العنوان نفط بحر الشمال هل هو منافس خطير للبترول العربي؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
مشاهدات 85
نشر في العدد 129
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 12-ديسمبر-1972
نفط بحر الشمال
هل هو منافس خطير للبترول العربي؟
الحضارة الهائلة نغوص مفر من الاعتماد في أعماق بحر الشمال لاستخراج البترول.. ولكن لا على بترول العرب
تسود أوربا الآن- والدوائر الاقتصادية بالذات- نوبة من التفاؤل.. تهلل لها الصحافة منذ مطلع هذا العام حول الاكتشافات البترولية في بحر الشمال.. وكثير من وسائل الدعاية تنشر أرقامًا وتقارير مبالغ فيها إلى حد كبير وتقول إن مثل هذا الاكتشاف يجب أن يكون محل اهتمامنا لما له من تأثير على أهم سلاح من أسلحة الدول العربية في معركتها الحالية.. ولا شك أيضًا أن من يقرأ هذه التقارير يستطيع أن يجد بين السطور تلميحًا إلى قرب تخلص الدول الغربية من اعتمادها على بترول الشرق الأوسط وأخيرًا طرحت الالفاينانشيال تايمز الموضوع بكل جوانبه.
• ولم تتحرج في النهاية من مواجهة السؤال: ما مدى أوروبا في تحدي الدول العربية المنتجة للبترول والخضوع لمطالبهم بزيادة الأسعار وهل تأثير هذا الاكتشاف على قدرة تستطيع أوروبا أن تعتمد على نفسها حتى بعد أن يصل إنتاج حقول بحر الشمال إلى كامل طاقتها الإنتاجية؟
لم يكن أحد يتصور أن بحر الشمال أمواجه الهادئة يمكن أن يتمخض عن هذه الكميات الهائلة من البترول التي فاقت تصورات الكثيرين.. ففي خلال أربعة أسابيع بين شهري أغسطس وسبتمبر اكتشف ما لا يقل عن أربع آبار كبيرة أعلنت عنها مجموعة من الشركات البترولية العالمية التي تتولى التنقيب.. اثنان من هذه الحقول بواسطة شركتي أسو وشل والآخران بواسطة شركة فليبس للبترول والتي تتولى التنقيب في مياه النرويج.
ومصدر ابتهاج أوروبا بهذه الاكتشافات يرجع إلى قرب آبار البترول من المستهلك الأوروبي والثاني هو عامل الزمن حيث اكتشف هذا البترول في وقت تزايد فيه استهلاك أوروبا للبترول بدرجة فاقت توقعات الحكومات وفي لحظة اشتد فيها ضغط الدول العربية المصدرة للبترول على الشركات العالمية التي تتولى تسويق النفط حول العالم ...
وأكثر من ذلك فإن هناك فوائد هامة تعود على اقتصاديات الدول التي تقع هذه الآبار في مياهها الاقليمية مثل انجلترا والدانمارك.. فتدفق البترول بهذه الكثرة سوف يضع حدًا العجز المزمن في ميزان المدفوعات البريطاني.. كما يهيئ مستوى جديدًا من الرخاء للمواطن في الدانمرك ولكن هذه الميزات تواجهها مخاطر كثيرة وأهمها قصة التكاليف والتكلفة الرأسمالية بالإضافة إلى تكاليف التشغيل وصلت إلى عشرة اضعاف تكاليف التنقيب عن البترول في الشرق الأوسط.. وقد قامت الفاينانشيال تايمز بالاشتراك مع بعض الخبراء الاقتصاديين بدراسة جادة حول الموضوع وما ينتظر أن ينفق على استخراج بترول بحر الشمال فوصلت التقديرات النهائية إلى ١٢,٥ بليون دولار حتى عام ١٩٨٠.. وسوف يأتي الجزء الأكبر من هذا المبلغ الهائل من إنجلترا ويبدو أن الحكومة البريطانية تشجع الإنفاق على هذا المستوى لما سیدر تدفق البترول من تخفيض في الواردات البريطانية التي تشل ميزان مدفوعاتها وتجعله في حالة عجز دائم وفي تقدير المستر هيث رئيس الحكومة البريطانية أن هذا الاكتشاف سوف يدر على الخزانة البريطانية حوالي ٢,٥ بليون دولار في خلال الثماني سنوات القادمة.. وهذا سيحسن إلى حد كبير موقف بريطانيا عندما تصبح عضوًا كاملًا في السوق الأوروبية المشتركة.
ورغم كل هذه الفوائد فإن هذا الاكتشاف لن يؤثر على المنتجات البترولية وخفض أسعارها.. والسبب أن أسعار البترول تحدد في الشرق الأوسط وهذه الأسعار في تزايد مستمر.
وإذا كانت الحكومة ورجال الأعمال البريطانيين يهللون لهذا الاكتشاف وفوائده فإن النرويجيين قد استقبلوه بتحفظ شديد إذ أن هناك احجامًا وترددًا مصدره كما قال صحفي نرويجي: أن النرويجيين لا يحبون الثراء المفاجئ لأنه فكرة رأسمالية.
فهم لا يريدون التسرع حتى يكون الموقف کله تحت سيطرتهم. بمعنى أن الصناعات البترولية سوف تبقى ركنا هامًا في الاقتصاد النرويجي لحقبة طويلة من الزمن وليس مجرد طفرة في تاريخ النرويج الصناعي.. ويواصل الصحفي النرويجي قائلًا: إننا لا يمكن أن نكون دولة بترولية مثل الكويت أو ليبيا ولذلك فإن إنتاج النفط سيكون جزءًا ضئيلًا من الدخل القومي للبلاد.. ومن الغريب أن الشركات البترولية في النرويج تتفق مع الحكومة في هذا الحذر كما يعبر عنه مارتين سیم مدير أكبر شركة بترول في البلاد: أنه لا يوجد حتى اليوم نرويجي واحد يعرف كيفية إنتاج البترول، ولذلك فمن المستحسن أن تتقدم بخطى بطيئة حتى تتوفر لنا الطراز الصناعي الأصيل الذي سيدرس هذه الصناعة.. وهو الأمر الذي يحفظ التوازن الاقتصادي للبلاد..
وقد كان لهذا الموقف الحذر تأثير سلبي على الاستفتاء الذي جرى في النرويج لدخول السوق الأوروبية إذ أن الرأي العام هناك كان يسوده الخوف من أن انفجار البترول على شواطئ النرويج سوف يستخدم كسلاح للمساومة ضد العرب من جانب السوق الأوربية أكثر منه كمصدر للثروة يعود بالرخاء على المواطن النرويجي.
وفي المؤتمر الأخير الذي عقد في لندن في الأيام القليلة الماضية حول بترول بحر الشمال قدر الخبراء أن استخراج البترول في هذه المنطقة سوف يربح دولارًا واحدًا في البرميل بينما يدر برميل النفط من الخليج العربي ربما ما لا يزيد عن ۳۰ سنتا.. ويعلق «دیلاردسبرج» أحد خبراء النفط في «وول ستريت» قائلًا: إن العرب قد قدموا خدمة كبرى الشركات التي تنقب عن البترول في بحر الشمال وذلك بالزيادة المستمرة في أسعار النفط الخام .
وزيادة على ذلك فقد منحت الحكومة البريطانية إعفاءات ضريبية كبيرة.. وبقي السؤال الهام وهو هل يمكن أن تستغني أوروبا عن بترول الخليج؟ يقدر خبراء البترول احتياطي النفط الكامن في بحر الشمال بحوالي ۱۲ بلیون برميل وهو ما يوازي كمية النفط في منطقة ألاسكا ... وهذه الكميات بالإضافة إلى الاحتياطي العالمي بما في ذلك بترول إيران والدول العربية يصل إلى ۳۷۰ بليون برميل.. فإذا أخذنا في تقديرنا أن استهلاك أوروبا الغربية للبترول يتزايد بمعدل ٧ % سنويًا فان بترول بحر الشمال سوف يوازي ١٣% فقط من حاجة أوروبا في عام ١٩٨٥.. ويؤكد محرر الفاينانشال تايمز هذه الحقيقة بقوله «دعونا نواجه الحقيقة المرة وهي أننا لن نستطيع أن نقول للعرب «إلى الجحيم انتم بترولكم» بل على العكس مما يتصور الكثيرون فإن من المتوقع أن تزيد سيطرة العرب في السنوات القليلة القادمة في سوق النفط خاصة وأن الولايات المتحدة قد تحولت مؤخرًا من دولة مصدرة للبترول إلى دولة مستوردة من المنتظر أن تستورد امریكا حتى بداية ۱۹۸٥ نحو ١٥ مليون برميل يوميًا وهذه الكمية تعادل استهلاك الدول الغربية مجتمعة ... كما أن اليابان ستظل معتمدة على البترول العربي لسنوات طويلة قادمة حيث تستورد ما يعادل ٨٥% من استهلاكها للنفط.»