العنوان نمط مختلف من القصص- القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها (2 من 11)
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 10-نوفمبر-2007
مشاهدات 67
نشر في العدد 1776
نشر في الصفحة 46
السبت 10-نوفمبر-2007
والقصص القرآني حين نزل به القرآن الكريم، كان مخالفًا للنمط القصصي الذي ألفه العرب في الجاهلية، ومع أن الشعر كانت له أهميته الكبرى في حياتهم، فقد كانت القصة تمثل أيضًا نوعًا من الاهتمام، ولكن بدرجة أقل، وعرفوا منها ما يدور حول الحروب التي كانت تنشب بين القبائل «وهو النوع الأغلب الأعم».
وما يدور حول قصص الحب الشهيرة في زمانهم وما سبقه، وقصص بعض الشخصيات الشهيرة أو المرموقة، مثل: عنترة وامرئ القيس، وطرفة بن العبد، وسيف بن ذي يزن وحروب بكر وتغلب، وعبس وذبيان، والمناذرة والغساسنة، وفارس وملوك سبًا، ورحلات الشتاء والصيف وغيرها، ومع مجيء القرآن بقصصه، فقد أدهش العرب، وأخرجهم تمامًا عما ألفوه من القصص، والنوادر، والأساطير، والخرافات.
ولهذا كما يرى بعض الباحثين يمكن القول إن القصص القرآني والقصص النبوي في الأحاديث النبوية الشريفة الصحيحة، كان البداية الحقيقية الصادقة المتميزة لهذا النوع من فنون القول في اللغة العربية شكلًا ومضمونًا.
وإذا كان القرآن هو معجزة محمد ﷺ الكبرى.. فإن القصص القرآني متضمن في ثنايا هذه المعجزة (۱).
صفات القصص القرآني
وبناء على ما سبق، فإن القصص القرآني يوصف بأنه القصص الحق.. يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ٦٢).
حيث لا زيف فيه ولا تحريف، وهو أيضًا أحسن القصص، يقول تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: ٣).
ومن صفات هذا القصص القرآني أنه مستمر ولا ينتهي تأثيره بمجرد الفراغ من تلقيه قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٦)، حيث تدخل القصة إلى عقل المتلقي ووجدانه، فيتحاور معها، ويفكر مع نفسه أو ذاته (۲).
ويدخل في صفات القصص القرآني دوره في تثبيت قلب النبي ﷺ وتقديم العظة والعبرة، فالحق سبحانه يقول: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ﴾ (هود: ١٢٠)، وهو ما يعني أن قصص الأنبياء والرسل التي يقصها القرآن الكريم، تحكي نماذج في الصمود والصلابة والتحمل، لتثبت قلب النبي ﷺ وتشجعه على الصبر ومواصلة طريقه الدعوي، ثم إن هذه القصص تقدم العظة والنصيحة والإرشاد والعبرة للمسلمين بصفة عامة، وتدفعهم دفعًا للتفكير والتأمل قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ ﴾ (يوسف: ١١١).
ويمكننا القول، بعد إيراد هذه الصفات، إن القرآن الكريم ليس كتابًا أنشئ من أجل القصة قصدًا، ولكن ينظر إليه وإلى القصة من الزاوية التي تحقق أهدافه العامة، ولا يصح أن نأخذ عليه أنه لم يتناول القصة من جميع أطرافها -وفقًا للمفهوم المعاصر- أو أنها جاءت غير متسلسلة الحوادث أو مرتبة منظمة لأن السياق القرآني له مقتضياته التي تتغيا الهدف الديني أولًا (۳).
أغراض القصة القرآنية
وإذا كانت هذه صفات القصة القرآنية وملامحها، فإن أغراضها تكمن في خدمة أغراض الدين الحنيف، وتدور حول أهدافه المتنوعة سواء ما يرتبط بالعقيدة والتوحيد أو الشريعة ونظام المجتمع الإسلامي، ويستطيع الباحث في أغراض القصة القرآنية، أن يجد أغراضًا متعددة بتعددها، وأن يجد في كثير منها قاسمًا مشتركًا خاصة في قصص الأنبياء والرسل، سواء من حيث الدعوة إلى التوحيد ونفي الشرك أو من حيث مواجهة المعارضين للرسالات السماوية والدعوات النبوية، أو غير ذلك مما يمثل نقاطًا مشتركة مرت في حياة المرسلين والأنبياء على تفاوت فيما بينهم.
وقد أشار الأستاذ «سيد قطب»، إلى وجود أغراض دينية بحتة للقصص القرآني تتعلق بإثبات الوحي والوحدانية ووحدة الدين في أساسه، والقدرة الإلهية، والإنذار والتبشير، وعاقبة الخير والشر، والصبر والجزع والشكر والبطر ... إلخ.
ثم إنه فصل هذه الأغراض تفصيلًا ملموسًا في عدة صفحات، متابعًا ما ورد في القصص القرآني على امتداد القرآن الكريم كله، ويمكن أن نوجز هذه الأغراض فيما يلي:
1- إثبات الوحي والرسالة:
كانت أمية النبي ﷺ وعدم جلوسه إلى أحبار اليهود وعلماء النصارى، دليلًا على أن القرآن الكريم، وحي وإنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم القصص الواردة في قال تعالي: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (يوسف: 2-3) وقال تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (القصص: ٣) في بداية سورة القصص، وفي أواسطها، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: 44-46) وهناك آيات أخرى في هذا السياق تكتفي منها بقوله تعالى بعد عرض قصة نوح عليه السلام؛ ﴿تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩).
2- الدين كله من عند الله:
من أول نوح إلى محمد عليهما الصلاة والسلام والمؤمنون كلهم أمة واحدة، والله واحد رب الجميع، وهذه الحقيقة قد تأتي في سور متعددة وقد تأتي في سورة واحدة تضم عددًا من قصص مجموعة من الأنبياء وما جاء في سورة الأنبياء خير مثال على ذلك، حيث نطالع قصص موسى وهارون وإبراهيم ولوط، وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل، وإدريس وذي النون، وزكريا ويحيى، ومريم.. وبعد سرد هذه القصص يأتي قوله تعالي في الختام، ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الانبياء: ٩٢).
3- التوحيد:
وهو العقيدة الأساسية التي تتكرر الدعوة إليها في قصص الأنبياء بالقرآن الكريم، حيث نقرأ على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: ٥٩) وقوله تعالى: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الاعراف: ٦٥) وقوله تعالي: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ ﴾ (الاعراف: ٧٣).
4- وحدة الوسائل الدعوية:
فالوسائل التي يتبعها الأنبياء في الدعوة موحدة، وأيضًا فإن استقبال الناس للدعوةمتشابه، فضلًا عن أن الدين من عند إله واحد، وأنه قائم على أساس واحد، ويمكن هود مثالًا واضحًا أن تجد ما ورد في سورة على ذلك، حيث يتبع الأنبياء وسائل واحدة في الدعوة، ويواجهون من أقوامهم برد فعل متشابه.
5- الأصل المشترك للدين:
بين دين محمد ﷺ ودين إبراهيم -عليه السلام- بصفة خاصة، ثم أديان بني إسرائيل بصفة عامة، وقد تكررت الإشارة إلى هذا الأصل أو الاتصال المشترك بين الأديان في قصص إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الْصُحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾ (الأعلي: ١٩).
6- انتصار الأنبياء وهزيمة المكذبين: وهو أمر يتم في نهاية المطاف، حيث تأتي النصرة الإلهية للأنبياء، والهلاك أو الهزيمة للمكذبين، وهو ما يقدمه القصص القرآني تثبيتًا للنبي وتأثيرًا في نفوس من يدعوهم إلى الإيمان، قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (هود: ١٢٠)، ولعل سورة العنكبوت، تقدم مثالًا واضحًا على نصرة الأنبياء وهزيمة المنكرين.
7- التبشير والتحذير: ويقدم القصص القرآني تصديقا للتبشير الإلهي برحمة الله، وتحذيرا من عقابه، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (الحجر: ٤٩: ٥٠)، ويمكن أن نجد أمثلة على ذلك في سورة الحجر من خلال قصص إبراهيم ولوط عليهما السلام وأصحاب الحجر.
8- التنبيه إلى غواية الشيطان:
ويتكرر هذا بالتنبيه لآدم وذريته، وتحذيرهم من غواية الشيطان، وتذكيرهم بالعداوة المستمرة بينهم وبينه، وهو ما يفسر تكرار قصة آدم في العديد من المواضع (٥).
وهناك أغراض أخرى كثيرة يمكن استنباطها من القصص القرآني تدور حول بيان نعمة الله على أنبيائه وأصفيائه، وقدرته على صنع المعجزات، وعاقبة الخير والشر، والحكمة الإلهية القريبة، والحكمة الإلهية البعيدة.
الهوامش
1- حول القصة الإسلامية، ص ٧.
2- راجع حول القصة الإسلامية، ص٩.
3- من بلاغة العرب ص ٢٧٦، ۲۷۷.
4- المقصود بالقرون في الآيات الأجيال.
5- التصوير الفني في القرآن: ص ۱۲۰ – ۱۲۸، حيث أورد تفصيلًا مستفيضًا لأغراض القصة القرآنية وأمثلة عليها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل