العنوان نظرة في موقف الثورة الإيرانية من الحركات الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1982
مشاهدات 45
نشر في العدد 583
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-أغسطس-1982
النقد الذي وجهه ولايتي لجهاد المسلمين يطرح تساؤلات حول حقيقة موقف الثورة الإيرانية من الحركة الإسلامية.
- تطورات علاقة الثورة الإيرانية مع النظام السوري تصل إلى حد التكتل.
- تعرضت بعض الحركات الإسلامية لإحراجات نتيجة تأييدها للثورة الإيرانية.
- لم تقدم الثورة الإيرانية مساعدات تذكر للمجاهدين الأفغان.
- علاقات الثورة الإيرانية بدأت تقوي الأنظمة الطائفية.
الموقف المفترض للثورة الإيرانية تجاه الحركات الإسلامية هو موقف المناصرة والتأييد باعتبار أنها ثورة «إسلامية»، وإقامة «جمهورية إسلامية» تأتي في مقدمة اهتماماتها، كما قال أكثر من مسؤول فيها «نصرة المستضعفين». وقد أملت الحركة الإسلامية في أن تجد في الثورة الإيرانية سندًا ومعينًا ضد من يعترض طريقها من ظلمة ومعتدين على حكم الله، والاتصالات على أية حال لم تنقطع بين الطرفين، غير أن «النقد الشديد» الذي وجهه وزير الخارجية الإيراني على أكبر ولايتي لجهاد المسلمين وحركة الإخوان المسلمين في سوريا ومن منبر له أهميته الدينية هو مسجد الإمام الخميني في طهران حسبما نشرته صحيفة كيهان ونقلته عنها وكالة الأنباء الفرنسية، طرح تساؤلًا جادًا حول حقيقة موقف الثورة الإيرانية من الحركة الإسلامية.
نقد عجيب:
ومن العجيب أن ينصب نقد وزير الخارجية الإيراني لحركة الإخوان المسلمين على أنها مسؤولة عن اندلاع الثورة الإسلامية في سوريا ضد «نظام الحكم الذي يتحمل مباشرة أعباء الكفاح ضد إسرائيل» على حد تعبيره، ويستطرد ولايتي في حديثه بحيث يفهم عنه أن حركة الإخوان المسلمين -كما يزعم النظام السوري- تسير في ركب الإمبريالية والأنظمة الرجعية.
وفي الوقت الذي يشدد النظام السوري في حملته على الشعب السوري وفي الوقت الذي تقوم فيه قواته الخاصة وقوات أخيه سرايا الدفاع بتدمير مدينة حماة الباسلة على من فيها من شيوخ وأطفال ورجال ونساء، وفي الوقت الذي أدانت فيه المنظمات الدولية ممارسات النظام السوري- تتطور علاقته مع الثورة الإيرانية لتصل إلى حد «التكتل» والتحالف القوي في أثناء زيارة عبد الحليم خدام لطهران الأخيرة.
ومهما كانت مسوغات الثورة الإيرانية لتوطيد العلاقات مع بعض النظم السياسية، إلا أن توطيد هذه العلاقة والتحالف مع نظام طائفي حاقد يسوم شعبه أشد أنواع التنكيل والقتل الجماعي والتشريد وانتهاك الأعراض والحرمات، لا يمكن تسويغه لثورة تقول إنها ثورة إسلامية، وأن مثل هذه الممارسات ينبغي أن تدان من وجهة نظر حقوق الإنسان على الأقل، حتى لو لم يكن الشعب السوري مسلمًا، فلماذا هذا الموقف؟ وهل يقتضي المعروف أو المصلحة ذلك؟
تأييد مستمر:
بالرجوع إلى تاريخ العلاقة بين الحركة الإسلامية والثورة الإيرانية نجد أن الحركة الإسلامية -بمختلف تنظيماتها وتشكيلاتها- قد أيدت الثورة الإيرانية باستمرار منذ اندلاع الثورة قبل سقوط الشاه وبعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ويمكن تسجيل مظاهر التأييد على الشكل التالي:
- بادرت بعض الجماعات الإسلامية إلى الاتصال ببعض قيادات الثورة في المنفى كالخميني، وإبراهيم يازدي وغيرهما، وتم التباحث في مضمون الثورة وطبيعة الثورة وطبيعة تصوراتها للعلاقات بين الثورة الإيرانية والحركات الإسلامية والأصول التي يجب أن يلتقي عليها المسلمون بعيدًا عن الطائفية المذهبية، وقد خرجت هذه الجماعات بانطباعات جيدة، وبادرت إلى التأييد الإعلامي المعلن للثورة الإيرانية وزعامتها الدينية.
- وبعد نجاح الثورة قامت مظاهرات في كثير من البلدان الإسلامية؛ ابتهاجًا بانتصار الثورة، وتعبيرًا عن تأييدها.
- تبنت الصحافة الإسلامية عمومًا، والناطقة بلسان الحركات الإسلامية خصوصًا الثورة الإيرانية إعلاميًا، وتعرضت بسبب ذلك لإحراجات وانتقادات كثيرة.
- منذ أن نجحت الثورة دأب بعض قيادي الحركات الإسلامية والشخصيات اللامعة فيها بالتردد على طهران لتبادل الآراء، وتقديم المشورة بالمشاركة في إخراج الثورة، وقد تتوجت هذه الزيارات بتشكيل وفد يمثل جميع الجامعات الإسلامية العاملة، زار طهران في شهر سبتمبر (1979)، اجتمع بالخميني مهنئًا بنجاح الثورة، وقد ركز الخميني في حديثه للوفد على أهمية توحيد العالم الإسلامي، وتأييد الثورة لهذه الحركات في جهادها لإزالة الطواغيت، وأكد على أن الثورة الإيرانية «إسلامية»، وليست طائفية، ولا مذهبية.
- بالرغم مما نقل من تصريحات مؤسفة على ألسنة بعض المسؤولين الإيرانيين، إلا أن الجماعات الإسلامية كانت تغض الطرف على ذلك؛ لأنها كانت تثق في الزعامة الدينية الإيرانية، وفي حال تواتر مثل هذه التصريحات كانت القيادات الإسلامية ترجع رأسًا للثورة الإيرانية للسماع منها، وكثيرًا ما كان يقال لها بأن هذه التصريحات إما مختلفة، أو مزيفة، أو تعبر عن رأي قائلها.
- ومع ذلك تحمل بعض رجالات الحركة الإسلامية الكثير بسبب تأييدهم للثورة الإيرانية، ووصلت بعض التضحيات في هذا المجال إلى حد الحرمان من الوظيفة المدنية، وفرض الإقامة الجبرية، ومنع السفر، هذا عدا عن المساءلة من أجهزة الأمن والمخابرات.
ولو راجعنا أدب الحركة الإسلامية منذ نجاح الثورة الإيرانية لوجدنا أن كثيرًا من الخطب الحماسية، أو الشعر الحماسي، أو المقالات السياسية تتحدث عن الثورة «الإسلامية الإيرانية» مزهوة بها، أو منافحة عنها.
هذه هي إذن باختصار شديد خلاصة موقف الحركة الإسلامية في الثورة الإيرانية، فماذا كان موقف الثورة الإيرانية بالمقابل؟
نظرة في موقف
تهرب من القول الملزم:
المدقق في تصريحات القيادات المسؤولة للثورة الإيرانية لا يجد لها تصريحًا واحدًا صريحًا في تأييد الجماعات الإسلامية، بل إن وجد ينصب التأييد على نصرة الإسلام والمستضعفين، أما الكلام الشفوي غير المعلن فقد نقل كثير من شخصيات الجماعات الإسلامية -التي كانت تتردد على طهران، أو تلتقي باستمرار بقادة الثورة- أنهم ؛أي قادة الثورة كانوا يصرحون بوقوفهم مع الحركات الإسلامية، وتأييد الثورة لهم، ونذكر هنا على سبيل المثال كيف أن مجلة النذير -الناطقة بلسان المجاهدين في سوريا- عمدت إلى إرسال وفد إلى طهران للتحقق في بعض التصريحات التي وصفت بأنها غير مسؤولة عن تأييد الثورة الإيرانية للنظام السوري، وكلنا يذكر كيف أن النذير طمأنت أفراد الحركة على سلامة العلاقة مع الثورة الإيرانية.
ولكن هل اطمأن الإسلاميون حقًا؟
وهنا ينبغي الكلام بصراحة ووضوح أن الحركات الإسلامية باتت تتشكك في موقف الثورة الإيرانية منها ومن قضايا المسلمين، ويمكن إجمال أسباب التشكك هذا فيما يلي:
- أن التأييد اللفظي للحركة الإسلامية كان -كما- أسلفنا إما عامًا، أو غير معلن في الوقت الذي كانت فيه التصريحات المعلنة المعادية أكثر من التطمينات غير المعلنة.
- تأييد الثورة الإيرانية للقضايا الإسلامية كان محدودًا ومشروطًا، فمثلًا الكل يعلم أن إيران الثورة لم تقدم مساعدات تذكر للمجاهدين الأفغان، وأن هذه المساعدات المحدودة قدمت لأتباع المذهب الشيعي فحسب.
- بالرغم من وعود الخميني وقادة الثورة بأن الثورة إسلامية لا طائفية ولا مذهبية، إلا أن دستور الجمهورية جاء مخالفًا لذلك، ونص على تحكيم المذهب الشيعي.
- إن علاقات الثورة الإيرانية بدأت تتضح وتقوى مع بعض الأنظمة والمنظمات الطائفية كالنظام السوري، والتجمع الشيعي اللبناني.
- والأدهى من ذلك وأشد على النفس أنه في الوقت الذي كان يقوم فيه وفد من الحركات الإسلامية بزيارة طهران للتهنئة والتشاور- كثيرًا ما كانت تنقل تصريحات على ألسنة بعض المسؤولين ضد الحركات الإسلامية وقضاياها.
وثمة وثيقة مبكرة في هذا الشأن فقد خصصت النشرة الدورية الإعلامية التي تصدرها وزارة الخارجية رقم (3) المجلد الأول بتاريخ 3/1/1979، مقالة خاصة عن تشخيصها للحركات الإسلامية، وبعد استعراض موجز لأهم الجماعات الإسلامية توصلت النشرة إلى الخلاصة التالية:
أن الحركات الإسلامية تمثل في بعض وجوهها نقيضًا للثورة الإسلامية؛ فهي تعارض الثورة، وتختار التطور منهجًا وطريقًا، وهي لا ترتبط قيادتها بشكل من الأشكال بالجماهير المسلمة، وأضافت النشرة فقرة يوحي معناها بارتباط الحركة الإسلامية «ببعض الأنظمة القبلية كالنظام السعودي» على حد تعبيرها.
ويبدو أن هذا الفهم هو الذي يفسر بحق طبيعة موقف الثورة الإيرانية من الحركات الإسلامية، ويبدو أن هذا موقف الصحافة الثورية أيضًا.
وإذا كانت الثورة الإسلامية في سوريا هي أهم القضايا الإسلامية الحية في الوقت الحاضر، فإن موقف الثورة الإيرانية منها يصلح معيارًا لتقييم موقف الثورة من الجماعات الإسلامية عمومًا.
لا نكاد نجد الصحافة تنتقد الأوضاع في سوريا إلا قليلًا، وبالتحديد فإن النقد الصريح للنظام السوري جاء في بعض الصحف كمجلة صوت المستضعفين، وأمة إسلامي، والشهيد، وفي فترة واحدة فقط هي في أعقاب أحداث حماة وحلب عام (1980م)، لكننا بعد ذلك لا نقرأ شيئًا، وكأن النظام السوري أصبح نظامًا إسلاميًا يحكم بما أنزل الله.
مطلب مُلِّح:
ونحن في هذا المنبر الإسلامي نود أن نقول للثورة الإيرانية إذا ما كانت جادة في تطبيق شعاراتها ووعوداتها للحركة الإسلامية؛ فإن عليها -أولًا وقبل كل شيء- مراجعة موقفها من النظام السوري.
والحركة الإسلامية تتشكك في هذا الموقف الذي لا يمكن تفسيره بعديًا عن الطائفية، فالنظام السوري نظام طائفي حاقد، ويسيم الشعب السوري المسلم سوء العذاب، في الوقت الذي يمارس فيه هذا النظام دورًا مشبوهًا في لبنان جعل شعوب دول العدم تتنبه لذلك، وتطالب حكامها بوقف المعونة عنه، ومجلة صوت المستضعفين عرَّت النظام السوري في عددين الرابع، والخامس، ووصفت رأسه بأنه كذاب، وأنه مثل السادات.
فلماذا تتراجع الثورة الإيرانية عن مثل هذه الشهادة الصادقة لتقيم مع النظام السوري تحالفًا في شأنه أن يزيده بطشًا بالمسلمين والمجاهدين.
إن أريد إلا الإصلاح:
ونحن إذ نتناول هذا الموضوع بكل صراحة ووضوح إنما نتناوله من قبيل تبيان وجه الحق؛ لأنه الطريق السليم لانتصار الحق، ونحن لا نفعل ذلك لأن جناح الثورة الإيرانية مهيض، أو أن الجو العام يملي علينا ذلك، لا والله، ولكنه الجرح الأليم الذي يكاد ينفجر، فالإسلام لم يكن في يوم من الأيام مع الظلم والحكام المتجبرين أبدًا؛ فالإسلام أو ما يستهدف الفراعنة وأكابر مجرميها، وما هذه إلا نظرة فيما سلف في تاريخ العلاقة بين الثورة الإيرانية والحركة الإسلامية راجين أن تسهم هذه النظرة الصريحة في استدراك ما فات، والانتباه لما هو آت، وكفى المسلمين فرقة وصراعات باسم الإسلام، والإسلام منها براء، والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل