العنوان نظرة في العلاقات الأمريكية– العربية بعد الغزو الإسرائيلي للبنان
الكاتب عبدالله أبو حميد
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982
مشاهدات 55
نشر في العدد 579
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 13-يوليو-1982
حسني مبارك مصالح أمريكا في الجانب العربي وليست في الجانب "الإسرائيلي".
شارون يحلم بدويلات طائفية ضعيفة تحيط "بإسرائيل".
موجة من العنف على طريقة الألوية الحمراء في إيطاليا.
كيسنجر: السوفيات كانوا يمثلون على مسرحنا!!
تبدو الدعوة إلى مقاطعة أمريكا -من خلال الارتباك العام الذي يسود المنطقة بسبب الغزو "الإسرائيلي" للبنان- أشبه بصيحة في وادٍ. ثم إنها تظهر كأنها طرفة يلقيها صاحبها في مأتم تعزية، ومن هذه الطرف ما دعت إليه صحيفة معارضة تصدر في مصر، مطالبة الجماهير العربية بمقاطعة كل ما هو أمريكي. حسنًا: إذا كانت الدعوة صادقة فعلًا، فإن على الصحيفة أن تلقي نفسها فورًا!! إذ أنها تكتب بالحبر الأمريكي على الورق الأمريكي!!
هذه المفارقة المأسوية جزء من المأساة العامة في العلاقات والمصالح المشتبكة بين أمريكا والعرب.
وقفة للمراجعة:
فالآن -وبعد أن وقفت أمريكا بكل صراحة ووضوح وإلى آخر مدى- مع "إسرائيل" وعدوانها، يدعو الواقع الذي خلقه الغزو إلى مراجعة عامة وشاملة لموقف أمريكا والموقف منها، فهذه الدولة التي تثبت كل يوم -رغم تغيير القيادة كل أربع سنوات تقريبًا- أن سياستها العامة الثابتة تجاه "إسرائيل" لم تتغير أبدًا، على الرغم من أن مصالحها الحيوية هي في الجانب العربي، هذه الدولة لا يمكن بحال أن تكون صديقًا حقيقيًّا للعرب؛ لأن ذلك سيتناقض مع موقفها من "إسرائيل" ومصالحها فيها؛ إذ تعتبرها ذراعها في المنطقة وحليفها الحقيقي في مواجهة الخطر السوفيتي في الشرق الأوسط؛ سواء تجاه تغلغله السياسي والعسكري، أو اتجاهه نحو منابع النفط العربية.
في حضن أمريكا؟!
وبالمقابل فإن مصلحة أغلب الدول العربية تبدو مشتبكة مع الولايات المتحدة أكثر من الاتحاد السوفيتي. فعلى سبيل المثال: إن الأرصدة المالية العربية تتزايد في البنوك الأمريكية، وقد تجاوزت أكثر من مائتين وخمسين مليار دولار! ونسبة المعاملات التجارية بين العرب وأمريكا بلغت 60% وهي قابلة للارتفاع المستمر!! ثم إن أمريكا تحتكر الآن تسليح عدد كبير من الدول العربية؛ وخصوصًا مصر بعد خروجها من حرب أكتوبر، وماذا نقول عن المساعدات بالقروض المالية أو المعونات الغذائية بدون مقابل، اللهم إلا أن يكون المقابل سلب مصير الشعب كله.
الهرب باتجاه الخصم!
من هنا يتضح البعد المأساوي للقضية كلها. فبعض العرب الغاضبين من التصرف الأمريكي الأخير تجاه الغزو وما لحقه من الفيتو الأمريكي ضد إدانة "إسرائيل" وإخراجها من لبنان وضد أي اقتراح أخر لحل المشكلة اللبنانية، بعض العرب هؤلاء شردوا في اتجاهين: مقاطعة أمريكا، والتهديد بالاقتراب من المعسكر السوفيتي:
هل بدأت حوادث العنف بتفجير السفارة الأمريكية بقطر.!
وقلنا في البداية إن الدعوة إلى مقاطعة أمريكا تبدو في غاية السذاجة في حالة التفكك الاقتصادي المريع والاعتماد الكلي على البضائع الأمريكية، حتى في الدول الاشتراكية!!
والاتجاه إلى موسكو يبدو هو الآخر ساذجًا عندم يصطدم بالتحالف القائم فعلًا بين (الجبارين)! ولذلك تبدو هاتان الدعوتان أقرب إلى التهريج على مسرح فكاهي غايته الضحك على الجماهير لا إضحاكها!! فأكثر الأنظمة تشنجًا في مهاجمة أمريكا وشتمها يتلقى المعونات السنوية منها باستمرار، ويستقبل مبعوثيها كلما جاؤوا إلى المنطقة، وبعض المراقبين لا يستبعدون قيام تنسيق بينهما.
الدب في المسرح الأمريكي
وفي دوامة هذه الحمى الأمريكية، يحاول الروس وعملاؤهم في المنطقة الاستفادة من الغضب الجماهيري؛ لتحويله لصالح الشيوعية العالمية، ولكن نظرة بسيطة إلى موقف الاتحاد السوفيتي وحلفائه تجاه أي قضية تخص الشرق الأوسط، تعطي انطباعًا واضح الدلالة على أن الروس لا يتحركون إلا في ساحة مصالحهم الخاصة غير بعيدين عن دائرة التنسيق مع الأمريكان ومن تعبيرات كسينجر في كتابة الصادر مؤخرًا تحت عنوان «سنوات الارتباك» قوله:
«إن السوفيات كانوا في الواقع يمثلون على مسارحنا، فنحن نملك كل شيء، الضوء والملابس والديكور باستثناء العواطف الإنسانية، وهذه مسألة يمكن تقديرها!!».
ولهذا لا يمكن أن يكون الروس أبدًا حليفًا مطمئنًا، ونحن نشاهد على الطبيعة كيف أنه يخذل حلفاءه من غير الشيوعيين، وغير بعيد عن الأذهان موقفه من العراق وسورية على حد سواء، رغم وجود المعاهدتين معهما.
سبيل الخلاص!
وعلى هذا أيضًا ستبقى الشعوب الضعيفة والمستضعفة منفردة ومستفردة في ساحة الصراع الدولي؛ لأن الميل إلى أحد المعسكرين سيغضب الآخر، ومن المستحيل إرضاء الطرفين، والذين استطاعوا إلى الآن السير على الحبلين سيسقطون كما سقط غيرهم في الماضي القريب، لتناقض المصالح بين المعسكرين، وعليه فإن على أمتنا أن تعود إلى ذاتيتها؛ لتستقي منها طريق الخلاص وحبل النجاة، هذه الذاتية المتمثلة في عقيدتها الواضحة وتاريخها العريق وإمكانياتها الهائلة، هي طريق طويلة، ولكن لابد منه للوصول إلى الحياة الحرة الكريمة.
تطابق الأهداف:
وفي المنظور القريب يبدو المستقبل أسود متجهمًا.. وقبل الدخول في التوقعات ننظر في المعطيات فلقد قيل: إن الغزو الأخير قد أعد له شارون منذ ثلاث سنوات ولم يبق إلا أن يأخذ الموافقة من الطرف الأمريكي وهذا ما حصل فعلًا؛ إذ سافر قبل العدوان بأيام إلى أمريكا وأخذ الموافقة.. وبعض المراقبين يرى أن هناك تحالفًا بين شارون وهيغ- وكلاهما جنرال- من أجل تحقيق الأهداف المشتركة بوسيلة عسكرية، وكنت غاية التحرك وهي ما وافقت عليه أمريكا تمامًا:
القضاء على منظمة التحرير عسكريًّا.
إخراج القوات السورية من لبنان.
محاولة تشكيل حكومة لبنانية جديدة.
وفي الواقع إن هذه الأهداف الخاصة للغزو لا تخرج عن مجمل الأهداف الاستراتيجية الأمريكية المتمثلة في:
إبقاء "إسرائيل" قوة عسكرية وسياسية؛ لأن في ذلك ضمانًا للمصالح الأمريكية في المنطقة.
ضرب القوة العسكرية لمنظمة التحرير وجرها إلى مائدة المفاوضات وهي ضعيفة.
إيجاد حل مقبول للمشكلة الفلسطينية لنزع الصاعق المفجر في هذه القنبلة الموقوتة الخطرة.
إيجاد الحليف القوي الدائم في مواجهة النفوذ السوفياتي وحماية منابع النفط.
وبالنظر إلى هذه لأهداف مجتمعة ندرك مغزى السكوت العام الذي سيطر على العالم إزاء الغزو "الإسرائيلي" للبنان، وتدمير الصواريخ السورية السوفياتية الصنع في البقاع، وحصار بيروت وإبادة الفلسطينيين.
إن هذا كله دعا صحيفة «الواشنطن بوست» إلى القول: «إن "إسرائيل" تقوم بعمل رغب للجميع في تنفيذه! وإن رفضوا أخذه على عاتقهم؛ لأنه يعتبر عملًا قذرًا».
سقوط الضحايا
ولكن الغزو لم يمر بدون ضحايا، فبالإضافة إلى آلاف القتلى والمشردين سقط مهندس الغزو الجنرال هيغ نفسه الذي دخل في تحالف سياسي أيضًا مع شارون، وذلك لمساعدته على الوصول إلى كرسي الرئاسة في أمريكا بتأييد اليهود، وحتى شارون نفسه تعرض إلى اللوم والنقد الشديدين؛ حتى إنه قامت مظاهرات ضده تطالب بإقالته، وقيل: إن وحدات عسكرية "إٍسرائيلية" قد تمردت على الأوامر داعية إلى إنهاء هذه الحرب القذرة، وهذا يحصل لأول مرة في تاريخ الجيش "الإسرائيلي" إن صح!
مؤشرات للمستقبل:
إن الغزو وما نتج عنه إلى الآن يعتبر مؤشرًا لما سيكون عليه الوضع في المستقبل، وخاصة العلاقات العربية مع أمريكا.
إن استقالة هيغ ومجيء جورج شولتز المقرب من ريغن ورئيس شركة «بكتل» ذات النشاط في السعودية ومصر ودولة عربية أخرى، عوضًا عنه في الخارجية الأمريكية، يعطي كما يعتقد بعض المتفائلين دفعًا إيجابيًّا للعلاقات المشتركة، إلا أن مأساة الفلسطينيين اللبنانيين، ووحشية الصهاينة أكبر بكثير من هذه الحركات الأمريكية، ولكن المشكلة في السياسة الأمريكية خضوعها لمجموعات ضغط «لوبي» مختلفة، أبرزها اللوبي اليهودي الذي سيستمر في عملية تسميم هذه العلاقات التي بدأت منذ عام 1973م حسب رأي لبعض الخبراء الأمريكيين في شؤون العلاقات العربية "الإسرائيلية"!
الإرهاب المنتظر!!
ومقابل إخفاق الحلول السياسية المطروحة، والهزيمة الواضحة لاتفاقيات كامب ديفيد القاضية بالحل السلمي ولجوء الصقور في "إسرائيل" للحل العسكري، والضعف المهين للموقف العربي الرسمي وغياب أي تحرك شعبي، واستفراد المقاومة الفلسطينية والقوى اللبنانية المتعاونة معها، مقابل هذا كله فإن المعادل الموضوعي هو العنف المنفلت الذي سينطلق، ولكن كثيرًا من المحللين يرى فيه موجة قصيرة العمر يمكن تحملها!! بحيث لا تكون أسوأ مما وقع في إيطاليا على يدي الألوية الحمراء؟
إن على أمريكا أن تتعلم كيف تعيش بدون سلام في الشرق الأوسط وعليها أن تضع سياستها على هذا الأساس.
توقعات أخرى:
وبناء على أن أمريكا تقبلت وجهة النظر "الإسرائيلية" حول إدارة المنطقة وذلك بإقامة دويلات طائفية- حسب حلم شارون- صغيرة وضعيفة وتسيطر عليها "إسرائيل".. فإن التيار العربي الداعي إلى سياسة التقرب من أمريكا- وهو التيار الذي نشأ بعد وفاة عبد الناصر، ودعا إلى كسب أمريكا، وجعلها تمارس سياسة أكثر اتزانًا عن طريق إفهامها أين تكمن مصالحها الحقيقة، لتعبئة النفوذ الأمريكي ضد "إسرائيل"- هذا التيار لن يستطيع الاستمرار في خط سيره أبدًا، وسيسقط حتمًا إلا إذا رضي لنفسه تهمة التعامل مع عدو مخالف للصهيونية، ولقد بدأت البوادر تدل على هذا الاتجاه، فقد وردت انتقادات عنيفة للسياسة الأمريكية من حسني مبارك مثلًا؛ إذ صرح للتلفزيون الأمريكي قائلًا: «إن صورة أمريكا بدأت تهتز في العالم العربي، وإذا لم تخرج "إسرائيل" من لبنان؛ فإن علاقات أمريكا بمصر والعالم العربي كله لا بد أن تتأثر، يجب أن تدرك واشنطن أن مصالحها في الجانب العربي وليست في "إسرائيل" وأن بقاء "إسرائيل" في لبنان لمدة طويلة لن يكون في صالح أمريكا».
فقدان الثقة:
وهكذا فإن الموقف الأمريكي من العدوان وجه ضربة عنيفة للسياسات العربية التي تتبعها الدول المعتدلة، وأفقدتها الثقة بالدور الأمريكي، خاصة بعد أن ثبت عمليًّا عجزه أمام الثورة الإيرانية وإخفاقه في إنقاذ الشاه وحماية السادات؛ ولذا فإن المرحلة القادمة ستكون مرحلة شك بالنوايا الأمريكية، ولو تغيرت الصورة جزئيًّا بقدوم وزير الخارجية الجديد، ولكن المقاطعة الشاملة- وحتى الجزئية- ستكون مجرد أحلام.
حادثة ذات دلالة:
ويبقي الجانب العنيف في المسألة فإزاء التغلب السياسي والضغط العام على المسلحين الفلسطينيين؛ سينفجر القهر والشعور بالإحباط على شكل حوادث عنف، تطال المصالح الأمريكية، وربما بعض الرموز المحسوبة على التيار الأمريكي، ولقد ورد في الأنباء من أيام قليلة أن شخصًا فلسطينيًّا قاد سيارة صغيرة إلى السفارة الأمريكية في قطر، وشعل فيها النار، فانفجرت وسببت خسائر في المبنى، وقال الفاعل: إنه فعل ذلك احتجاجًا ضد أمريكا.. إنها بداية المشاهد، وما يرى الناظر ماذا سيرى غدًا في مثل هذا الجو المشحون بالحذر والتوجس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل