العنوان نقوش على جدار الدعوة هل للأخوة الإسلامية بيننا وجود؟
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997
مشاهدات 73
نشر في العدد 1247
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 29-أبريل-1997
الأخوة الإسلامية لا تتحقق بين المؤمنين إن حادث عن المبادئ الإسلامية الصحيحة التي أرسى الإسلام دعائمها، فالناس متساوون في خلقتهم وإن تفاوتوا في أخلاقهم وأرزاقهم، والناس أحرار حتى في معتقداتهم التي على أساسها يتقرر الحكم عليهم في الدنيا وفي الآخرة، وليس من حق أحد أن يحد من هذه الحرية طالما أنها ملتزمة بالأصول المتفق عليها بين الناس بحيث لا تخالف شرعًا صحيحًا، ولا تنحرف وراء عرف معوج أو سلوك أهوج.
ويكفي أن يرجع الناس إلى الأصول الإسلامية في هذا الموضوع لتستقر أخوتهم، وتذوب عصبيتهم ولا يتفاضلوا بغير التقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (سورة الحجرات:١٣) والتقوى شيء يعلمه الله وحده، ولذا نهانا عن تزكية أنفسنا: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ﴾ (سورة النجم:٣٢)، فماذا يبقى للناس؟ تبقى آثار التقوى وأماراتها التي تدل على أن الأخوة قائمة باقية. ومن هذه الأمارات الإحسان إلى الناس بالقول والفعل، وهذا مأمور به لكل الناس، وأولى أن يكون ذلك بين المسلمين، قال سبحانه: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ (سورة البقرة:٨٣)، وبين سبحانه أن الكلام الجميل الذي يرد به السائل والصفح والعفو عما يفرط منه عند الرد وعدم الإعطاء خير وأفضل من صدقة يتبعها أذى، قال سبحانه :﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ (سورة البقرة ٢٦٣)، وإذا كان هذا في القول فهو في العمل كذلك، قال سبحانه: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ (سورة النساء:١٢٤)، فحسن القول وحسن الفعل للناس أجمعين هو إحدى سمات الإسلام التي أمر الدين بها المسلمين، وإذا عم هذا الأمر الناس أجمعين فإن من الأولى أن يكون هذا الإحسان بين المسلمين بعضهم بعضًا قبل أن يكون مع غيرهم.
ووجوه الإحسان عديدة وأعمال الخير والبر لا تحصى، ومن لوازم هذا الإحسان احتمال مساءات الآخرين والصبر على إيذائهم والعفو عن مسيئهم، والصفح عنهم، بل إننا نأخذ بأيديهم إن تعثروا ونداوي جراحاتهم بالصبر عليهم فنكون وإياهم كما قال الشاعر:
وكنت إذا صحبت خيار قوم
صحبتهم وشيمتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم
واحتمل الإساءة إن أساءوا
ومن لوازم هذا الإحسان أيضًا أن يفتح الدعاة صدورهم للناس يواسون المكروب، ويخففون الآلام عن المحزون، ويشاركون الناس في بأسائهم وضرائهم، فإن الإنسان ضعيف، وهو يحتاج إلى من يسمع -أحيانًا- شكواه، ويحمل عنه شيئًا من بلواه، ويقوي ساعده أمام مشكلات الحياة، وهم بذلك يفتحون بابًا أمام إخوانهم المسلمين ليلتفوا من حولهم، لا ليهتفوا بحياتهم، ولكي يستمدوا منهم الخير حين يقوم الدعاة بواجبهم في الدعوة إلى الله على بصيرة، فينتفع بها المسلمون قبل الآخرين.
ويصدق على هؤلاء الدعاة في تلك الحالة قول الشاعر:
صديقي من يقاسمني همومي
ويرمي بالعداوة من رماني
ويحفظني إذا ما غبت عنه
وأرجوه لنائبة الزمان
إن مشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم حق من حقوق المسلم على المسلم، يدعم رابطة الأخوة بقوة معنوية لا تنفصم عروتها ولا يزول أثرها، وخير من يقوم بهذا الواجب هم الدعاة الذين ينبغي أن يكونوا ملاذ كل متوجع، وبلسم كل مجروح الفؤاد كسير، يواسون الناس في مصابهم، ويتوجعون لآلامهم، لأن هؤلاء الدعاة هم أصحاب المروءة التي تجعل قلوب الناس تتعلق بهم.
ومن أمارات هذه الأخوة كذلك لزوم مشاورة الإخوان فيما يتصل بأمور الحياة العامة التي يحتاج بحثها وتنفيذها إلى استنارة فكرية نظرية أو خبرة عملية، أو تجربة سلوكية، ومشاورة الإخوان مؤكدة النفع، لأنهم لا يصدرون في رأيهم إلا عن يقين مؤكد، أو على الأقل ظن غالب، فالصدق مبتغاهم والنصح دليلهم، والحق طلبتهم، ولا يتم ذلك إلا بالمشاورة، وتمحيص الآراء.
الرأي كالليل مسود جوانحه
والليل لا ينجلي إلا بإصباح
فأضمم مصابيح آراء الرجال إلى
مصباح رأيك تزيد ضوء مصباح
إن أمثال هؤلاء الإخوان -وإن قلوا- هم صفوة الزمان التي تغني عن كثير من الرجال، لأن أصحاب المواقف قليلون، يكثر الغثاء من حولهم فلا يضيقون، وقد يتهمون في أراءهم، فلا ينصرفون عنها مادامت موافقة للحق أمرة بالقسط، ناهية عن المنكر، عاملة من أجل تثبيت قيم الإيمان ومد أنوارها في الآفاق على يد الصادقين من الإخوان الذين لا يخافون إلا الله، ولا يطلبون إلا رضاه.
وإذا صفا لك من زمانك واحد
فهو المراد فعش بذاك الواحد
ومن أماراتها إحسان الظن بالآخرين، والمؤمن مطلوب منه أن يجتنب كثيرًا من الظن، وأن يحذر من سوء الظن: «إن بعض الظن إثم، وقد يدرك الإنسان بعد فوات الأوان أنه رمى إخوانه بسهام ظنه فأدمى مكانتهم في نفسه، وانقطع عنهم بشخصه، وربما لاك لسانه سيرتهم، وعمل على أن يستشف دخيلتهم فلم يصل إلى حقيقة، بل تمسك بالشك أو بالوهم الذي يود أن يثبته على إخوانه ليظهر انه يعمل غير عملهم، وأنه ليس شبيهًا بهم، والحق أن من بين إخوانه من لا يظن به إلا الخير، ولا يصنفه إلا مع أهل الحق والصدق، وشتان بين موقف هؤلاء وموقفه، إنه بالفعل ليس شبيهًا بهم، ولا قريبًا من منزلتهم في حسن ظنهم بالآخرين: قل لا يستوي الخبيث والطيب وصحبة الذين يسيئون الظن بالآخرين تضر بالناس وتضر صاحبها لأنها تعدي ولا تقف عند حد معين ولذلك قيل:
وأحذر مؤاخاة الدنيء لأنه
يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
أسأل الله أن يجنبني وإخواني المؤمنين سوء الظن، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، والحمد لله رب العالمين.
أخوكم
جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل