العنوان نكبة جديدة للاجئين.. وإعمار المدن والمخيمات يحتاج لسنوات
الكاتب وسام عفيفة
تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1497
نشر في الصفحة 22
السبت 20-أبريل-2002
بين أشلاء المجازر
وزيرة التعليم الصهيونية: نعم نريد ألا يجد الفلسطينيون متسعًا من الوقت لشغل أنفسهم بحفر قبور قتلاهم
ناجح جرار: سيناريو نكبة ٤٨ يتكرر اليوم بنفس الفصول والمشاهد
بيوت مدمرة.. سيارات محطمة في الطرقات، انهيار كامل لكافة خدمات البنية التحتية من مياه وكهرباء وخطوط هاتف وصرف صحي هذا هو المشهد الأول لمن يزور بعض المدن والمناطق التي انسحبت منها قوات الاحتلال، وما خفي في المناطق التي مازالت تحت الحصار والعزل.. أعظم. أما الأشد مأساوية فهو حال الإنسان، ففي كل بيت تسمع نحيب الأرامل أو بكاء مكظوم لليتامى والثكلى أو أنين الجوعى والمصابين والمرضى الذين يستشهدون كل يوم دون علاج تعجز الكلمات عن وصف الصورة الحقيقية لأنها مازالت غير معروفة، فالجثث مازالت تحت الأنقاض والمشردون لم يعودوا لأسرهم، والأسرى غير معلوم مصيرهم.
ستمائة شهيد على الأقل سقطوا خلال أسبوع واحد إضافة إلى أكثر من أربعة آلاف أسير من الاقتحام الإجرامي لمخيم جنين ومدينة نابلس ومخيماتها، ١٠ منهم في نابلسي ومخيماتها، والعدد مرشح للارتفاع عند إزالة الأنقاض أو فك الحصار عن المخيمات الفلسطينية التي لا تزال تحت الحصار.
مدير عام جمعية «القانون» المحامي خضر شقيرات ذكر أن قوات الاحتلال لم تكتف باستخدام الطائرات المروحية والدبابات في قصف الأحياء السكنية بل تعمدت إطلاق النار على سيارات الإسعاف ومنعها من التحرك لإنقاذ الجرحى وإخلاء الشهداء وترك الجرحى ينزفون حتى الموت ولم يتمكن المرضى من المدنيين من الوصول إلى المستشفيات، وقد قضي عدد منهم داخل منازلهم، ولم يتمكن ذووهم من دفنهم في المقابر وظلوا أيامًا عدة داخل منازلهم كما ازدادت أعداد الولادات إما على الحواجز وإما داخل المنازل، مما يزيد من المخاطر على حياة الأمهات ومواليدهن.
مقابر جماعية
الثلاثاء قبل الماضي كان موعدًا لحفر أول قبر جماعي دفن فيه الشهداء في مشهد يدمي القلوب حيث تحولت حديقة مستشفى رام الله الحكومي إلى مقبرة جماعية بعدما طال بقاء حثث الشهداء في المستشفى دون وجود ثلاجات كافية لاستيعابهم وبعد منع وصولهم لذويهم لدفنهم، والذين بلغ عددهم ٢٦ شهيدًا.
المأساة بدت رهيبة عندما تكدست أعداد الشهداء في ثلاجة سيارة تجارية للألبان في نابلس ولم يقدر الإرهابيون الصهاينة حرمة وجسد الإنسان الفلسطيني حيًّا أو ميتًا فقد وصل بعض جثث الشهداء بدون ملابس وظهرت عليه آثار التنكيل والتشويه.
وكان شهيد فلسطيني مسلم قد دفن يوم الثلاثاء ٩/٤/٢٠٠٢م في كنيسة المهد في بيت لحم ليصبح أول مسلم يدفن في هذا المكان الذي ولد فيه السيد المسيح عليه السلام.
وبسؤال القس «بيتر مدروس» عن الكيفية التي سيدفن بها الضحايا من المسيحيين إذا بقيت جلتهم محجوزة داخل ساحة المهد أو الكنيسة أشار إلى أنه سيتم دفن المسيحيين– إذا اضطرت الكنيسة– في مقبرة مسيحية خلف كنيسة المهد مباشرة.
حملة للقتل فقط
«لقد استهدفت هذه الحملة– وبكل بساطة– قتل أكبر عدد من الفلسطينيين».
هذا ما قالته وزيرة التعليم الصهيونية ليمور ليفنات في تأبين أحد القتلى الصهاينة: «نعم نريد الآن ألا يجد الفلسطينيون متسعًا من الوقت لشغل أنفسهم بحفر قبور قتلاهم، نعم نحن بصدد قتل كل فلسطيني من الممكن أن يشكل خطرًا على أمن الدولة في المستقبل، ناهيك عن أولئك الذين نرى أنهم حاليًّا يشكلون خطرًا على أمن الدولة ومواطنيها».
كما أكد قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الجنرال إسحاق إينان–الذي يشرف على الحملة الأمنية– أن أحد أهم أهداف عملية اجتياح رام الله هو القضاء على البني التنظيمية لحركات المقاومة بدون استثناء وحسب إيتان فإن قوات الاحتلال ستركز على تصفية عناصر الأجهزة العسكرية لحركات المقاومة الموجودة في المدن الفلسطينية.
على صعيد آخر وضمن الصور البشعة التي ارتكبتها قوات الحرب الصهيونية والتي تظهر مدى همجية ووحشية الصهاينة، اكتشف أهالي البلدة القديمة في نابلس تحت الركام وأنقاض المنازل جثث عائلتين بأكملهما استشهدتا أثر هدم منزليهما خلال القصف المستمر الذي طال البلدة والذي أدي إلى دفن أفراد العائلتين تحت ركام منزليهما كما اكتشف أهالي حي الياسمينة بالمدينة جثث مجموعة من الأطفال تفحمت نتيجة القصف الصهيوني على الحي...
وتقول الناشطة الميدانية عنان الأتيري إن قوات الإرهاب الصهيوني نفذت عمليات تدمير ومداهمة واعتقالات واعتداءات همجية على أهالي البلدة القديمة من رجال ونساء وأطفال حيث كانوا يداهمون المنازل السكنية ويقومون باحتجاز مجموعة نساء في شقة واحدة بدون طعام أو ماء ويعتقلون الرجال والشباب ويقتادونهم إلى معسكرات اعتقال لإخضاعهم للتحقيق والتفتيش وسط إجراءات قمعية ووحشية دون أدنى مراعاة لإنسانيتهم وتشير عنان إلى أن الكثير من العائلات في البلدة أصبحت بلا مأوى مشتتة في الشوارع بعد تدمير منازلها وعدم صلاحيتها للسكن، وأوضحت أن مستشفيات المدينة لم تعد قادرة على استيعاب العدد الهائل من الشهداء حيث يوجد في مستشفى رفيديا وحدها ٤٥ جثة في الثلاجات لم يتمكنوا من دفنها مما اضطرهم إلى وضع جثث الشهداء الأخرى في أكياس بلاستيكية ومن ثم وضعها في شاحنات تبريد تستخدم لحفظ الألبان والمواد الغذائية الأخرى.
ثلاث مستشفيات في المدينة امتلأت حيث يوجد في ثلاجاتها أكثر من ٨٠ جثة شهيد إلى جانب مئات الجرحى. وذكرت شاهدة عيان من البلدة أنها عاشت هي وأفراد أسرتها ١٠ ساعات في حالة رعب وهلع نتيجة استمرار القصف وإطلاق النار الكثيف على البلدة مشيرة إلى أن الأطفال يبكون ويصرخون من شدة الجوع ولا يجدون الحليب أو الدواء اللازم لهم نتيجة نظام حظر التجول المفروض على البلدة وإطلاق جنود الاحتلال النار على كل من يخرج من بيته بدون تمييز.
وأكدت أنه لا يوجد في البلدة ماء للشرب كما نفدت المواد التموينية لديهم، حتى إنه لا تجد الحليب لإرضاع طفلها الصغير.
لاجئون ثم لا جئون
وأكد د ناجح جرار أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة النجاح الوطنية في نابلس أن السيناريو الذي طبق على الفلسطينيين إبان نكبة ٤٨ يتكرر من جديد الآن بنفس الفصول والمشاهد، منوهًا إلى أن المجازر التي ارتكبها جنود الاحتلال هي بداية تنفيذ هذا السيناريو.
وذكر جرار بمخطط الترانسفير الذي حاولت الحكومات الصهيونية تنفيذه ترهيبًا وترغيبًا في محاولة لإفراغ فلسطين من سكانها عبر العديد من الوسائل وإحلال يهود العالم مكانهم.
وتطرق جرار إلى ممارسات العصابات الصهيونية عشية الإعلان عن قيام الكيان الصهيوني وما صاحب ذلك من تمييز عنصري وقمع وإرهاب تمثل في ارتكابهم. العديد من المجازر والمذابح البشعة، ولعل أشهرها مذابح: دير ياسين، اللد، ناصر الدين والدوايمة، إذ تم إجبار المواطنين على مغادرة قراهم وتهديم الكثير منها تحت غطاء الحرب مما تسبب في هجرة ٧٥٠ ألف فلسطيني.
وحذر المحلل السياسي المختص بشؤون اللاجئين الفلسطينيين «أحمد أبو شلال» من خطورة ما يجري وقال: إن ما يجري من مجازر ينبغي قراءته في ظل العقلية الصهيونية التي عهدناها خلال الـ (٥٤) عامًا الماضية، فما يجري هو محاولات جديدة لإعادة تشتيت اللاجئين، خصوصًا في كل ما أذاعته وسائل الإعلام الصهيونية عن نية حكومة شارون ترحيل الفلسطينيين الذين يتم اعتقالهم إلى مصر والأردن، وهي محاولة لإعادة المشاهد التي حفظتها الذاكرة الفلسطينية خلال العقود الماضية من إرهاب للفلسطينيين من خلال المجازر التي تنفذ لحملهم على الرحيل طوعًا أو كراهية.
دمار و خسائر على المدى البعيد
الدمار والخسائر التي سببها جيش الاحتلال بشكل متعمد ومنهجي أعادت بعض المناطق الفلسطينية إلى عهد الهجرة الأولى بعد عام ٤٨ وهي ستترك الضفة الغربية لسنوات في حالة تعويض وإعمار، وحتى الآن لا توجد إحصائيات أو أرقام نهائية عن حجم الخسائر والأضرار خصوصًا وأن معظم مدن الضفة الغربية مازال تحت الحصار.
ويقول د. عمر عبد الرازق أستاذ الاقتصاد في جامعة «النجاح» الوطنية: إن القوات الصهيونية تعمدت إلحاق خسائر فادحة في البنية التحتية للمناطق الفلسطينية، فدمرت أحياء سكنية كاملة وشبكات الماء والكهرباء وإصلاح ما دمره الاحتلال أكبر من قدرة السلطة الفلسطينية.
تدمير معالم ومقدسات
المساجد وأماكن العبادة المسيحية لم تسلم من الاعتداء عليها كما هو حاصل في كنيسة المهد والكنائس المحيطة بها في مدينة بيت لحم كما لم تسلم المساجد من الاعتداء حيث تم تدمير مسجد أبو خضرة، وهو مسجد قديم في مدينة نابلس التسهيل عملية دخول الدبابات إلى أزقة البلدة القديمة. وقد تعرضت عدة مساجد وكنائس لأعمال قصف.
ويقول القس مدروس: «إن ما تنقله وسائل الإعلام المختلفة عما يحدث في بيت لحم عمومًا– وفي ساحة المهد على وجه الخصوص– نقطة في بحر مما يجري حاليًّا؛ فالمشاهد فظيعة والجرائم والمجازر أكثر فظاعة». وخلال تفقد أهالي البلدة القديمة الأثرية في نابلس المنطقة بعد 10 أيام من الحصار المشدد ونظام حظر التجول المفروض عليها كانت الصاعقة الكبرى حيث لم يجدوا أمامهم إلا بقايا ركام وهدم ودمار وجثث متناثرة في كافة أزقة والشوارع البلدة فقد طال العدوان الصهيوني الهمجي البشر والحجر والشجر ولم يستثن أحدًا من آلته الحربية.
وكانت قوات الاحتلال قد أجبرت الأهالي على إخلاء منازلهم الواقعة في وسط مدينة نابلس وشرعت بقصفها بصورة وحشية مما أدى إلى تحويل المنطقة إلى ركام بعد هدم المنازل وتدميرها وإلحاق أضرار مادية بالغة بالعديد من المنازل نتيجة القصف الصهيوني المستمر على المنطقة.
جنين.. «المجزرة والبطولة»
المقاتلون حولوا أجسادهم وشوارعهم إلى ألغام.. وشارون يسعى لإخفاء معالم المذبحة
الناجون من المخيم:
الجرافات لاحقتنا من بيت إلى بيت.. قتل وحشي..
أطفال مازالوا يبحثون عن أهاليهم وأزواج عن زوجاتهم
محللون سياسيون صهاينة لقد تحول المخيم إلى «أسطورة» سندفع ثمنها عندما تصل صور الدمار للعالم
جنين «المجزرة والبطولة» بهذه الكلمات القليلة يمكن وصف ذلك المخيم الذي كان يعيش على كيلومتر مربع من أرضه أكثر من 15 ألف لاجئ خطوا بدمائهم صفحة جديدة من التحدي والصمود في التاريخ الفلسطيني وأضيفت أجسادهم وأشلاؤهم إلى سجل مجازر فلسطين وصفها الصهاينة «لعنة جنين» وقال جنود الاحتلال عن شوارعها «أزقة الموت» حيث قتل فيها ٢٣ جنديًّا وضابطًا.
واستشهد أكثر من خمسمائة فلسطيني في مواجهات المخيم التي دارت لأكثر من أسبوع رفضت قوات الاحتلال خلالها السماح لسيارات الإسعاف بنقل الجرحى، كما لم تسمح للأهالي بدفن جثث ذويهم الملقاة في الشوارع.
جيش مقابل لاجئين
لم تمض أيام على اجتياح القوات "الإسرائيلية" للمدن الفلسطينية في الضفة الغربية (في ٢٩/٣/٢٠٠٢م) حتى راح الجيش الصهيوني يدفع بأفضل وحدات ويعزز حصاره على مخيم جنين.
وشرع الجيش– الذي أرسل مروحياته في سماء المخيم ودباباته إلى أطرافه– في القصف المكثف لمنازل المخيم وحاراته الضيقة لدفع المقاتلين إلى الاستسلام.
لكن تكتل المقاتلين المؤلف من مختلف التنظيمات والفصائل الوطنية والإسلامية صنع مقاومة نادرة تحولت من الدفاع إلى الهجوم وراحت توقع خسائر في صفوف الصهاينة.
ومع مرور الوقت وصمود المقاتلين قرر رئيس أركان الجيش الإرهابي «شاؤول موفاز» الإشراف بنفسه على إدارة المعركة.
الهجوم الذي أراد له الصهاينة أن يظل عسكريًّا تحول في وقت قصير إلى مواجهة مع سكان المخيم العزل عندما راحت جرافات الجيش تدمر منازلهم لتفتح الطريق لدباباتها وجنودها للوصول إلى حارة «الحواشين» في قلب المخيم حيث تحصن المقاتلون.
لكن نقطة التحول الكبرى كانت الثلاثاء ٩/٤/٢٠٠٢م عندما سقط ١٣ جنديًّا "إسرائيليًّا" في كمين نصبه المجاهدون ولم تمض ساعات حتى شدد الجيش هجومه على المخيم ودفع بتعزيزات جديدة وصعد عملية قصفه الجوي والبري للمخيم.
شهادات من المجزرة
وكان شهود عيان قد أكدوا أن مخيم جنين تعرض إلى مجرزة، وتم دفن الفلسطينيين في مقابر جماعية.
وقالت أم رائد القريمي–٤٥ عامًا– إحدى الشاهدات وهي تجهش بالبكاء «لاحقتنا جرافاتهم من بيت لبيت ثم وصل الجنود واقتادوا زوجي وولدي» «لقد قتلوا جارنا رجا أبو السباع –٧٠ عامًا– بدم بارد وقتلوا زوجة وابنة جارنا عيسى الوشاحي»
وقال جمال أبو الهيجا أحد المقاتلين: «إن الجنود هدموا المنازل على من فيها، وقامت جرافاتهم بإزالة ركام الأنقاض والجثث تحته»
ولم يكن أمام «هيثم أبو زينة» سوى خيارين:
إما الموت حرقًا وإما ترك المنزل للنجاة من رصاص قوات الاحتلال، فآثر الخروج من المنزل.. تلك كانت أولى شهادات أحد الناجين من مجزرة مخيم جنين بالضفة الغربية يقول والمرارة تحرق صدره:
«نعم خرجت وأبنائي الخمسة، والجيران وكان عددنا يربو على المائة رافعين الرايات البيضاء بعد أن اشتعلت النار في منازلنا نتيجة القصف الصهيوني وعندما وصلنا في اتجاه قوات الاحتلال نطق كل منا بالشهادة، كنا على يقين أن جنود الاحتلال سيطلقون علينا النار، ولكن قبل أن تقترب منهم طالبونا– ونحن نصرخ بأننا مدنيون– برفع ملابسنا عن أجسادنا، ورفع بطاقاتنا الشخصية إلى أعلى»
يقول هيثم: «لقد نجونا بأعجوبة من موت محقق مرتين الأولى عندما احترق البيت والثانية بعد أن ابتعدنا عن قوات الاحتلال، ولكن الجريمة الأكبر في أن العائلة الواحدة قسمت إلى ثلاث أقسام لا يدري الواحد منها عن الآخر شيئًا» ويؤكد أبو زينة أن من بين الموجودين معه الآن أطفالًا ونساء فقدوا أقاربهم وباتوا لا يعرفون عنهم شيئًا، ويقول «بيننا هنا في هذا المكان الذي التجأنا إليه بعض الأطفال يبحثون عن أسرهم وبعض الأزواج يبحثون عن زوجاتهم ولا يعرف أحد عن أحد شيئًا»
وأوردت نساء فلسطينيات شهادات حية عن وضع الشبان الفلسطينيين في مخيم جنين حيث قامت قوات الاحتلال الإرهابي بتطبيق إجراءات قاسية بحق أولك الشبان تضمنت إجبارهم على خلع ملابسهم، كما قامت بهدم البيوت وإجبار البعض على مغادرة المخيم إضافة إلى قتل آخرين.
وقالت أم رمزي الكريمي «٤٢ عامًا»:
«كنت مع زوجي توفيق وأولادنا الستة في بيتنا في الجانب الشرقي من المخيم عندما بدأت جرافة بهدمه» وروت أم رمزي وهي تبكي «عندما فرغت الجرافة من هدم المنزل الأول بدأت بهدم منزل الجيران» وأضافت «هربنا إلى منزل ثالث لكن الجرافات بدأت بهدمه وقاموا بطردنا، نحن النساء والأطفال، وذكرت أن حوالي ٢٠ من سكان البيوت المجاورة لها فروا بعدما شهدوا بيوتهم تهدم الواحد تلو الآخر في المخيم.
وتابعت السيدة الفلسطينية التي اضطرت للجوء إلى أصدقاء في مدينة جنين أن الجنود "الإسرائيليين" «دخلوا منزل الجيران واعتقلوا ۱۸ شابًا بينهم ابني وزوجي وأجبروهم جميعًا على خلع ملابسهم واقتادوهم إلى الشارع عراة حيث أجبروهم على النوم على بطونهم وراحوا يضعون أختامًا على ظهورهم»
وأكدت أنها «شاهدت مئات من الشبان العراة الدين كان الجنود يدوسون عليهم بـ«أحذيتهم» مضيفة أن جنود الاحتلال قتلوا ثلاثة من جيرانها وهم رجل مسن وامرأة وابنتها.
أنا رائدة أبو علي "٣٦ عامًا" فقد أكدت أن منزلها انهار بعدما أصيب بقذيفة عندما كانت بداخله مع زوجها وأشقائه تقول: «بدأنا بالصراخ ثم استطعنا النهوض من الركام وحضر الجنود وأمرونا بإخلاء المكان بعد أن اعتقلوا زوجي وأشقاءه» مضيفة «لقد أجبروهم على خلع ملابسهم واقتادوهم إلى جهة مجهولة» وتابعت أن جنود الاحتلال كانوا يتكلمون من خلال مكبرات الصوت باللغة العربية ويؤكدون «نحن جيش أقوى منكم ولا تستطيعون مقاومتنا» ونقلت أم عماد. وهي من قرية زبوبا غرب جنين عن أشخاص وصلوا من المخيم أن جيش الاحتلال كان يقتاد مجموعات الشبان إلى أحراش قريبة من المخيم.
تضيف نسبة إلى هؤلاء الشهود "كان الجنود يجبرون هؤلاء الشباب على خلع ملابسهم ويضعون عليها أختامًا وعلامات ليقتادوهم إلى الأحراش ولا أحد يعرف ماذا يفعلون بهم بعد ذلك"
الاحتلال اعترف بقتل المئات وقد اعترف جيش الاحتلال بقتل المئات من الفلسطينيين خلال معارك في مخيم جنين للاجئين في شمال الضفة الغربية.
أكد ذلك الناطق باسم الجيش "الإسرائيلي" الجنرال «درون كيتري» الجمعة ١٢/٤/٢٠٠٢م في تصريح لإذاعة الجيش، وأوضح «قتل على الأرجح مئات عدة من الفلسطينيين خلال المعارك» لكن الناطق عاد وتراجع عن ذلك قائلًا إن المئات هم من القتلى والجرحى.
وقال كيتري في مقابلة أخرى مع الإذاعة "الإسرائيلية" العامة «وكانت المعارك ضارية جدًّا وهو ما يظهره حجم الخسائر "الإسرائيلية"»
وقد طالب العضو العربي في الكنيست «محمد بركة» والعضو أحمد الطيبي محكمة العدل الدولية بإجراء تحقيق في «جرائم الحرب» التي ارتكبها الجيش في مخيم جنين ومدن فلسطينية أخرى.
وطالب بركة الخميس ١١/٤/٢٠٠٢م بمحاكمة كل من شارون ووزير دفاعه بنيامين بن ألعيزر، ورئيس هيئة الأركان شاؤول موفارا لتورطهم في ارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين. واتهم بركة «إسرائيل» بارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان والقواعد الإنسانية، داعيًا محكمة العدل الدولية إلى «إرسال بعثة تحقيق إلى الأراضي الفلسطينية».
وقال بيان للقيادة الفلسطينية الخميس الماضي «إن هناك منابع جماعية ارتكبت ضد أبنائنا في مخيم جنين» وقالت: إن جرافات الاحتلال قامت بتدمير منازل المواطنين فوق رؤوس ساكنيها، وحرفت جثث الشهداء مع بقايا المساكن لإخفاء الجرائم الإرهابية.
صمود بطولي بشهادة الأعداء
وعلى ما يبدو أن الصهاينة وخصوصًا جيش الاحتلال لن ينسوا جنين التي أصبحت تمثل لهم «لعنة» حسب وصف الصحفيين الصهاينة ولن ينسي الجنود أزقة الموت في المخيم وكل ذلك يظهر بشكل جلي في شهادات جنود وضباط خاضوا المعركة.
ويصف أحد الضباط الذين شاركوا في عمليات القتل والتدمير قائلًا كان الفلسطينيون يرفضون الاستسلام رغم أنهم فقدوا العشرات من رجالهم. إلا أنهم واصلوا التشبث بأظافرهم رغم أن التوازن العسكري يميل بشكل جاد ضدهم.
وأضاف الضابط نوعم: إني مندهش من جرأتهم على إطلاق النار من داخل البيت حتى عندما يعرفون أنه خلال ثوان ستدخل قذيفة "إسرائيلية" من شباكه إنهم يرون الطائرات العامودية ويدركون أن صاروخًا سينسفهم ولكنهم لا يهربون.
ونقلت صحيفة «هآرتس» شهادة أحد الجنود "الإسرائيليين" المكلفين باقتحام أحد منازل الفلسطينيين في مخيم جنين بالضفة الغربية أوضح فيها حالة الرعب التي تملكته نتيجة المقاومة الفلسطينية في المخيم.
قال الجندي "الإسرائيلي" «رون دروری»– ٣٠ عامًا– في اعترافه للصحيفة العبرية الثلاثاء ٩/٤/٢٠٠٢م: «تلقيت مع عدد من الجنود مهمة محددة بالبدء في السير في طريق تم رسمه لنا من قبل القيادة ولم نصادف أي اعتراضات ثم بدأ قائدنا يفكر في إمكانية دخولنا إلى ٣ منازل فلسطينية في مخيم جنين للقبض على من يتحصنون بداخله، ولكنه أقر بأن المهمة خطيرة ثم ترجانا ببطء في أحد الأزقة الضيقة وفجأة انفجرت عبوة ناسفة بين الجنود، ولا أعرف من أين جات هذه العبوة؟ ولا كيف انفجرت بهذا الشكل؟
وعلى الفور بدأت في إطلاق النار من سلاحي...
طلقة تجر الأخرى وبعد فترة قليلة تساقطت الطلقات علينا بشدة من كل صوب إلا أنني قمت مرة أخرى بإطلاق النار، إلا أن ذخيرتي نفدت فقمت بإطلاق قذائف من مدفعي المحمول» يضيف: «نظرت خلفي فوجدت أحد الجنود لم ينجح في إطلاق أي رصاصة من سلاحه بسبب الخوف الذي كان يتملكه أخذت منه ذخيرته وعاودت إطلاق النار مرة أخرى إلى أن تمكنت من الهرب بعد أن أصبت بطلق في قدمي، وعندئذ تمكن بعض الجنود من إخراجي من المكان وتوصيلي إلى المستشفى».
ووصفت الصحيفة هذه القصة الصغيرة بأنها واحدة من المعارك القاسية التي دارت في مخيم جنين والتي أدت إلى مقتل ٢٣ جنديًّا على الأقل.
«الوضع مخيف جدًّا هناك من المفضل عدم الدخول» يقول أحد جنود سرية سلاح الهندسة الذي حضر في سيارة الإسعاف «ليرتاح قليلًا في الخارج» قبل أن يرجع إلى نيران المخيم «إننا ننتقل من بيت إلى آخر ندخلها دون إطلاق النيران، وإذا حدث وأطلقوا علينا النار نرد عليها بنيراننا كل شيء يسير ببطء لكن المسلمين لا يغادرون المخيم إنهم يحاربون لقد تم إخلاء بعض سكان المخيم قبل محاصرته، وتم وضع عشرات القناصة وزرع مئات العبوات الناسفة والسيارات المفخخة لديهم محفزات جنونية إنهم يحاربوننا بإصرار كبير ولا يتنازلون»
الصحافة العبرية مذهولة؛ المعلقون من الصحافيين الصهاينة كان لهم تعليقاتهم في نفس السياق:
أليكس فيشمان معلق عسكري في صحيفة «يديعوت أحرنوت» يقول: تذكرنا هذه الحادثة بما ينتظر الجيش إذا كان ينوي البقاء فترة طويلة داخل المدن الفلسطينية ففي الحرب داخل منطقة مأهولة لا يسقط غالبية الضحايا في المراحل الأولى من عملية السيطرة والاحتلال– حيث تصل اليقظة إلى قمتها– وإنما في مرحلة التطهير... خصمك ينظم صفوفه يدرس خطواتك ويكتشف نقاط ضعفك، فيما تفقد أنت بعض اليقظة، ويسودك الشعور بأن الأمر يقارب على النهاية ويعتبر هذا الفاصل الزمني شديد الإشكالية ويستدعي المزيد من مثل هذه الحوادث.
يضيف: سيزور باول المنطقة سيتحدث ويعود إلى البيت وسيتركنا مع الشيكات التي لا رصيد لها، والتي سيوزعها عرفات ومع الأسطورة الجديدة لـ«جنين جراد» «على وزن ستالينجراد المدينة الروسية التي قاومت الاحتلال الناري بصلابة» وسندفع نحن ثمن هذه الأسطورة في الأيام القريبة عندما تبدأ صور الدمار في المخيم بالوصول إلى أنحاء العالم.
أما الصحفي روني شكيد فيقول: تحول المخيم إلى أسطورة فلسطينية أخرى إلى رمز القتال الفلسطيني العنيد تحت شعار «النصر أو الموت»
ولا تعد مقدرة الصمود والمحفزات العالية لدى الفلسطينيين السبب الوحيد الذي يجعل محاربة الجيش "الإسرائيلي" في مخيم اللاجئين صعبة وخطيرة إلى هذا الحد فالثمن الباهظ الذي دفع خلال أيام الحرب الثمانية جاء بسبب الظروف المادية في المخيم فعلى مساحة أكثر من نصف كيلومتر مربع بقليل يعيش قرابة ١٨ ألف نسمة منهم الكثير من الأولاد في بيوت صغيرة لا تتجاوز ثلاثة طوابق وفي منطقة توجد فيها طرق يصعب جدًّا تسميتها شوارع، إضافة إلى الكثير من الأزقة المعقدة والمضيقة التي تشبه المتاهة.
ويضيف في الشهر الأخير كان المخيم كله عبارة عن مختبر واحد وكبير لإنتاج المواد المتفجرة وكان أحد سكان المخيم قد قال، قبل ثلاثة أسابيع: إن المخيم تحول إلى مصنع كبير. يعمل فيه كل ولد بلغ الـ 14 من العمر، وكل امرأة بإنتاج العبوات الناسفة، وأن الإنتاج يتم في المنازل وفي الأزقة وفي شوارع وساحات المخيم.
لقد زرع الفلسطينيون العبوات في كل زاوية. على المداخل وفي الأزقة وعلى أعمدة الكهرباء وفي السيارات المتوقفة، وفي البيوت وخاصة تلك التي قدروا بأن الجيش "الإسرائيلي" سيدخلها وتم جمع الأسلحة والذخيرة من كل أرجاء منطقة جنين واستدعي المطربون من كل قرى المنطقة للمشاركة في المعركة وقامت كل عائلة، وكذلك اللجنة القومية الإسلامية التي تقود الانتفاضة في المخيم، بتخزين كميات كبيرة من المواد الغذائية والماء والأدوية وتقرر قبل بدء المعارك توحيد القوات فتحولت فتح وحماس والجهاد إلى قوة واحدة تعمل تحت اسم «المقاومة الفلسطينية».
استقالة ضابط
هذه رسالة قدمها لي أحد الأصدقاء طالبًا مني تصحيحها لغويًّا ونحويًّا ونظرًا لروعتها طلبت منه السماح لي بنشرها بعد حذف اسمه واسم وزير دفاع الدولة التي قدمت له.
مجاهد الصواف
وزير الدفاع الموقر..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في هذه الأيام الحالكة العصيبة، وما نشاهده من قتل المدنيين والعزل على شاشات التلفاز العربي... في هذه الأيام التي حركت الشباب والفتيات فتحولت أجسادهم إلى قنابل بشرية متحركة وتدافعوا للاستشهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى
في هذه الأيام يا سيدي أجد نفسي أصحو كل صباح لألبس ملابسي العسكرية مراقبًا فيها أدق التفاصيل نجوم ونسر لامع وحتى الحذاء في أحسن حال؛
أدخل سيارتي العسكرية الفاخرة بعد أن يفتح لي المرافق الباب أذهب إلى المعسكر نحيي الراية ونحرك الجنود في تمارين يومية...
وكل سلاحنا الجوي والبري والبحري هو من أحدث طراز وهو مرمي في المخازن.
الا تعتقد سيدي أن أمتنا قد أعدتنا لهذا اليوم لإنقاذ المرأة الفلسطينية والشيخ الفلسطيني والشاب والطفل الذي يقتل دون ذنب جناه سوى أنه فلسطيني عربي مسلم؟
في هذه الأيام التي ينتظرنا فيها أبناء أمتنا لم نقم بشيء سوى الاستنكار ومهاتفة من يعين الكيان الصهيوني طالبين منهم أن يوقفوا هذه المجازر. عندما يتحرك المدنيون العزل للدفاع عن دين الله وعن الأقصى الشريف ويجعلون أجسادهم قنابل متحركة أخجل أنا وزملائي من أنفسنا، كيف سنجيب الله ثم أمتنا إن سألتنا عن دورنا اليوم؟!
لقد صليت الجمعة في المسجد، وكانت خطبة الإمام عن أن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة اليوم، ونحن من ربي لحرب اليهود نحن من اشترى أحدث السلاح لنا لضرب الكيان الصهيوني نجلس متفرجين!
إنني مصاب باكتئاب وأشعر ببوادر جلطة ولا أريد أن أموت بالسكتة القلبية. تعبت من السكوت السكوت قاتل الصمت ذباح تحرس دول المواجهة حدود الكيان الصهيوني ولا تسمح حتى بأضعف الإيمان، تهريب سلاح أو ترك المتطوعين للجهاد يتسللون.
لذلك ولكل ما أرى وأسمع أتقدم لكم طالبًا التكرم بقبول استقالتي وأقل الجهاد هو ما أقوم به سيدي لا أستطيع الصمت وإلا فسأموت..
فأرجوكم قبول استقالتي اعتبارًا من اليوم تعاطفًا مع أمتي المذبوحة، وهذا أضعف الإيمان.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
العميد الركن.