العنوان نقوش على جدار الدعوة.. متى يكسر هذا الجدار؟
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1997
مشاهدات 61
نشر في العدد 1262
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 12-أغسطس-1997
متى يكسر هذا الجدار؟ سؤال تردد عند البعض، المراد به أن نوقف نقوشنا على جدار الدعوة، وأن نقتحمه اقتحامًا، لنخلص للعاملين من ورائه ونتطرق إلى مواضيع تمس حياة الدعاة بأسلوب مباشر، ونحن -بحمد الله- عندما نكتب على جدار الدعوة أو ما بعد الولوج إلى فناء الدعوة لا نسن الحراب لنلاحق المخطئين عن قصد فضلًا عن المخطئين عن غير قصد، وإنما نحن نوجه كلمتنا بالحسنى ونتجاوز عن ذكر الأسماء، فليس من غرضنا التشهير بأحد، وإنما كل غرضنا ذكر ما نراه صوابًا وعرضه على الآخرين، ولعلهم يرون ما نرى، ويأخذون به، إن استطعنا إقناعهم بما نقول، كسر الجدار إذن غير مجد وغير نافع، وضرره أكثر من نفعه، وليس معنى ذلك أن نتوقف عن التناصح أو عن النقد الذاتي الذي به يستقيم المعوج ويعتدل المائل وهذا ما نمارسه بناء على المنهج الإسلامي القائم على الحكمة والموعظة الحسنة، وإننا وهؤلاء متفقون على النفاذ من هذا الجدار إلى رحاب الدعوة الفسيحة لنقول كلمتنا التي تمس المواقف والأحداث لا الأشخاص، فهدفنا إحقاق الحق وإزهاق الباطل وبيان آثاره الضارة على الدعوة والدعاة.
وكسر الجدار قد يكون في لحظة يكون الكاتب غير منتبه إلا للحظته الحاضرة التي يراها أمام ناظريه، فهو يتصرف في ضوئها غير عالم بما هو آت بعدها، وغير متحسس لعواقبها التي قد تكون وخيمة في بعض الأحيان بحيث تلحق بالعاملين أكبر الأضرار، فالكسر إنما يحمل في بعض إيحاءاته التخلي عن الرفق، والرسول ﷺ أخبرنا وأرشدنا إلى السلوك القويم حين بين لنا أنه: «ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه»، والطرق على جدار الدعوة، أو النقش إنما هو يوقظ الوسنانين، وينبه الغافلين، فإن أحدث ذلك فهذا مرادنا، وإن لم يحدث فقد وقفنا عند قول الله لرسوله ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ٌ﴾ (الشورى: 48) والكسر من ناحية أخرى قد يسبب إزعاجًا ينفر النفوس اللوامة فتتوقف في السير حتى ترى ما يتكشف لها من أمارات الطريق، وقد يصيب التكسير هذا النفوس الأمارة بالسوء بحالة من التحدي والعمل على الانتصار للنفس، ومحاولة القطيعة أو العداء والنفور والاستعلاء، وفي كلتا الحالتين، فإن الدعاة الذين يفعلون ذلك يكونون قد عملوا على خسارة الدعوة حين لم تكسب قلوب هؤلاء المدعوين، بل إنها تجعلهم يضعون أصابعهم في أذانهم، حين تعلن الدعوة نداءها، ويقوم الدعاة بتبليغها.
كما أنه ليس من الحكمة ولا من الموعظة الحسنة أن نكسر جدار الدعوة، لأننا بذلك نفتح بابًا للفتنة لتطل برأسها، وتنعق بصوتها فتصيب بشررها نفوسًا تحاول أن تتجنب الفتنة، وضررها أبلغ من كل ضرر، وأشد من كل بلاء وأكثر الناس لا يتبينون -من زمن الفتنة- معالم الطريق الصحيح فيضلون ويضلون، وهذا دأب الفتنة من قديم وهو ما كان يحذره عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- والصحابة معه وخاصة حذيفة بن اليمان، كما يتضح ذلك في الحوار الذي دار بينهما قبل أن يقتل أبو لؤلؤة المجوسي عمر بن الخطاب، قال حذيفة: بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي ﷺ في الفتنة، قال حذيفة فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال عمر: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر، فقال حذيفة: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح قال: لا، بل يكسر، قال عمر: إذن لا يغلق أبدًا، قال حذيفة أجل.
قال شقيق الذي روى عن حذيفة، أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أن دون غدٍ ليلة، وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليظ، فهبنا أن نسأله من الباب؟ فأمرنا مسروقًا فسأله: فقال من الباب؟ قال: عمر.
«انظر رسائل العاملين 1/248 - للكاتب فيه تفصيل في الموضوع».
وإلى جانب ذلك، فإن كسر هذا الباب يخالف منهج التدرج الذي يراعي ظروف العصر وأحوال الناس في غير ترخص ولا تهاون على حساب الدين، وقد كانت هذه السنة -سنة التدرج- دأب الخليفة- عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه- الذي رد مظالم بني أمية وعدل بين الناس، وجاء ابنه عبد الملك الشاب المتحمس الذي يود أن يحمل الناس على الحق حملًا فقال: يا أبت ما يمنعك من أن تحمل الناس على الحق فإني - والله - ما أبالي أغلت بي القدور أم بك، فقال له الخليفة الراشد معلمًا، يا بني إن الله ذم الخمر في آيتين وحرمها في الثالثة وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدعوه جملة.
وإني لأعلم حسن نية المطالبين بكسر الجدار، ولكن حسن النية -وحده- لا يكفي، إذن لابد إلى جانبه من الإدراك السليم لكل حركة وكل خطوة في السلوك الدعوي المرصود -الآن- على ساحة البلاد الإسلامية أكثر من كل وقت مضى.
وهنا نقول: لقد كان ﷺ يعلم أصحابه الصبر والأناة، يبين لهم عاقبة التعجل وأنها خاسرة في كل الاتجاهات فقال: «إن المنبت لا كان أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»، وبين لهم أن العجلة تضيف كربًا إلى كربهم وألمًا إلى ألمهم دون أن تفيدهم شيئًا.
وقال ردًا على خباب بن الأرت حين شكا إليه كثرة ما أصاب المسلمين من الأذى في مكة: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
وليس معنى ذلك أيضًا الركون إلى ما هو واقع، والتهاون في حق الدين، والتقصير في بيانه، فذلك أمر مرفوض تمامًا.
وواجب المسلمين أن يتمسكوا دائماً بقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 200)، وبقوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2)، ويقول رسول الله ﷺ «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم»، والخير كل الخير في الوسطية التي في منهج الإسلام، والله المستعان ونحن اليوم نقول لإخواننا سنجتهد في فتح الباب والولوج إلى الداخل من خلال التطرق للمواضيع الآتية:
1. التوطين بين القول والحقيقة.
2. استمرارية الدعوة في الخارج والداخل.
3. بين الاستثمار المادي والاستثمار المعنوي.
4. التفاعل.
5. التعاون المثمر.
كما أننا سنكتب في هذه النقاط بأسلوب هين لين لعل ذلك يوصل المعنى للقلوب.