العنوان نقاط: عملية إجهاض!
الكاتب أحمد عز الدين
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2003
مشاهدات 56
نشر في العدد 1554
نشر في الصفحة 37
السبت 07-يونيو-2003
الدعوة إلى الإصلاح والتغيير في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ليست جديدة ... بل تكاد تكون «لازمة» مستمرة طوال فترة تزيد على القرن.. فلا الحكومات استجابت وأصلحت، ولا دعاة الإصلاح ملوا أو توقفوا، وهم يرون الدعوة للإصلاح واجباً عليهم لا ينبغي التخلي عنه، خاصة وأن الإدراك يتزايد لديهم ولدى الناس بضرورة التغيير.
دعوات الإصلاح أصبحت أكثر إلحاحاً خلال العقد الأخير على وجه الخصوص، مع التغيرات المتسارعة التي حصلت في العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ونقلت مجتمعات من حولنا إلى أوضاع جديدة حتى يكاد المرء لا يصدق اننا . نحن وهم - نعيش في عالم واحد لفرط اتساع الهوة بين الطرفين.
كما طالت موجات التغيير مجتمعات لم تكن معاناتها من الجمود والتحجر السياسي والاقتصادي بأقل من معاناتنا، إن لم تكن تزيد، واستطاعت تلك المجتمعات خلال فترة قصيرة من الزمان أن تتجاوز أزماتها وتنتقل إلى وضعية جديدة.
وساهمت ثورة الاتصالات في نمو الوعي الشعبي بصورة كبيرة بضرورة الإصلاح... خاصة وأن السؤال المُلح الذي أصبح يتردد في الأذهان بعد كل ما يراه الناس أو يسمعونه أو يقرأون عنه مما يحدث في العالم من حولهم: وماذا عنا نحن؟ ولماذا نحن بالذات لا نتغير؟
وقد انتعشت الآمال في الفترة الأخيرة على وجه الخصوص بإمكان حدوث الإصلاح، مع صدور إشارات من بعض الأنظمة والحكومات تشير إلى إمكان التجاوب مع تلك الدعوات.
هذا من جانب ومن جانب آخر، انكشاف العالم العربي والإسلامي وظهور سوءاته أمام شعوبه وأمام العالم بعد أن اصبح عاجزاً تماماً عن الاستجابة للتحديات التي تواجهه.
وسط هذه الأجواء ظهرت الدعوات الأمريكية لإصلاح الوضع العربي والإسلامي! وأخذت التصريحات والتنظيرات الأمريكية تترى ومنها مبادرة الشراكة التي أعلنها وزير الخارجية كولن باول، ودعوة الرئيس بوش بشان منطقة التجارة الحرة، وأفكار ريتشارد هاس مدير تخطيط السياسات في الخارجية، وأخيراً الأفكار التي طرحها وليام بيريز مساعد وزير الخارجية الأمريكي في كلمته أمام مؤتمر مركز دراسات الإسلام والديمقراطية (واشنطن ١٦ ١٨ مايو الماضي) .
هل يخدم هذا التوجه الأمريكي قضية الإصلاح في العالم العربي والإسلامي؟ وهل يناصر المطالب الشعبية أم يعارضها؟ الإجابة ترتبط بعدد من العناصر منها:
١-إن للشعوب العربية والإسلامية تجربة مريرة مع أمريكا وهي لا تثق في الوعود الأمريكية فحسب، بل تنظر إليها بكل ريبة وشك، ويكاد يكون إدراكها أن ما يحدث بالفعل هو عكس ما يقال، كما أن بعض تلك التصريحات ذكرت صراحة ارتباط الدعوة للتغييرات بتحقيق المصالح الأمريكية. كما أن استعراض سوابق التعامل الأمريكي مع دول العالم لا يشجع مطلقاً على الاعتقاد بسلامة القصد الأمريكي، أو أن هدف التغيير هو مصلحة الشعوب.
٢-إن دعوة الإصلاح على الطريقة الأمريكية ارتبطت بأمور غير مقبولة لدى
الشعوب العربية والإسلامية من قبيل
: أ- الدعوة لتسوية في فلسطين وفق ما اطلق عليه «رؤيا الرئيس بوش» والتي ستكون على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.
ب - غزو العراق واحتلاله وتدميره، وهي حرب أجمعت شعوب الأرض على رفضها.
ج - الدعوة لتغيير مناهج التعليم، و«زعم تحرير المرأة» فضلاً عن الضغوط التي مورست بالفعل على الجمعيات والمؤسسات الخيرية، ومدارس تحفيظ القرآن، بل والتي طالت حتى تقييد دور المساجد والحد من بناء المزيد منها .. إلخ.
إذا كان الأمر كذلك، فإن الدعوة الأمريكية تكون مرفوضة من الشعوب شكلاً ومضموناً، ومن هنا يمكن اعتبارها نوعاً من «الاختطاف» غير المشروع الأماني وتطلعات الشعوب، وطريقة لإجهاض مساعي التغيير النابعة من الداخل لا المفروضة من الخارج، إذ من المنطقي أن تتعالى المطالب برفض دعوات التغيير الأمريكية، لما تحمله من أخطار. ووسط هذا الضجيج والهرج والمرج تضيع الدعوات الصادقة للتغيير التي تنطلق من ثوابت الأمة ومبادئها.
إذا صدقت النوايا الأمريكية حقيقة تجاه المنطقة وأرادت لها الخير، فإن عليها أن ترفع وصايتها عنها، وتكف عن التدخل في شؤونها. بما في ذلك التخلي عن فرض أنظمة دكتاتورية استبدادية وحمايتها، وأن توقف دعمها المادي والمعنوي للكيان الصهيوني الغاصب، وحينذاك يمكن للقوى الحية في المنطقة أن ترسم طريقها الصحيح دون حاجة لتدخل خارجي.. لا من أمريكا ولا من غيرها.