العنوان نعم نحن في مأزق.. ولكن ما هي الأسباب؟ وما هو المخرج؟
الكاتب طعمه الشمرى
تاريخ النشر الأحد 18-أبريل-1982
مشاهدات 58
نشر في العدد 566
نشر في الصفحة 26
الأحد 18-أبريل-1982
لقد اعتاد الأستاذ ناصر الدين النشاشيبي أن يتطرق للأوضاع العربية المتردية في كل يوم جمعة خلال الأشهر القليلة الماضية، وذلك من خلال الكتابة في جريدة الأنباء، وتحت عنوان «من أوراق الشرق الأوسط».
ويوم الجمعة الماضي 5/۲/۱۹۸۲ تكلم الأستاذ النشاشيبي بشيء من الصراحة عن المأزق الذي يعيشه عالمنا العربي بسبب التمزق والتناحر وبسبب قوة وغطرسة العدو الإسرائيلي.
ولكن الأستاذ النشاشيبي لم يذكر لنا أسباب مأزقنا وكيفية الخروج منه، لهذا سنحاول أن نعرض بإيجاز إلى تطور الأحداث في عالمنا العربي، متطرقين إلى أسباب ضعفنا وهزائمنا المتوالية وإلى كيفية الخروج من المأزق الذي وضعتنا به الأحداث أو وضعنا نفسنا به.
أولًا - بداية وتطور الأحداث:
عندما قامت دويلة العصابات الصهيونية في فلسطين عام ١٩٤٨، بررنا هزيمتنا بتحالف قوى الاستعمار غربية وشرقية ضدنا، خاصة في الأمم المتحدة وخضوع الكثير من أقاليمنا للاستعمار الإنجليزي والفرنسي وخيانة بعض الزعامات في ذلك الوقت، ولما هزمنا مرة أخرى في سنة ١٩٦٧ زعمنا بأن الأميركيين قد ساندوا ربيبتهم إسرائيل ضدنا، ثم نهزم مرة ثالثة بعد انتصار مشكوك فيه مؤقت حولته أميركا بتدخلها الواضح والصريح من خلال جسرها الجوي بين البرتغال وسيناء.
وخلال وبعد هذه الفترة عقد زعماؤنا الكثير من مؤتمرات القمة، كما عقدت الكثير من المؤتمرات والندوات التي صرفنا عليها آلاف الملايين من الدنانير، بدعوى الإعداد والتحضير لمواجهة العدو ومن يساند العدو وإذا بالفشل تلو الفشل يتحقق، والهزيمة والضعف والتمزق يصيب جسدنا المريض، وإذا بالخيانات تبرز وتعلن بكل وقاحة وجرأة نيكسون يستقبل استقبال الأبطال في القاهرة بعد هزيمة أكتوبر، وتهز نجوى فؤاد وسطها وتنافسها على هذا الشرف سهير زكي، وتبدأ محادثات الخطوة خطوة، ويتبعها أكبر خيانة في تاريخ العرب المعاصر، وإذا بقائد البلد الذي تزعم النضال ضد الصهيونية والاستعمار، والذي تغنى بالوحدة والقومية والاشتراكية والحرية يستسلم فجأة للعدو ويوقع على اتفاقيات الخيانة «كمب ديفيد»، ويحدث انشقاقًا خطيرا ورهيبا في الصف العربي الذي ظل متماسكا نسبيا أثناء حياة جمال عبد الناصر وحتى اغتيال الشهيد الزعيم العربي المسلم فيصل آل سعود.
ويهرع العرب إلى بغداد بدعوى تضميد الجسد العربي «الجريح» وتوحيد الصف.
ولكن الشق والفتق العربي قد زاد اتساعًا، والمرض أصبح معضلا فالخيانة لا تقتصر على السادات ولكن هناك من الخونة من لا زال يتستر بعبأة الفضيلة، ولأول مرة يعرف الشعب العربي الحقائق، ولكن أني له أن يتكلم فقد أخرسته الأنظمة القمعية بكل الوسائل المتاحة لها.
أما العدو الإسرائيلي فقد زاد قوة على قوته لدرجة أشعرته بالغطرسة والغرور فأصبح يعلن للعالم دون خوف أو تحفظ عن حقيقة أهدافه، فراح يضم الأقاليم العربية كما يشاء ويضرب من يشاء ويرد قادتنا بالبكاء والعويل من خلال الإذاعات والمنابر الدولية، مظهرين ضعفهم وقلة حيلتهم، شاكرين للمعزين والمواسين سعيهم فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا اليه راجعون!!
فالقادة العرب، خاصة من يدعون الوطنية والتقدمية والوحدة والحرية والاشتراكية، كانوا «يستطيبون» تبرير هزيمة عام ١٩٤٨ وقيام إسرائيل باتهام قادة عام ١٩٤٨ بالخيانة؛ لأنهم فشلوا في الحيلولة دون قيام دولة العدو، فما عساهم يا ترى أن يتهموا أنفسهم به الآن؟! قد يقولون بأن أميركا والدول الغربية تساند إسرائيل عسكريًا واقتصاديًا وسياسيا، وهذا حقيقة، ولكن أليست هذه الدول هي أعز أصدقاء الكثير من القادة العرب، والتي تتمتع بكثير من التسهيلات والامتيازات السياسية والعسكرية والاقتصادية في الوطن العربي من أقصاه الغربي حتى أقصاه الشرقي؟ أليس هذا بخيانة يا قادة العرب والمسلمين؟ قد يزعمون كذلك بأن ليس لديهم السلاح الرادع والمناسب لمجابهة العدو، ولكن ماذا كانوا يفعلون منذ عام ١٩٤٨ حتى عام ۱۹۸۲ هل كانوا يجهلون أنهم في حالة حرب مع العدو الإسرائيلي؟
أين الصناعات الحربية العربية يا قادة الأمة؟ ألا يعلمون بأن العدو أصبح يصدر الأسلحة إلى جميع أنحاء العالم؟ أليس لديهم المال الكافي؟
أما الشعب العربي فلازال يغط في نوم عميق، أو في خوف وهلع شديدين من الأنظمة العربية القمعية التي يصدق عليها القول: «أسد علي وفي الحروب نعامة» فلا تسمع للشعب العربي ولا لصحافته إلا مديحًا وتبجيلا للحكام.
أما ذاك النفر الحر الأبي صاحب المبدأ فهو مرمي في السجن كالكلب، حسب تعبير الخائن السادات، أو إن صحيفته قد أغلقت أو هددت بالإغلاق أو حتى نسفت، والذي يهرب من السجن فإنه يلاحق حتى يغتال. فطوبي للحرية والديمقراطية والكرامة في عالمنا العربي لهذا لم نعد نرى لا مظاهرات استنكار ولا احتجاج، وحتى سفارات الدول المعادية أصبحت تشعر بالأمان والاطمئنان فحراسها عرب بل عرب من أصحاب القضية، فهل بعد هذا يحسب حساب للشعب العربي؟!
هذا وصف مختصر لوضعنا في الوقت الراهن، ولكن هل سألنا أنفسنا لم نحن العرب نعاني خانعين من هذا الوضع المخجل والمزري الذي نحن فيه؟ وما هي الأسباب وما هي الحلول أو المخارج؟
ثانياً - الأسباب:
لقد اعتدنا على سماع التبريرات من وسائل الإعلام الحكومية وشبه الحكومية كالقول بأن هناك تمزقا في العالم العربي، وأن أميركا تساعد عدونا وتزوده بأحدث الأسلحة، وأن بعض الدول العربية تخضع لتوجيه من قبل الدول الكبرى، شرقيها وغربيها، ولكن هذه الأسباب لم تعد تقنع حتى أطفال الأمة العربية أو سذجها؛ لأنها إن صحت فهي أسباب ثانوية، فلا بد أن يكون هناك سبب رئيسي آخر يجب البحث عنه لأنه هو الحلقة المفقودة في معاناتنا التي طالت إلى درجة اليأس والقنوط
وفي رأينا الشخصي المتواضع أن السبب الرئيسي الذين يكمن وراء ضياعنا وهزائمنا ومعاناتنا هي مخالفة «إرادة الله»- سبحانه وتعالى- فالله يقول- جل شأنه وتعالى- في سورة الرعد (۱۱) :﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ ويقول تعالى أيضا في سورة الأنفال (٥٣): ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
نعم إن الله سميع عليم فقد كنا حفاة عراة يقتل بعضنا بعضًا ويسبي بعضنا أموال ونساء بعض وكنا متفرقين ومتمزقين، كحالنا اليوم بين أعظم قوتين في ذلك الوقت وهما الفرس والروم، فأنعم الله علينا بنعمة الإسلام الذي حرم علينا دماء وأعراض وأموال إخواننا المسلمين وجعل منا أعظم قوة متحدة استطاعت أن تهزم قطبي العالم في ذلك الوقت والفرس والروم
فهل شكرنا الله حسن رعايته وعنايته لنا؟ بالطبع لا. فبعد وقت قصير من وفاة رسولنا محمد- صلى الله عليه وسلم- نقضنا عهد الله وعهد رسوله وعدنا متفرقين شيعًا وأحزابًا يسفك بعضنا دماء بعض طمعًا في سلطة دنيوية وجاه مزعوم، وخالفنا أوامر الله وتجرأنا على نواهيه، فلم تعد للقرآن قدسية ولا للسنة حرمة، وإنما القدسية والحرمة هي لما يأمر به السلطان من دساتير وقوانين وضعية استوردها من دول أجنبية لحفظ سلطته وسلطانه.
وإذا أردنا أن تحدد أبرز مواضع مخالفتنا لأوامر الله- سبحانه وتعالى- ونواهيه فإننا نجدها فيما يلي:
۱ - وحدة الأمة الإسلامية:
اقتضت «إرادة الله» سبحانه وتعالى أن تكون أمة الإسلام أمة واحدة لها سلطة سياسية واحدة متمثلة في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أثناء حياته، وفي خلفائه الراشدين من بعده. أي دولة إسلامية واحدة يتولى قيادتها خليفة حاسم صارم عادل يحرص على حماية أطراف الدولة وثغورها من كل معتدي ويحفظ للمسلمين، حرياتهم وكرامتهم وأعراضهم ويوفر لهم العدالة السياسية والعدالة الاجتماعية، وهو في سبيل تحقيق ذلك يتولى قيادة جيش عقائدي قوي شعاره «قل هو الله أحد» وولائه «لله وللإسلام وللأمة الإسلامية»، يردد صيحات «الله أكبر.. الله أكبر»، فترتعد لذلك فرائص أعداء الله وأعداء الإسلام خوفًا وهلعًا، فوحدة الأمة الإسلامية فرض على كافة المسلمين امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ﴾ (آل عمران:103)، وفي تصويره تعالى لحال الأمم السالفة والممثل في قوله تعالى ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾.
والعرب يجب أن يكونوا في قلب الأمة الإسلامية تنفيذا وطاعة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:92) ولقوله جل شأنه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة:143). أيضا قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران:110). لذلك يجب على العرب التخلي عن الدعوات القومية العلمانية والحرص بل والدعوة لوحدة المسلمين امتثالا وطاعة له.
ولكن من المؤسف أن بعض الدول العربية تدعو وتؤمن بالقومية العلمانية متأثرة بالأفكار القومية التي نادت بها أوروبا لتخليص اليونان وشرق أوروبا من حكم الخلافة الإسلامية العثمانية في القرن التاسع عشر والتي نادت بها أوروبا مرة أخرى لتمزيق أوصال دولة الخلافة عن طريق دعم بعض المسيحيين العرب وبعض دعاة وعبدة السلطة والسلطان، ولكن ما أن تمزقت أوصال دولة الخلافة حتى ظهرت حقيقة الدعوة القومية، وإذا بالعرب ينقسمون إلى أكثر من ٢١ دويلة كل واحدة منها لا حول لها ولا قوة ويحرص حكامها للحفاظ على كرسي الحكم ودوام السلطان على ترسيخ المفاهيم الإقليمية المتطرفة عن طريق الإبقاء على الحدود المصطنعة التي وضعها الاستعمار البريطاني والفرنسي والإبقاء على كل مظاهر الانفصال التام بين هذه الدويلات.
فأين دعاة القومية من هذه الأوضاع المتردية؟ وكيف يتم التعاون والتنسيق بين هذه الحكومات، وهي التي تحرص على مخالفة أوامر الله- سبحانه وتعالى- التي تحث على الوحدة فالعربي الحق هو العربي المسلم والعربي الذي يحرص على وحدة العرب التي لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق الإسلام امتثالا وطاعة لإرادة الله سبحانه وتعالى، فإذا أريد توحيد العرب؛ لأنهم نواة وقلب الأمة الإسلامية فيجب أن يكون الجوهر الأساسي للنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري لهذه الوحدة مبني على التعاليم الإلاهية «من قرآن كريم وسنة نبوية شريفة». ولا مانع من الاستفادة من الفكر والتجارب الإنسانية الحديثة التي لا تتعارض مع الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الإسلامي.
۲ - تطبيق شريعة الله: شاءت إرادته سبحانه أن يكون هو المشرع الوحيد سواء تمثل هذا في قرآنه الكريم أو سنة نبيه المطهرة، لذلك يقول جل شأنه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:50). ويقول: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:44). ويقول كذلك: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة:45). ويقول كذلك: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة:47) فهل نحكم نحن العرب بما أنزل الله والقرآن بين ظهرانينا ينطق بلغتنا فيكون حجة علينا؟ الإجابة بالطبع بالنفي.
والسؤال إذن هو: هل لا زلنا نحن العرب مسلمين؟ أم نحن كافرون؟ أم نحن ظالمون؟ أم نحن فاسقون؟
أنطبق قانونا من وضع الإنسان استوردناه من الخارج ونترك قانون وشريعة الله؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟
3- الجهاد: لقد فرض علينا الله- سبحانه وتعالى-، كمسلمين الجهاد في سبيل نصرة دينه وتثبيت أركانه وحماية المستضعفين من ظلم الظالمين لذلك يقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:35) ويقول: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:41).
ولكن المصيبة التي ابتلينا بها نحن العرب أننا تناسينا فرض الجهاد، وإذا ذكر أحد بهذا الركن فإننا نقوم بتحريفه فبعض الزعماء العرب يدعو إلى الجهاد وعندما تلبي دعوته يقوم بتحريف المعنى الجلي الواضح للجهاد، وهو الجهاد بالمال والنفس أي بذل المال والتضحية بالنفس في سبيل نصرة دين الله وترسيخ أركانه إلى معنى آخر مشوه هو مجابهة العدو من خلال الكلام في الأمم المتحدة والمؤتمرات الدولية والإذاعات الحكومية.
فهل سمعنا من السلف الصالح من هذه الأمة أن الجهاد يكون بالمهاترات الإذاعية؟ وهل الآيات الكريمة التالية تحمل أي معنى آخر غير معنى التضحية بالنفس وبذل المال؟
يقول سبحانه بأن: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة:۲۰) ويقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. (الحجرات:١٥) ويقول أيضا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:١٤٢).
ولكن من سوء حظنا أننا ابتعدنا كثيرًا عن الله- سبحانه- وتجرأنا على دينه بالتحريف والتشويه وفقا لمصالحنا الدنيوية، وتكون إجابتنا على تساؤل الله- سبحانه- التالي بالإيجاب إذ يقول جل شأنه: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة :٢٤).
٤ - اتخاذ اليهود والنصارى أولياء: الولاء والمحبة لا تكون إلا من المسلم إلى أخيه المسلم، إذ لا يجوز اتخاذ لا اليهود ولا النصارى أولياء أو أصدقاء يركن إليهم المسلم ويثق بهم، وذلك امتثالا للنهي الوارد في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة:51). ولكن القادة العرب انقسموا في ولاءاتهم بين الشرق والغرب وكلاهما من الطائفتين المنهى عن اتخاذهم أولياء بل إن بعض الزعماء العرب يؤمنون بالعقائد السياسية والاقتصادية التي يؤمن بها هؤلاء رغم مخالفتها للعقيدة الإسلامية، وبعضهم الآخر يثق بالغرب أو الشرق أكثر من ثقته بشعبه وإخوانه الحكام العرب.
كما أن معظم الأموال العربية تستثمر في الغرب، بينما الدول الإسلامية التي تعيش في فقر مدقع أولى بالاستفادة من هذه الأموال وبعض المسئولين في الدول الإسلامية يقوم بتقديم التبرعات السخية للجامعات الأجنبية، والتي يسيطر على الكثير منها اليهود.
كما أن بعض الدول الإسلامية تصر على تخفيض أسعار نفطها حتى لا تغضب أو ترهق الدول الغربية المستوردة لنفطها، والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية متعهدة رسميا بموجب اتفاقية مخيم داود «کمب ديفيد» بتزويد إسرائيل بكل احتياجاتها النفطية.
فهل هذا هو مبدأ المعاملة بالمثل الذي تؤمن به الدول التي لديها حرص حقيقي على محاربة ومجابهة إسرائيل ومن وراءها؟!
5 - عقيدة الصراع العربي الصهيوني: إن الصراع بين العرب وإسرائيل ليس صراعا بين قوميتين، كما يزعم أو يعتقد البعض، ولكنه صراع بين عقيدتين.
فلذلك كان النصر لهم في الحرب السابقة؛ لأنهم يقاتلون بدافع عقائدي، وكانت الهزيمة من نصيب العرب لأنهم - يقاتلون بدافع قومي علماني مادي خالي وخاوي من أي مضمون روحي فاستحقوا الهزيمة عن جدارة.
فإذا أراد العرب النصر، فطريق النصر هو الجهاد المقدس باسم الله وتحت راية التوحيد التي يجب أن يحملها جيش إسلامي عقائدي يهتف «الله أكبر.. الله أكبر». وعسى أن نكون نحن المقصودين بالقوم الذين سيدخلون المسجد الأقصى كما دخلناه أيام الفتح الإسلامي في قوله جل شأنه- «والكلام موجه لبني إسرائيل»- :﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾. (الإسراء:7).
فالنصر من عند الله وحده، ومن ينصر الله ينصره إيمانا واحتسابا لقوله جل شأنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7).
لعلنا الآن عرفنا سبب ضعفنا وتمزقنا رغم كثرة عددنا ووفرة إمكانياتنا، وسبب انتصار عدونا علينا ورغم قلة عدده وضآلة موارده وإمكانياته.
فهل أن لنا أن نعود إلى الله ونتجرد من أطماعنا ومصالحنا التي حققناها على حساب قيمنا وكرامتنا كأمة لها تاريخ حافل بالانتصارات العظيمة؟
ثالثاً - المخارج والحلول:
إذا أردنا أن نعود كما كنا أحرارًا أعزة مهيوبي الجانب، فيجب علينا أن نعود إلى الله العلي القدير، ولو على سبيل التجربة، فنحترم إرادته، وذلك بالاحتكام إلى شريعته الغراء في كل أمورنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فنحيي الخلافة الإسلامية بصورتها الصحيحة التي كانت عليها في عصر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم.
إن كرامة أمتنا وعزتها تستحث القادة العرب التجرد من الأطماع والمصالح الشخصية ومن شهوة السلطة والسلطان.
فالتشبث بالسلطة مع الفشل في قيادة الأمة والتنكر إلى قيمها وتراثها وأمجادها، عصيان لإرادة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يقف عائقًا في طريق تحقيق وحدة العرب كنواة لوحدة المسلمين جميعًا، إن استمرار القادة العرب في عبادة السلطة والسلطان لهو استمرار على حساب كرامة الأمة وشرفها الذي انتهك منذ أن تولوا السلطة، فالوقت قد حان الوحدة العرب القائمة على إحياء الخلافة الإسلامية، وذلك عن طريق قيام دولة اتحادية تضم الدول العربية جميعا، ويقودها خليفة مسلم عادل حاسم يرد للعرب والمسلمين اعتبارهم ويعاونه في تحقيق ذلك مؤسسات عسكرية وتنفيذية وتشريعية اتحادية.
إن شعبنا العربي وقادتنا يعلمون أن تحقيق هذا الهدف ليس بمستحيل ولا بصعب بل هو سهل ميسور إذا توفرت النية الحسنة لدى القادة، فهذه الولايات المتحدة الأمريكية تضم أكثر من خمسين ولاية ومقاطعة. وكل ولاية تضم شعوباً من أصول وألوان وديانات ومذاهب مختلفة لها عاداتها وقوانينها ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية المتباينة، ولكن يجمعها جميعًا وحدة المصير ووحدة المصالح المتمثلة في الدولة الاتحادية ومؤسساتها- من حكومة وجيش اتحادي وسلطات تشريعية وقضائية.
كذلك الحال في الاتحاد السوفييتي.
وليعلم الشعب العربي أن الله- سبحانه وتعالى- لن يغفر له سكوته على الوضع القائم على التمزق والتناحر على حساب كرامة وشرف أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- فالوقت مناسب لقيام الخلافة الإسلامية بفضل الله وبفضل الصحوة الإسلامية التي قد خلقت رأيًا عامًا إسلاميًا موحدًا القضايا العربية والإسلامية المصيرية.
كما أن العرب الآن لديهم الإمكانيات البشرية والمالية اللازمة لقيام دولة الخلافة المتحدة والتي إن شاء الله ستصبح الدولة العظمى الأولى، أو على الأقل إحدى الدول الثلاث العظمى في العالم.
وأخيرا فليعلم العرب أن إحياء دولة الخلافة هو الرد الحاسم على الحركات الطائفية والشعوبية والإقليمية والقومية التي يعاني منها العالم العربي.
نسأل الله- سبحانه وتعالى- الهداية لنا جميعا، شعوبًا وحكومات والله ولي التوفيق.