; نعم .. الأحزاب اليسارية في العالم الإسلامي أداة إمبريالية...! | مجلة المجتمع

العنوان نعم .. الأحزاب اليسارية في العالم الإسلامي أداة إمبريالية...!

الكاتب راشد السالم

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1985

مشاهدات 38

نشر في العدد 739

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 29-أكتوبر-1985

    • طرابلس المسلمة في مواجهة الهجوم الشيوعي.
    • القوات السوفياتية في أفغانستان المسلمة.
    • الخطر الصهيوني– الأمريكي على الأمة الإسلامية أكثر تهديدًا من الخطر الشيوعي لأن الأخير يخدمه.

    لعب الحزب الشيوعي والأحزاب اليسارية الحليفة دورًا قذرًا في الهجوم على مدينة طرابلس اللبنانية المسلمة في أواخر شهر سبتمبر الماضي، اتفق المحللون السياسيون على اختلاف مشاربهم وآرائهم على أن الهجوم استهدف إزالة آخر عقبة أمام مخطط الهيمنة السورية على لبنان، والذي يحظى بمباركة دولية، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا.

     

    فلماذا يلعب الشيوعيون واليسار هذا الدور؟ وهل هو دور بالفعل، أم مجرد التقاء مصالح مع المخطط «الإمبريالي» في المنطقة؟

     

    شبهة وردها:

     

    مع أن دور الشيوعيين واليسار كان واضحًا جدًا في حدث طرابلس، إلا أنه قد ترد هنا شبهة تجعل من هذا الدور مجرد التقاء مصالح مع المخططين السوري والإمبريالي، فمن المعروف أن الشيوعيين- بشكل خاص- واليسار- بشكل عام- كانت طرابلس المسلمة قد أخرجتهم من المدينة، وصفت جميع معاقلهم في شهر أكتوبر 1982م؛ ولذا قد يكون موقف الشيوعيين الأخير مجرد انتقام أو تصفية حساب، لكن هذه الشبهة في اعتقادنا غير قائمة؛ لأن الشيوعيين يعلمون علم اليقين أنهم طارئون على طرابلس المسلمة، وأنهم هم الذين اضطروا أهل طرابلس لإخراجهم منها؛ لأنهم بدأوا القتال، وأشعلوا نار الفتنة ابتداء من الميناء الذي كانوا يطمعون في السيطرة عليه، وحتى معقلهم الرئيسي في الزهري داخل طرابلس، فقد كانت الشرارة إطلاق النار على شاب مسلم أعزل، وحرق بيت فيه تسعة أطفال ووالدتهم، ولم يسمحوا لسيارات الإطفاء بإسعافهم.

     

    وإذا سلمنا جدلًا بأن حادث الهجوم على طرابلس ليس دليلًا كافيًا على كون الشيوعيين واليسار مجرد أدوات في خدمة المخطط «الإمبريالي» قبل «النفوذ السوفييتي» الذين يجاهرون بالدعوة إليه، فإن ثمة أحداث كثيرة في تاريخ المنطقة السياسي الحديث تؤكد هذه الحقيقة وتوضحها، وإذا علمنا أن محاربة الإسلام والحركة الإسلامية خط ثابت في المخطط «الإمبريالي» تجاه المنطقة، فإن إسهام الشيوعيين واليسار في تحقيق هذا الهدف لا يدع مجالًا للشك في أن دورهم هذا يخدم «الإمبريالية»، سواء فعلوا ذلك بوعي أو بغير وعي.

     

    سجل حافل:

    يقول التاريخ السياسي الحديث إن الشيوعيين قاموا بسلسلة مواجهات صدامية مسلحة مع الحركة الإسلامية، كان الهدف الأول منها كسر شوكة الإسلام والمسلمين، بالإضافة إلى أهداف أخرى تتعلق بالطبع بالنفوذ السوفييتي ونشره المبدأ الشيوعي والاشتراكية.

     

    لعل أقرب هذه الأمثلة- تاريخيًا وجغرافيًا- قيام ما سمي بالجبهة الوطنية الديمقراطية- التي قادها ألف شيوعي وبعض العناصر اليسارية الأخرى- بدعم من حكومة عدن باحتلال بعض المناطق في اليمن الشمالي، استهدفت مراكز الحركة الإسلامية بشكل أساسي، كما استهدفت إرباك الوضع السياسي في اليمن الشمالي لصالح النفوذ السوفييتي.

     

    وكانت النتيجة في طرابلس واليمن واحدة، فقد تقهقر الشيوعيون أمام الاستبسال الإسلامي، وفي أفغانستان باع الشيوعيون وطنهم ورهنوه للجنود السوفييت، ومنذ عام 79 ما زال الصراع الدموي محتدمًا بين الشعب الأفغاني المسلم المجاهد، وبين قوات النظام الشيوعي العميل التي تعمل تحت إمرة قوات الغزو الشيوعية السوفييتية.

     

    إن الوطن الأفغاني ليس قاعدة «إمبريالية» حتى تقوم القوات الشيوعية السوفييتية بتطهيرها، لكنها- وهذا هو الأخطر في المنظور الشيوعي- كانت قاعدة إسلامية حصينة، الأمر الذي جعل الاتحاد السوفييتي إحدى القوتين العظميين يغزو هذا البلد المسلم، ومن العجيب أن الموقف الأمريكي من هذا الغزو لم يكن جادًا بالرغم من أهمية موقع أفغانستان بالنسبة للمصالح «الإمبريالية».

     

    وفي القرن الأفريقي تبدل الموقف الشيوعي رأسًا على عقب، فقبل نجاح انقلاب هيلا مريام في أثيوبيا كان الشيوعيون يدعون مناصرة ثورة الشعب الأرتيري المسلم، وحاولوا الوثوب إلى قيادة فصائل الثورة، لكن بعد نجاح الانقلاب وإعلان الراية الشيوعية، أصبحت الثورة الأرتيرية ثورة رجعية، وأصبح النظام الديكتاتوري الأثيوبي يلقى كل معونة شيوعية خاصة في صراعه مع ثورة الشعب الأرتيري المسلم.

     

    ومع أن الشيوعيين هم الذين أيدوا نظام محمد زياد بري في الصومال، واعتنق تحت تأثيرهم النظرية الشيوعية، الأمر الذي جعله يبطش بالحركة الإسلامية المتنامية في الصومال إلى حد إلقاء القبض على عشرة علماء وحرقهم أحياء؛ لأنهم عارضوا قوانينه الاشتراكية التي تعارض القوانين الإسلامية في الزواج والميراث، كما اتخذ قرارًا بطرد الفتيات المحجبات من الجامعة، وفرض تعليم «العقيدة الماركسية»، إلا أنهم فيما بعد مالوا إلى النظام الأثيوبي في صراعه مع الصومال؛ لأن الشعب الصومالي مسلم يرفض الفكر الماركسي الاشتراكي.

     

    حقد دفين:

    وفي باكستان وقف الشيوعيون وأحزاب اليسار مع نظام «ذو الفقار علي بوتو» بالرغم من وضوح ولائه للولايات المتحدة، وعملوا على إثارة الشغب ضد كفاح الشعب المسلم من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية الذي كان يقوده تجمع الجماعة الإسلامية والعلماء، وكان نتيجة هذا الصدام إزهاق بعض الأرواح البريئة.

     

    ولو عدنا إلى الوراء قليلًا لوجدنا أن الشيوعيين في إندونيسيا وقفوا مع أحمد سوكارنو في أواسط الستينيات، وألبوه ضد الاتجاه الإسلامي هناك؛ حيث مارس النظام وسائل البطش والتنكيل والسجن والاعتقال والتعذيب ضد الشباب المسلم، وهذه الحوادث الأخيرة بالإضافة إلى حادثة حصار جزيرة أبا في السودان عام 1970م، وهي المجزرة التي دبرها الشيوعيون واليساريون مع نظام نميري المخلوع، تكشف عن الحقد الشيوعي لعقيدة الإسلام والمسلمين؛ لأن هذه الحوادث لم تكن لها ملابسات سياسية معقدة كغيرها من الأحداث، ولكنها كانت تدل دلالة واضحة على انتهازية الشيوعيين واليسار، وعدائهم المستحكم لكل ما يمت للإسلام بصلة.

     

    تعاون مع العدو الإسرائيلي:

    ومما يؤكد هذا الدور عند الشيوعيين واليسار في العالم الإسلامي مواقفهم داخل الأرض المحتلة، ففي حين يعرف الشيوعيون حقيقة أن العقيدة الإسلامية والحركة الإسلامية هما السد المنيع أمام مخططات العدو الصهيوني، إلا أنهم- خلافًا لما يرفعونه من شعارات النضال ضد الصهيونية والإمبريالية، وما يقتضي ذلك من وحدة موقف جميع القوى السياسية في الأرض المحتلة- وقفوا بالمرصاد لحركة الانبعاث الإسلامي، وتعاونوا بشكل واضح مع سلطات العدو ضد الشباب المسلم، فقد فعلوا ذلك بافتعال معركة الهلال الأحمر الفلسطيني التي يرأسها الشيوعي حيدر عبد الشافي في غزة، كما دبروا للهجوم على جامعة غزة الإسلامية عام 1983م، وأثاروا فتنة في كل من جامعتي بيرزيت وجامعة النجاح في نفس العام، وإمعانًا في الكيد والتضليل كانوا يتدثرون برداء الوطنية والتنظيمات الفدائية، مع أن بعض قادتهم أعضاء في الكنيست الإسرائيلي، أو أعضاء في حزب راكاح الشيوعي، ويؤمنون بشرعية دولة إسرائيل، ويطالبون بحدود آمنة لها.

     

    على أن أحدث مثل على الحقد الشيوعي على الإسلام وانتهازيته السياسية ما يجري في السودان بعد انتفاضة أبريل التي أطاحت بنظام نميري، فقد حارب الشيوعيون تطبيق الشريعة الإسلامية، ورفعوا لواء الدفاع عن محمود طه زعيم الجمهوريين العلماني، ويعملون جاهدين في الوقت الحاضر بتحييد الوضع السياسي لصالح توجهاتهم من خلال الضغط على المجلس العسكري الانتقالي من جهة، والتعاون مع الانفصالي جون قرنق الصليبي، والمراهنة على الجنوب السياسي ليست جديدة، بل كانت واردة عند الشيوعيين منذ أن خططوا لانقلاب هاشم العطا عام 1971م.

     

    ولو أردنا استقصاء مواقف الشيوعيين الصدامية المسلحة والسياسية مع التيار الإسلامي لطال بنا المقام، وتكفي الإشارة إلى دور الشيوعيين في النظام الناصري الإعلامي، وفي الأنظمة التي توالت على سوريا بانقلابات عسكرية.

     

    لكننا أشرنا هنا للصدامات المسلحة- بشكل خاص- لنوضح أن الصدامات العسكرية مع أنها جوهر نظرية ديكتاتورية البروليتاريا، إلا أنها في العالم الإسلامي لم تطبق بشكل مكثف إلا مع التيار الإسلامي.

     

    حقائق:

    وبعد عرض هذه الأمثلة ثمة سؤال يطرح نفسه: لماذا يلعب الشيوعيون واليسار هذا الدور؟ وهل هم واعون لحقيقة أن دورهم هذا يخدم المخطط الإمبريالي؟

     

    من الناحية النظرية تعترف الماركسية بأن أهم عقبة أمام انتشارها هي العقيدة الإسلامية، وقد أخذوا هذه الحقيقة من واقع المقاومة الإسلامية للفكر الشيوعي بعد الثورة البلشفية، وبسط سيطرتها على الممالك والأمم الإسلامية، كما أخذتها من تجربتها الطويلة في العالم الإسلامي، الأمر الذي جعل الاتحاد السوفييتي منذ مطلع الستينيات يراهن على الأنظمة الحاكمة بدلًا من الأحزاب الشيوعية، وتأكدت هذه الحقيقة في ضوء الصراع الدائر في أفغانستان المسلمة، ولذلك يحمل الشيوعيون في أنفسهم الحقد والضغينة لكل ما يمت للإسلام بصلة.

     

    وثمة حقيقة أخرى تقف وراء الدور الشيوعي في محاربة الإسلام والحركة الإسلامية، وهي حقيقة نابعة من طبيعة العقيدة الماركسية التي تقوم على مبدأ الصراع الطبقي، وما ترتب على ذلك من مبدأ سياسي، وهو أن الشيوعية- واليسار عمومًا- لا يستطيعان أن يعملا أو ينشطا إلا من خلال إثارة القلاقل والمشاكل والنزاع الدموي؛ لأنه من غير هذه القلاقل يكون سوق الشيوعية كاسدًا.

     

    وكنتيجة لحقيقة أن الماركسية مرفوضة فكريًا وسياسيًا في العالم الإسلامي، لجا الشيوعيون إلى أسلوب الانتهازية في العمل السياسي، هذا الأسلوب جعلهم يقفون مع نميري عام 69 في مجزرة أبا؛ لينقلبوا عليه عام 1971م.

     

    والانتهازية هي جعلت الشيوعيين كذلك يؤيدون نظام بوتو مع أنه أمريكي الولاء، والانتهازية جعلت حزب توده يركب موجة الثورة الإيرانية إلى أن ثبت لهم أن الثورة مستعصية على النفوذ السوفييتي، انقلب الحزب إلى مهاجمة النظام الإيراني. وما ينطبق على الشيوعيين ينطبق إلى درجة كبيرة على اليسار في العالم العربي والإسلامي.

     

    أداة إمبريالية:

    وإذا أضفنا إلى الحقائق السابقة حقيقة أخرى، وهي أن الدول «الإمبريالية» كثيرًا ما نجحت في اختراق صفوف الشيوعيين واليساريين عن طريق أجهزة المخابرات. بل إن اليسار العربي بمجمله كان صنيعة أمريكية خالصة، فإننا نصل إلى حقيقة أن الشيوعيين واليسار لعبوا وما زالوا يلعبون دورًا في خدمة المخططات الغربية الهادفة إلى الإبقاء على حالة التمزق في الأمة الإسلامية، والحيلولة دون ممارسة الحركة الإسلامية لدورها في النهوض والانبعاث الحضاري.

     

    ومهما تكن من أسباب خاصة وراء مواقف الشيوعيين واليساريين، فإن معادلة الوضع السياسي في المنطقة العربية والإسلامية تجعل هذا الدور مجرد أداة لخدمة المصالح الغربية قبل المصالح السوفييتية، وهذه الحقيقة ينبغي للأمة أن تدركها جيدًا خاصة في الوقت الحاضر، حيث انفضحت السياسة الأمريكية- الصهيونية على حقيقتها جنبًا إلى جنب مع حقيقة الأطماع الشيوعية والسوفييتية، إلا أن تأكيدنا على هذه الحقيقة لا ينفي حقيقة أخرى، بل يؤكدها، وهي أن الخطر الأمريكي- الصهيوني على الأمة الإسلامية أكثر تهديدًا من الخطر الشيوعي، ولعل أهم مظاهر هذا الخطر نجاح التحالف الأمريكي- الصهيوني في توظيف الشيوعية واليسار في خدمة مصالحه الحيوية في المنطقة، وبهذا تكون الشيوعية واليسار مجرد أدوات في خدمة الإمبريالية.. نعم، في خدمة الإمبريالية، ويا للمفارقة!

الرابط المختصر :