناها الدقيق، وهو ليس كتابًا في التاريخ الفكري، ومع وجود تقييم حقوقي وقانوني في كل سطر فيه، إلا أنه ليس كتابًا في تاريخ الحقوق والقوانين العثمانية، بل هو كتاب جيب يحتوي على أجوبة لكثير من الأسئلة المطروحة- وبعضها أسئلة طُرحت عن قصد من قبل بعض الجهات- حول تاريخ وحقوق وقوانين وثقافة ومدنية واقتصاد الدولة العثمانية.
هذا الكتاب لا يستغني عنه أي مؤرخ يعمل في حقل التاريخ العثماني؛ لأنه لم يتردد في تدقيق كثير من المواضيع تدقيقًا عميقًا، كما أنه دخل في تفاصيل تطبيقات بعض النواحي القانونية التي يود المختص في الشريعة والقوانين الإسلامية معرفتها، وهو يجيب عن أسئلة تدور في خلد المواطن العادي، وقد حاولنا كتابته بأسلوب سهل يفهمه الطالب، ويستفيد منه مدرس مادة التاريخ، ويستعمله ككتاب جيب يعينه على الإجابة عن الأسئلة التي يهتم طلابه بمعرفة الإجابة عنها فيوجهونها له، والخلاصة أنه حاول شرح التاريخ العثماني لكل مسلم من أحفاد العثمانيين ممن لا يستطيع الاستغناء عن القراءة شرحًا صحيحًا وصادقًا، وهو يحتوي على مواضيع بكر تثير انتباه كل من يهتم بالتاريخ العثماني من المواطنين أو الأجانب، وولجنا في هذا الكتاب إلى بعض تفاصيل وقصص حياة السلاطين العثمانيين التي قد يرى البعض أنها لم تكن ضرورية، ولكنها في الحقيقة كانت ضرورية لمعرفة الأسئلة الأخرى من جهة، ومن جهة أخرى فإن أسلوب الشرح أسلوب مختلف يثير انتباه حتى العارفين بهذه المواضيع، كانت غايتنا هي تصحيح التاريخ، والأكثرية العظمى لمجتمعنا ترغب في مثل هذا التصحيح، وما هذا الكتاب إلا ثمرة هذه الرغبة.
ومؤلف كل كتاب يضع مبادئ معينة لا يحيد عنها في الكتاب, وهو ينظم أسلوبه ومحتوى كتابه حسب تلك المبادئ، ولا شك أننا التزمنا في هذا الكتاب ببعض المبادئ التي لم نحد عنها، ومن أجل تهيئة القارئ نذكر بعضها:
1- هناك في أيامنا الحالية بؤر معينة وقوى سود اتخذت موقفًا معاديًّا من الدولة العثمانية، وهي تهاجم الدولة العثمانية- التي كانت أطول الدول الإسلامية عمرًا- من ثلاث جبهات:
الجبهة الأولى: أعداء الدين والتاريخ, وهم يتخذون الهجوم على الدولة العثمانية والعداء لها كستار للهجوم على الإسلام؛ لأنهم لا يستطيعون الهجوم السافر عليه. وهم بهجومهم على الدولة العثمانية التي كانت- على الرغم من قصورها- تحاول تطبيق الإسلام في جميع مناحي الحياة والعيش حسب أوامره، وهم بهجومهم عليها ينفسون عن حقدهم للإسلام الذي لا يستطيعون الهجوم عليه علانية وصراحة.
الجبهة الثانية: بعض المسلمين السذج الذين لا يعرفون التاريخ حق المعرفة الذين خُدعوا بدعايات دولة كانت عائقًا أمام الدولة العثمانية، التي كانت تحاول نشر الإسلام طوال ستة عصور.
الجبهة الثالثة: فئة معروفة أخطأت في إدراك مفهوم الدولة العثمانية حول الأمة والملة العثمانية؛ فوقفت ضد هذا المفهوم وانتقدته. هذا المفهوم الذي كان يحتضن جميع المسلمين،هؤلاء اتهموا الدولة العثمانية أنها اتخذت موقفًا معاديًّا للأتراك وللأمة التركية. فهذه الفئة تنتقد بالأخص نظام «قابي قولو» الذي وضعه السلطان محمد الفاتح، وهو نظام المؤسسة العسكرية المعتمدة على جنود «الفرسان والمشاة» الذين تعطي لهم الحكومة رواتب شهرية، كما توجه النقد العنيف إلى بعض الشخصيات الذين كانوا من أصول غير تركية، واستخدمتهم الدولة العثمانية مثل عائلة «صوقوللو».
من أهم مواضيع النقد المشتركة بين هذه الجبهات الثلاثة عدم رعاية سلاطين الدولة العثمانية حظر شرب الخمر الذي شرعه الإسلام، فيدعون أنهم كانوا مدمنين على الخمر، كما تم تقديم مواضيع مشابهة لهذا الموضوع مثل موضوع الحريم- بعد تزيينه والمبالغة فيه- أمام المواطن.
وفي هذا الكتاب تمت الإجابة عن جميع هذه المزاعم التي قدمتها هذه الجبهات.
2- كانت الدولة العثمانية دولة كبيرة، لذا فإن تناول التاريخ العثماني ليس شيئًا سهلًا بل هو عمل كبير, وأسلوب الذين يهتمون بتقصي النقائص والبحث عن الأخطاء فقط في الأعمال الكبيرة ,أسلوب غير صحيح يؤدي إلى الخداع والانخداع، وما يعمله مثل هؤلاء هو التقاط خطأ معين ثم جعله رمزًا يغلب على جميع أنواع الخير والصواب.
لو تخيلت أن الروائح الكريهة التي يفرزها جسم رجل في خلال سنة كاملة قد انتشرت منه في لحظة واحدة، فلا شك أن هذا الرجل سيبدو أمامك كريهًا، وهكذا فإن قمت بتجميع السيئات المنفردة التي حدثت في ستة قرون من التاريخ العثماني، وعلى مساحة حكم بلغت ٢٠ مليون كيلو مترًا مربعًا، ثم نظرت من خلال هذه الستارة السوداء إلى الدولة العثمانية فإنك لن ترى طبعًا سوى تاريخ أسود.
والحقيقة أن العاشق الغارق في عشق محبوبته يرى الكون كله مملوءًا بالحب، أما الأم الثكلى التي فقدت طفلها الحبيب فترى العالم كله باكيًّا حزينًا.. ولا شك أن كليهما ليس على صواب.
التاريخ عبارة عن حديقة للحوادث وللناس، ولو دخل أحدكم إلى بستان أو إلى حديقة؛ ليتنزه فيها ساعة من الزمن، فإنه قد يلاحظ في أحد أركان الحديقة الجميلة نقصًا أو شيئًا غير جميل؛ لأن حدائق الجنة وحدها هي البريئة عن كل نقص، ولأنه يستحيل وجود الكمال في هذه الدنيا، فمن كانت طبيعته منحرفة، وغير سوية فإنه يركز نظره على ذلك الشيء القبيح «ثمرة متعفنة أو ورقة يابسة»، وكأنه لا يوجد في تلك الحديقة الجميلة النضرة سواه، فتتحول تلك الحديقة الرائعة الجمال في وهمه وخياله إلى مزبلة قبيحة ووسخة، فيحس بالغثيان ثم يتقيأ، ولكن أيقوم العقل بتصويب مثل هذا التصرف؟
من يرى رؤية جميلة يفكر تفكيرًا جميلًا، ومن يفكر تفكيرًا جميلًا يرى الجمال، ومن يرى الجمال يلتذذ بحياته.
من كانت طبيعته منحرفة، غير سوية فإنه يركز نظره على الشيء القبيح
وهكذا نحن، فإن دخلنا إلى حديقة التاريخ العثماني, فلن نركز نظرنا على الأشياء القبيحة والمتعفنة، بل إلى الأزهار الجميلة المتفتحة، وإلى الورود العطرة أيضًا, فبجانب الفتوى التي كان يصدرها «طور شوجو زاده» حسب رغبات السلطة، نذكر أيضًا موقف العالم «أبو السعود» عندما خاطب السلطان «سليمان القانوني»، قائلًا له بكل شجاعة:
«لا يمكن لأوامر السلطان قلب الأمور غير الشرعية إلى أمور شرعية».
وبجانب «طورلاك كمال باشا» و«مدحت باشا»، نذكر «الملا فناري»، و«أحمد جودت باشا»، وبجانب الثلاثي للاتحاد والترقي «طلعت- أنور- جمال»، الذين خربوا الدولة وهدموها، نذكر «بيري محمد باشا» و«كوبرولو محمد باشا»، وبجانب «قاضي زاده»، وأمثاله من الذين وقفوا ضد التقدم العلمي بتعصب أعمى لا مبرر له، نذكر «لاغاري حسن جلبي» و«إسماعيل غلنبوي»، ولن نوجه لطمتنا إلى «أنور باشا» و«سعيد حليم باشا»، عندما نلطم «انترانيك» و «فانيز الوس»، ونحن ضد من يقوم بهذا.
والخلاصة إننا نعد الأشياء السلبية الموجودة في تاريخنا مثل ماء ملوث في إناء، فلو قمت بسكب هذا الماء في البحر فلن يستطيع تلويث البحر أبدًا، بل ربما تطهر ذلك الماء الملوث.
3- إن نظرتنا للتاريخ العثماني الممتد عبر 600 سنة ستكون من خلال منظار يسمح برؤية الأشياء الإيجابية والسلبية معًا، وإلا فلا يوجد أي عهد تاريخي خلا من الخير. والذين ينظرون إلى التاريخ خلاف هذه النظرة يخدعون أنفسهم، ويخدعون غيرهم أيضًا، والنتيجة الحتمية لمثل هذه النظرة أنها تكون نظرة هدامة للتاريخ وليست نظرة بناءة، ويجب ألا ننسى أن من كانت حسناته أكثر من سيئاته، وخيره أكثر من شره, فهو يستحق العفو والمغفرة على الدوام، وهذه هي العدالة الإلهية التي ستتجلى في الحساب يوم الحشر.
إن أفراد الدولة العثمانية لم يكونوا أشخاصًا معصومين من الخطأ ودون أي إثم، فكما كان من بينهم من وصل إلى مرتبة رفيعة مثل مراد الأول، ومراد الثاني، ومحمد الفاتح، وياوز سليم، وعبد الحميد الثاني، كان هناك من يشرب الخمر ويرتكب الآثام الأخرى، ومن الوقائع التاريخية أن جميع الدساتير الإسلامية كانت مقبولة ومطبقة طوال التاريخ العثماني على المستوى النظري، ومن الوقائع التاريخية أيضًا أنه وجد في الواقع العملي من خالف هذه القواعد والدساتير، وليس في الإمكان إنكار أي منهما، فكما هو في سائر الأشياء فللتاريخ العثماني حسناته وسيئاته، ولكن لكون حسناته طوال ٦٠٠ سنة أكثر من سيئاته سمح له القدر الإلهي بالعيش طوال هذه المدة الطويلة وهو يحمل لواء الدفاع عن الإسلام، وعندما بدأت سيئاته ترجح على حسناته أخذ القدر هذا اللواء وذاك الشرف منه، ولكن حتى في أحلك أيام الدولة العثمانية، وأكثرها سوء بذلوا ما بوسعهم؛ لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فلم يخالفوا صراحة شرعًا إسلاميًّا صريحًا كحرمة الخمر مثلًا، بل اتبعوا الشريعة حتى في الأمور الاجتهادية، وملايين الوثائق الموجودة حاليًّا في الأرشيف العثماني تبرهن على هذا.
4- لا شك أننا يجب أن ننظر إلى التاريخ بمنظار النقد أيضًا، غير أن ما يسوق الإنسان إلى النقد إما الرغبة في إشباع شعور الكراهية التي يحملها نحو الشيء الذي ينتقده، مثل نقد ما يراه من عيوب العدو، أو بسبب الرغبة في إشباع شعور الشفقة نحو الشخص الذي ينتقده، وهو مثل رؤية الشخص لعيب صديقه وانتقاده له؛ لذا فإنه عندما يتم تناول موضوع سلبي- ولا سيما في ساحة التاريخ- سواء أكان ذلك صحيحًا أم غير صحيح «مثلًا ادعاء انتحار يلدرم بايزيد، أو شربه للخمر»، فإن الميل لقبول هذا الادعاء ينبع من الكراهية، أما رده فينبع من الشفقة، أما إن كان الادعاء إيجابيًّا «مثل رد انتحار بایزید، ورد شربه للخمر»، فقبوله ينبع من الشفقة، ورده ينبع من الكراهية والنفور، ويجب أن نؤكد أن الرغبة في إيضاح الحقيقة وبيانها يجب أن تكون الدافع الوحيد عند القيام بالنقد.
إن أكبر مرض في عصرنا الحالي- ولا سيما في موضوع التاريخ العثماني- هو النقد المستند إلى الغرور والشعور بـ «الشطارة»، ولو تم اتباع الإنصاف لكان بمقدور النقد إظهار الحقيقة ناصعة جلية.
إن تدخل الغرور والشطارة في الأمر يخرب التاريخ ويمزقه، لا نريد تخريب التاريخ بل تصحيحه وتعميره، نحن أصدقاء لأجدادنا، لذا فلا تنقدهم بدافع الكره والبغض، بل بدافع الشفقة، ومن أجل إظهار الحقيقة وبيانها.
5- في المائة السنة الأخيرة قامت معظم أدوات النشر والإعلام في مختلف العهود باختراع كلمات مختلفة تقارن جمال الغرب بسيئاتنا، وتقارن الثمار الجميلة للمدنية- التي هي تراكم لنتائج عصور عديدة- مع الأحوال السيئة لبعض شخصيات تاريخنا، وبهذه المحاولات المتسمة بالخداع استطاعوا رسم صورة قبيحة لتاريخنا، لقد نسبوا المدنية إلى الديانة النصرانية مع أنها لم تكن ثمرة النصرانية ولا علاقة لها بها، وربطوا التأخر- الذي هو أعدى أعداء الإسلام- بالإسلام، فقلبوا الأمور رأسًا على عقب، لذا نحاول في هذا الكتاب وضع الأمور في نصابها وإصلاح هذا القياس الخاطئ، وعندما نحاول مقارنة التاريخ بأيامنا الحالية نهتم بمعرفة ما إذا كانت الأشياء المقارنة متشابهة أم لا؛ لأنه لا يجوز المقارنة إلا بين الأشياء المتشابهة. فمثلًا لا يمكن مقارنة السلطنة في الدولة العثمانية إلا مع النظام الملكي الذي كان سائدًا في أوروبا في القرون الوسطى، ولا يمكن مقارنة ومقايسة النظام الحقوقي العثماني إلا مع القوانين الأوروبية التي كانت سائدة آنذاك التي كانت تطبق على البيض قوانين غير التي تطبقها على السود، ولا يمكن مقارنة الحريم العثماني إلا مع حياة ملوك النمسا الذين كانوا ينصبون تماثيل مئات النساء من محظيات الملك في جدران قصورهم، عند إجراء مثل هذه المقارنة فقط تستطيع الوصول إلى نتائج صحيحة.
العام أبو السعود قال للسلطان سليمان القانوني: «لا يمكن لأوامر السلطان قلب الأمور غير الشرعية إلى أمور شريعة».
إذا كنت مرتبطًا بشدة مع أوروبا، وتحس بنفور عميق من تاريخ أمتك، عند ذلك تتصرف كابن غير مشروع لأوروبا، لأنك تنقلب آنذاك إلى محتال يحاول بشطارته تخريب تاريخه، وإلى شخص يفتري على أجداده، وإلى هجاء وناقد أعلن العصيان على ماضيه, وإلى ولد عاق يريد تمريغ كرامة أمته في الوحل، وبتأثير الغرور والأنانية يمكن ملاحظة أن مثل هذه الأقلام تحمل الرغبة في إهانة أمتها بدلًا من شعور الشفقة نحوها- المكلفة به عقلًا ودينًا-، والكره بدلًا من الحب، والاستهزاء بها بدلًا من تبني قضاياها، والسخرية منها بدلًا من احترامها، وإظهار ماضيها وكأنه كان غارقًا في الجهل بدلًا من احترام هذا الماضي، وشعور الكراهية بدلًا من شعور الرحمة، والكبر والغرور بدلًا من المحبة، وأخيرًا الجحود وعدم الأصالة بدلًا من الحمية والأصالة، وهذه الأقلام التي نرى نماذج عدة منها في الصحف كل يوم لا تتردد أبدًا في مدح ثوب راقصة شبه عارية في أماكن اللهو غير البريئة في باريس في الوقت الذي تقوم فيه بالاستهزاء بملابس عالم أو قاضٍ كتب صفحات مجيدة في التاريخ.
ولنسجل منذ البداية أن هؤلاء من أذناب الغرب والمتزلفين إليه- الذين يتهمون من يقف بجانب دينه وتاريخه بالتعصب- هم متعصبون أكثر من المتدينين والوطنيين مائة مرة في المواضيع التي يتناولونها ويكتبون فيها، ولو قام من يحب دينه وتاريخه بمدح عبد القادر الكيلاني أو السلطان محمد الفاتح بجزء صغير من المدح المبالغ الذي يكيله هؤلاء لشكسبير مثلًا؛ لقامت قيامة هؤلاء المتعصبين؛ لذا فعندما شرعنا في كتابة هذا الكتاب أخذنا بنظر الاعتبار هذا التعصب التاريخي, وحاولنا جهدنا ألا نتصرف مثلهم.
سيتألف كتابنا من أربعة أقسام:
سنخصص القسم الأول منه لأهم الأسئلة المتعلقة بالتاريخ السياسي للدولة العثمانية والأجوبة عنها، وسنقوم في هذا القسم بالإجابة عن الأسئلة المترددة كثيرًا حول كل سلطان حتى ولو كانت هذه الأسئلة متعلقة بالجانب القانوني أو الاقتصادي، فمثلًا عندما نجيب عن الأسئلة المتعلقة بالسلطان محمد الفاتح لا ننسى تناول موضوع قتل الأشقاء الوارد في القوانين التي أصدرها، وعندما نتناول السلطان ياوز سليم لا ننسى الإجابة عن ادعاء قيامه بمذبحة للأكراد.
وفي القسم الثاني سنتناول الأسئلة المتعلقة بالحياة الاجتماعية في الدولة العثمانية، وموضوع الحريم.. ونورد الأجوبة عنها.
في القسم الثالث سندقق النظام الحقوقي والقانوني العثماني، والمسائل المتعلقة بالتشكيلات الإدارية للدولة العثمانية.
ونذكر في القسم الرابع والأخير الأجوبة عن الأسئلة المتعلقة بالناحية الاقتصادية والقوانين المالية في الدولة العثمانية.
ونحن نأسف لأننا لم نستطع تحقيق رغبتنا في إفراد مكان لجميع الأسئلة التي وردت إلينا لهذه الأقسام الأربعة؛ بسبب ضيق المكان، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله كما يقولون، لذا اكتفينا بهذا القدر، ولو قدر الله تعالى لنا فسحة من الأجل لقمنا إن شاء الله بتأليف كتاب في مجلدين تحت عنوان «الدولة العثمانية المجهولة في سبعمائة سؤال»، مع الصور والوثائق.