العنوان نعمة البيان بين الحصر والهذر
الكاتب عبدالوارث سعيد
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1993
مشاهدات 70
نشر في العدد 1043
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 23-مارس-1993
امتن الله سبحانه وتعالى على الإنسان بنعمة البيان: ﴿الرَّحْمَنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (الرحمن: 1-4) وما أجلها من نعمة كثيرًا ما نتهاون في تقديرها حق قدرها، ولا نحس بقيمتها إلا حين نفقدها، أو نرى محرومًا منها، أو نرى غيرنا وقد أوتي منها حظًا وافرًا نحس إزاءه بضآلة ما عندنا وضعفه.
كذلك جعل الله تعالى البيان من خصائص
كتابه العزيز وميزاته فقال سبحانه ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ
مُّبِينٞ﴾ (المائدة: 15)، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ (الحجر:
1) كما جعله من سمات الكمال في قيام الرسل الكرام بمهمتهم الكبرى في الإبلاغ
والإنذار: ﴿فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَـٰغُ ٱلۡمُبِینُ﴾ (النحل: 35)
﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾ (الدخان: 13)
﴿إِن يُوحَىٰٓ إِلَىَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (ص: 70).
من هنا كان حريًا بالإنسان عامة
والمسلم خاصة أن يُعنى بنعمة البيان وأن يأخذ لنفسه منها بأوفر حظ ممكن، لما لها
من دور عظيم التأثير في حياته، وأن يحذر كل الحذر من التفريط فيها أو الكفر بها،
وكذلك من أن يقع في نقيضها: الحصر على أحد الطرفين والهذر على الطرف الآخر، وخير
ما يعين المرء على تملك ناصية البيان أن يتملك ناصية اللسان العربي بالدرس الجاد
والتمرس الواعي بقواعد اللغة على مستوى الصحة والجمال، وبروائع نصوصها وعلى قمتها
كتاب الله تعالى ثم أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم ثم تراث العربية شعرًا
ونثرًا.
روى الجاحظ في كتابه الشهير «البيان
والتبيين» بعض ما أثر عن العلماء في قيمة البيان ومنه:
«البيان بصر والعي عمى، كما أن العلم
بصر، والجهل عمى»، وقالوا: «البيان ترجمان العلم»، وقال يونس بن حبيب- من علماء
اللغة والنحو: «ليس لعي مرُوءة، ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو حك بيافوخه عنان
السماء»(1).
وقد استعاذ العقلاء قديمًا من نقيضي
البيان: من العي والحصر (في جانب العجز)، ومن السلاطة والهذر «في جانب الإفراط
والثرثرة الفارغة»، كما كانوا حريصين على التخلص من كافة عيوب النطق التي تذهب
برونق كلامهم كاللثغات وغيرها كاللجلجة والتمتمة والفأفأة.. ومن عجيب ما يروى في
ذلك أن واصل بن عطاء مؤسس فرقة المعتزلة، كانت به لثغة قبيحة في نطق الراء فظل
يجاهد نفسه ويعالجها حتى استقام له أن يتجنب هذا الصوت في سائر كلامه حتى في مواطن
المناظرة والمحاجة دون أن يبدو متكلفًا فيما يقول(2).
وفي عصرنا هذا الذي ابتليت فيه الأمة
بانحدار مريع في شتى أنظمتها ومؤسساتها صارت الكثرة لا تبالي بقضية البيان وقلّ
جدًا استعدادهم للتفكير فيها أو العناية بها، صار انتهاك قواعد اللغة وضعًا
مألوفًا لا يثير أحدًا ولا يغضبه، وصار التراطن باللكنات واللهجات وأخلاط اللغات
المستوردة من مختلف البيئات نوعًا من الإدمان لا يفكر أحد في علاجه، وانعكس هذا
التردي البياني على صلة أبناء الأمة بلسانهم العربي المبين ضعفًا ونفورًا، وأضحت
صلتهم بكتاب ربهم واهية أو مقطوعة، قد يحسنون تلاوته، ولكن قل من يتذوق منهم
حلاوته أو بلاغته، قد يفهمون تفسير آياته من أي كتاب تفسير مبسط، لكن قل من يدرك
كيف أخذت المعاني من ألفاظ الآيات وجملها وتراكيبها.
فهل بنا من رجعة إلى النفس وتحسس
لمخاطر النقص، وعزمة شريفة على إصلاح ما أصابنا في هذا المجال، وحماية أبنائنا من
أن يصيبهم داء العصر الذي أصابنا في مواقف الجد بالحصر، وأطلق ألسنتنا في كل موقف
بوابل من الهذر؟
فاللهم أعذنا من الحصر والهذر
وارزقنا نعمة البيان في الفكر واللسان!
__________
الهوامش
(1) الجاحظ «البيان»، تحقيق حسن
السندوبي- المكتبة التجارية، مصر، ١٩٢٦- ٦٩:١.
(2) السابق: ١: ٣١ – ٣٢.
واقرأ أيضًا:
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل