العنوان نظرة من واقع الحياة السياسية في مصر
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
مشاهدات 60
نشر في العدد 744
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 03-ديسمبر-1985
«في العدد السابق، بينا دور بعض الأحزاب السياسية في صنع القرار السياسي في مصر، وأوضحنا أن الحزب الوطني الحاكم، يساهم بنصيب كبير في صنع القرار، بسبب ضعف السلطة الرئاسية، وفي هذا العدد نتحدث عن دور بقية أحزاب المعارضة ثم القوى الشعبية المؤثرة في الساحة السياسية.. وهي أحزاب التجمع الوحدوي والأمة ثم الإخوان المسلمون والناصريون والشيوعيون».
(٤) حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي
زعيم حزب التجمع هو خالد محيي الدين، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة البارزين والمعروف باتجاهه اليساري، ولذلك فهو يمثل من الناحية الرسمية، الاتجاهات اليسارية المختلفة وعلى رأسها بعض فصائل الشيوعيين الماركسيين والناصريين والثوريين عمومًا.
ورغم أن حزب التجمع قد نادى أثناء الحملة الانتخابية في مايو ١٩٨٤، بتبني مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر، إلا أنه كان يهدف فقط إلى استثمار الرغبة الشعبية لتحقيق أهدافه، وكان حزب التجمع هو الحزب الوحيد في مصر، الذي وقف من مبدأ تطبيق الشريعة، وقفةً هازئةً مستنكرة، وشاركت صحيفته الأسبوعية «الأهالي» في الهجوم الشديد ضد مبادئ الشريعة، وأفسحت صفحاتها لطائفة من أدعياء الفقه، ولم تسمح لكاتب أو مفكر منصف بالحديث عن الإسلام الصحيح، ويضغط حزب «التجمع الوحدوي» على المشكلات الاقتصادية وأثرها على رجل الشارع، بهدف إحداث السخط الشعبي ضد الحكومة، وللمساهمة في تنفيذ أهدافه وأيديولوجياته، وينتهز الحزب فرصة تواجده «الرسمي» وشرعيته، في المجال الإعلامي، فقد أنشأ الحزب العديد من المجلات السياسية والأدبية التي تتحدث باسمه وتدافع عن آرائه وأفكاره، فهناك مثلًا: أدب ونقد- الطليعة- الطليعة العربية- كتاب الأهالي- صحيفة الأهالي والصحف الإقليمية التي تصدر عن فروع الحزب في المحافظات والمناطق المختلفة- فكر- قضايا فكرية- قضايا معاصرة وغيرها.
▪ حزب غير مقبول جماهيريًا
وللحزب جهاز تنظيمي على مستوى المحافظات، ورغم أن عدد المنتمين لا يتجاوز بضعة آلاف إلا أنهم أصحاب الصوت العالي دائمًا، ويتغلغلون في أوساط الجماهير، وتفسح السلطة المجال للحزب في مواجهة الحركة الإسلامية المتنامية والمؤثرة جماهيريًا، بل أن التعاون يبدو واضحًا بين أجهزة الأمن وبين صحيفة الحزب في كثير مما تنشده، رغم ذلك الخلاف الظاهر بين الأحزاب وأجهزة الأمن.
والحزب الوحدوي غير مقبول جماهيريًا، وذلك لأن شعب مصر متدين بفطرته ويكره الشيوعية والإلحاد، مما دفع برئيس حزب التجمع إلى أن يسبق اسمه بكلمة «الحاج» ليبرهن للرأي العام أنه ليس كافرًا بالله أو داعيًا إلى الإلحاد أو متعارضًا مع الإسلام الحنيف.. وأبرز شخوص الحزب الذين يظهرون، هم أولئك الذين عملوا مع عبد الناصر في فترة الستينيات، وبعضهم عمل مع السادات في السبعينيات، وأبرز المؤثرين في الحزب يقدسون عبد الناصر ويقيمون لذكراه الاحتفالات ويعددون الإنجازات.
ولأن الحزب يضم بين صفوفه بعض الناصريين، وحكومة الحزب الوطني يسيطر عليها كذلك بعضهم، فإنهم سعوا في الآونة الأخيرة إلى الدس بين الحركة الإسلامية والسلطة وإظهار الأولى بمظهر الفوضوية، والطائفة التي على استعداد دائم للتصادم، ملوحين بأنهم هم الذين يحفظون للنظام الولاء الكامل، وأنهم جنده وسنده وقت اللزوم.
أما عن مستقبل الحزب، فهو ولا شك ينمو جماهيريًا، ولكن ببطء فحرية الحركة المتاحة له حاليًا، وسط الأزمة الاقتصادية الطاحنة، تساعد على تقبل الناس لبعض انتقادات الحزب في حين ترضى بعض الأحزاب بموقفها الحالي، وتمارس السلطة الضغوط على الاتجاهات الوطنية وعلى رأسها الإخوان المسلمون.. وقد حصل الحزب الوحدوي على نسبة ٤,٥% في انتخابات البرلمان الأخيرة، ولم يمثل أحد منه في مجلس الشعب، بعد أن تم تجميد عضوية د. ميلاد حنا في الحزب، حيث كان معينًا في المجلس.
▪ (٥) حزب الأمة؟
أطرف حزب في مصر، هو حزب الأمة، فهو حزب ما زال يبحث عن رئيس! ورئيسه الحالي الأستاذ أحمد الصباحي كان وكيلًا للمؤسسين، وأقام دعوى إشهار أمام القضاء، فحكم له القضاء بصحة تكوين الحزب السياسي «الأمة» وقام الأستاذ الصباحي بعرض أمر رئاسة الحزب على أكثر من ٢٥ شخصية إسلامية وسياسية وحزبية على رأسها الأستاذ عمر التلمساني والشيخ الشعراوي والشيخ صلاح أبو إسماعيل وغيرهم.. ولكن كل هذه المحاولات لم تفلح، «فاضطر» أحمد الصباحي لتعيين نفسه رئيسًا للحزب.
▪ حزب الأمة والإخوان
وحزب الأمة لا كيان له، ولا امتداد جماهيري، وليس من بين أفراده أشخاص معروفون أو سياسيون بارزون، بل إن الحزب يضم أغلب المنتمين إليه، إلى عضوية الهيئة العليا، وللحزب صحيفة نصف شهرية، إلا أنها تتعثر كثيرًا نظرًا لضيق ذات اليد.
ومن الفترة التي كان يحاول فيها أحمد الصباحي- وهو حاصل على الثانوية العامة فقط- التفاوض مع الإخوان المسلمين، لملء صفوف الحزب الشاغرة، ولم يكد يتم الاتفاق، حتى استدعى فؤاد محيي الدين رئيس الوزراء الأسبق، أحمد الصباحي، وطلب منه عدم الاستمرار في التفاوض مع الإخوان المسلمين، ووعده بتقديم إعانة مالية للحزب تصل إلى ٤٠ ألف جنيه مصري، الأمر الذي دفع أحمد الصباحي إلى اتهام الإخوان بمحاولة السيطرة على الحزب وقام بحملة إعلامية ضد الإخوان متهمًا إياهم بالابتزاز.. وليس للصباحي مبادئ ثابتة ينطلق منها، ويعتبر الصباحي وحزبه «الأمة» فاكهة السياسة في مصر، فقد دعا إلى قيام مسيرة من الحفاة العراة تخرج من مصر وتصل إلى حدود العراق وإيران وهي تحمل أكفانها على أكفها والمصحف بيديها، لتمنع استمرار الحرب بين الدولتين، واشتهر بين أحزاب المعارضة بأنه صاحب أطرف اقتراحات وأعجب آراء، وهو رجل رياضي اخترع رياضة اسمها «الكرة الصاروخية»، وله مؤلفات في الفلك والتنجيم.. قال للرئيس مبارك إن حضوري إليك يكلفني نحو ٥٠ جنيهًا مصريًا هي ثمن كي الملابس وأجرة سيارة لمدة يوم كامل، ووعده الرئيس بتقديم العون المالي للحزب.. وواضح مما سبق أن حزب الأمة ليس له أثر على الحياة السياسية في مصر، وليس له أثر على الجماهير وبالتالي ليس له أثر على القرار السياسي.. وليس له مستقبل سياسي واضح اللهم إلا إذا تبنته إحدى القوى السياسية العاملة في الساحة.
▪ جماعة الإخوان المسلمين
على رأس القوى الشعبية، تأتي جماعة الإخوان المسلمين، ويمثل الأستاذ عمر التلمساني- ٨١ عامًا- أحد الشخصيات البارزة وأخطرها تأثيرًا على المستوى الجماهيري.. ولأن جماعة الإخوان محظورة رسميًا، فليس معروفًا بالضبط عدد أفرادها التقريبي، إلا أن انتخابات البرلمان الأخيرة أشارت بوضوح إلى مدى تأثير الجماعة في الرأي العام، وخوف الحكومة من ذلك، فقد رشحت الجماعة نحو ١٧ من أفرادها فاز منهم بعضوية مجلس الشعب ۱۰ أعضاء، واستطاعوا أن يضمنوا لحزب الوفد- عندما تعاونوا معه- نسبة الـ ١٥% التي حصل عليها على مستوى الجمهورية، حيث لم تحصل عليها بقية أحزاب المعارضة مجتمعة، وتحاول الحكومة التضييق على النشاط الخاص بالإخوان إلا أنهم تمكنوا من توسيع دائرة عملهم عن طريق النقابات المهنية، ففاز منهم أعضاء في مجالس نقابات المحامين والصحفيين والمهندسين والتجاريين والأطباء، وكان فوزهم بأغلبية ساحقة، مفاجأة لجميع المراقبين، وعلى سبيل المثال تقدم حوالي ۲۷ مهندسًا للترشيح نجح منهم في عضوية المجلس حوالي ۲۳ مهندسًا، وفي الأطباء حصلوا على أغلبية، استطاعوا من خلالها الفوز بأهم مقاعد مجلس النقابة العامة، وفاز الأستاذ محمد عبد القدوس بعضوية مجلس نقابة الصحفيين بأعلى الأصوات وبفارق أكثر من ۲۰۰ صوت عن العضو الذي يليه.
وليست هناك وسائل إعلامية جماهيرية للجماعة، فمجلة الدعوة التي كانت تصدر عن الإخوان أوقفت في سبتمبر ۱۹۸۱، وتوفى صاحب ترخيص صدورها.. ومنذ عامين تقريبًا، والجماعة تسعى إلى إصدار مطبوعة شهرية تعبر فيها عن نفسها، إلا أن المحاولات لم تسفر عن شيء حتى الآن، وتعلن الجماعة آراءها السياسية في الأحداث عن طريق الأحاديث الصحفية التي تجرى مع المرشد العام للجماعة، الأستاذ عمر التلمساني، وكذلك اللقاءات الإذاعية والتليفزيونية العالمية.
وينتشر شباب الإخوان المسلمين في مصر في كافة الأوساط والطبقات وبخاصة في الوسط الطلابي والجماعات الإسلامية ويسعى قادة الإخوان في الوقت الحالي لإنشاء حزب سياسي رسمي، يعبرون فيه عن آرائهم ومواقفهم بصورة علنية، إلا أن لجنة الأحزاب تمنع قيام حزب على أساس عقائدي، وبالتالي فالموقف ليس سهلًا وللإخوان 9 نواب في البرلمان- بعد وفاة الأستاذ محمد المسماري هذا العام- وهذه أول مرة يدخل الإخوان في البرلمان بهذا العدد.
وحول مستقبل الجماعة، فإن الواقع يقول إنها تقوى يومًا بعد يوم سواء من حيث العدد أو القرب من رجل الشارع ودائمًا- كلما أتيح حرية العمل للجماعة كلما قويت شوكتها واشتد عودها، واتضح تأثيرها.. والجماعة رفعت دعوى أمام القضاء تطالب بعودة نشاطها وتقرر نظر القضية في جلسة ۱۲/۱۷ القادم.
▪ الناصريون والشيوعيون
ربما لأول مرة يرتفع هتاف «عاش كفاح الشيوعيين» «عاش نضال الشيوعيين» بصورة علنية في إحدى قاعات نقابة المحامين بالقاهرة، منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كان ذلك في المؤتمر الذي عقدته النقابة استنكارًا للغارة الإسرائيلية على مقر منظمة التحرير في تونس واعتراض الطائرة المصرية، بما يفسر مهادنة السلطات الرسمية للحركة الشيوعية في مصر في مرحلة التقارب المصري السوفيتي.. والشيوعيون في مصر هم أفراد قلائل يتركزون في العواصم وخاصة القاهرة والإسكندرية.
والظاهرة الملفتة للنظر أنهم يتعاملون على أنهم شيوعيون ينكرون الدين.. بل أن أحدهم عندما وصفته إحدى المجلات الإسلامية بأنه الملتحي «الشيوعي» قال هذا وسام على صدري وشرف لا أدعيه.. وحرية الحركة للشيوعيين متوافرة ويسمح لهم مثلًا بإصدار «الطليعة» وهي تصدر بصورة غير دورية ستة أعداد سنويًا إضافة إلى الجناح الشيوعي في حزب التجمع.
أما عن الناصريين، فهم قلة قليلة جدًا إذا قيست بالإخوان المسلمين، وهم أكثرية بالنسبة للشيوعيين، ويحاول الناصريون استغلال أخطاء السادات، للتواجد على الساحة السياسية وارتداء مسوح الأطهار الذين يحرصون على مستقبل بلادهم.. وهم يحاولون الآن- كذلك- إنشاء حزب سياسي لهم، وهم فصائل متعددة، فالكل يتهم البعض وهلم جرا.
▪ عن الأحزاب؟!
تشترك القيادات الحزبية في أن جميعها قد تجاوز الستين بل السبعين والثمانين من عمره، وأن أغلبية أفراد الأحزاب ليسوا من الشباب.. وهناك نسبة لا تقل عن ٧٠% من الشعب المصري لا تهتم بالسياسة وترى أنها سبب كل المصائب التي يعانون منها، وهؤلاء سلبيون إزاء الأحداث ومن الـ ٣٠% نسبة تصل إلى أكثر من ۲۰% لا يهتمون بالسياسة إلا في فترات الانتخابات البرلمانية، وهي مشكلة سياسية تعاني منها سائر دول العالم الثالث.