العنوان نموذج آخر من نماذج الحداثة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
مشاهدات 54
نشر في العدد 945
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 12-ديسمبر-1989
- الحداثي «أميل
حبيبي» انضم إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح» ومثله في الكنيست حتى
عام ١٩٧٢.
- إذا كانت الخيانة
العظمى في المصطلح السياسي هي التآمر مع الأعداء على سلامة البلد؛ فإن
الخيانة الأعظم من ذلك هي الهجوم المباشر أو المستتر على العقيدة والدين
والثوابت المبدئية.
- مؤتمر عشق آباد الذي
عقد في جمهورية تركمانيا السوفييتية حضره وفد عن الكيان الصهيوني مؤلف من
اثنين أحدهما يهودي، والآخر هو أميل حبيبي.
إذا كانت الخيانة العظمى في المصطلح السياسي هي عبارة عن التآمر مع الأعداء
ضد سلامة البلد، فإن الخيانة الأعظم من ذلك هي: المهاجمة المباشرة أو المستترة على
العقيدة والدين والثوابت المبدئية التي لا تقبل مفاوضة أو حوارًا، وإذا كان علماء
الإسلام مجمعون على كفر من استهزأ بشيء من الإسلام ولو كان صغيرًا، فكيف بمن
يستهزئ ويحارب قواعد الإسلام وأصوله وكلياته؟ ثم كيف بمن يشيد بهذا «العدو لله
ولدينه» أو يدافع عنه؟ إنها الخيانة العظمى بلا شك، فالمسلم الحقيقي- فردًا أو
شعبًا أو دولة– يفخر أول ما يفخر بعقيدته ودينه، ويعتبر النيل منهما جريمة دونها
النيل من العرض أو الأرض، أو المواقف المصلحية السياسية أو الاقتصادية.
من الحقائق
إذ كل حقيقة من حقائق هذا الدين- عند المسلم الصادق في إسلامه- جوهرة نفيسة
لا عوض لها، ومن غير المطاق أو المعقول أن يتغاضى مسلم، أو يسمح لعابث أن يدنس هذه
الأعراض الاعتقادية، أو أن يقف مادحًا أو مدافعًا عمن يحاول التدنيس.
وكتطبيق تمثيلي على ما سلف أورد حدثًا نال في الصفحات الثقافية في كثير من
الصحف العربية اهتمامًا غير عادي، وهو «مؤتمر عشق آباد، وموقف الكاتب الفلسطيني
والمبدع الحداثي الكبير أميل حبيبي»!
فقد
تحدث الناس عن هذا الحدث على صفحات الجرائد والمجلات بين مؤيد ومعارض كل بحسب
اعتقاده ومشربه، ولن أتعرض هنا لكل ما قيل، لأن أكثره لا ينطلق من نظرة إسلامية
واضحة، ولكني سأشير إلى الدفاع المستميت الذي سطره أحدهم على صفحات جريدة عكاظ عدد
٨٤٨٨ في ١٠/٤/١٤١٠هـ باعتباره أوضح المقالات في الدفاع عن أميل حبيبي.
فها هو باسم الثقافة وتوضيح الحقيقة يمتدح بخطابية مهترئة إبداعاته الأدبية
وخصوصياته الثقافية وكتاباته ورواياته..
ثم ينساق بعد ذلك ليصف مواقفه الوطنية وتحركاته النضالية، لا لشيء إلا لمجرد
إبداء الرأي وتبرئة الذمة- على حد تعبير الكاتب- ومع عبارات المديح المكيلة
والموزونة التي أفرغها الكاتب لصالح أميل حبيبي، لم يفته أن يصم معارضيه بأنهم
يكرسون النزعة «الشوفينية»! وأنهم يتخذون من الدين ستارًا تضليليًا زائفًا!
من هو أميل؟
فمن هو أميل حبيبي وما مواقفه؟
هو أحد نصارى فلسطين، ثم أحد الشيوعيين هناك، ينتمي للحزب الشيوعي في فلسطين
المسلمة، الحزب الذي أسسه اليهود عام ۱۹۲۲ حين ائتلفت مجموعات يسارية تحت اسم
«موبسي»، وقد اعترف «الكومنترن» بالحزب الشيوعي الذي كان جميع أعضائه من اليهود
عام ١٩٢٤.
وفي عام ۱۹۳۰ توجه الحزب إلى تعريب كوادره بتوجيه من الكومنترن، وفي عام ۱۹۳۲تولى منصب الأمين العام
للحزب رضوان الحلو من عرب فلسطين الذين تلقوا أفكارهم الماركسية اللينينية في
جامعة كادمي الشرق.
كان الحزب إلى سنة ١٩٣١ يصدر نشراته بلغتي اليديش والعبرية فقط، ثم أضاف
إليهما نشرة باللغة العربية.
في عام ١٩٤٠ انضم أميل حبيبي إلى الحزب الشيوعي، وفي عام ١٩٤٣ حصل انشقاق
داخل الحزب الشيوعي الفلسطيني؛ فنشأت بسببه عصبة التحرر الوطني، وكان على رأس هذه
المجموعة الماركسية: رضوان الحلو، وفؤاد نصار، وأميل توما، وأميل حبيبي.
وفي عام ١٩٤٧ حصل انشقاق في داخل عصبة التحرر الوطني بسبب تأييد الاتحاد
السوفييتي لما أسموه بحقوق اليهود في فلسطين، ومن ذلك حق الهجرة، ثم تأييد
السوفييت فيما بعد لقرار التقسيم، فوقف فؤاد نصار وأميل حبيبي مع الموقف
السوفييتي، بينما وقف الآخرون ضده.
وبسبب موقف الماركسيين من اليهود وقرار التقسيم ثارت عليهم جماهير المسلمين،
فأحرقت مكاتب العصبة ومرافقها.
كان أميل حبيبي ولا يزال يعتنق الإلحاد والكفر بالله، وينادي بقيام دولة
العمال والكادحين تحت حكم «ديكتاتورية البلوريتاريا»، ولكي يحقق هذا الهدف انضم
بعد انقسام العصبة عام ١٩٤٨ إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي «راكاح»، ومثل الحزب في
الكنيست حتى عام ١٩٧٢، ثم عمل في الصحافة، واشترك في تأسيس جريدة الاتحاد الناطقة
باسم «راكاح»، ونشر على صفحاتها عام ١٩٧٤ أجزاء من روايته «الوقائع الغريبة في
اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، وهي الرواية التي يحيطها الحداثيون العرب بهالات
التمجيد والتقديس، ويعتبرونها التصوير الحقيقي للحالة الفلسطينية، والإبداع الذي
لا يضاهيه إلا روايته الأخرى التي سماها «أخطية» الصادرة في عام ١٩٨٥، وسبب تأليفه
لرواية «المتشائل» كما يروي المدافعون عنه– من باب التبجيل والإجلال– أنه «عندما
وقف بيغال آلون وزير المعارف على منصة البرلمان وقال: لو كان يوجد شعب عربي
فلسطيني في هذه البلاد، لترك وراءه آثارًا أدبية.. يومها- كما يقول أميل حبيبي-
اشتعلت غضبًا، وقررت أن أعطيه أثرًا أدبيًا يعيش أكثر مما يعيش هو، بل وأكثر مما
يعيش أحفاد أحفاده، وكان ذلك هو الدافع في كتابة رواية «المتشائل» عكاظ عدد ٨٤٨٨
في ١٠/٤/١٤١٠.
هكذا فليكن النضال، وهكذا فلتكن الأفكار الثورية والطموحات الوطنية، ولتعش
الإبداعات الحداثية لمواجهة الأعداء!
يقول أميل حبيبي في روايته «أخطية» ص ٥٩ – ٦٠:
«لم يجدوا في معمعة القضية الأمنية من يقول لهم: ليس كل ما حرمه
الإسلام كان منتشرًا في الجاهلية، فأين كانت العرب العاربة تجد مثلًا لحم الخنزير؟
كانت صعاليكهم تبحث عن الماء في الفيافي حتى تموت عطشًا فأين كانت تجد الخمرة؟ ولو
وأد العرب بناتهم في الجاهلية لانقرضوا.. وحتى يومنا هذا كانت تئد البنين والبنات،
وتئد المستقبل وهو في الأرحام، لكي يئدوا بناتهم بأيديهم أسدلوا على وجوههن البرقع
والخمار الأسود، وحجبوهن جيلًا جيلًا وحتى يومكم هذا.
إن من يصر على إسدال هذا الخمار على تراثنا الإنساني المسفر هو ذو عقل أخف
من عقل حمار، فتراثنا هو ما خلفه لنا الفعلة والأكارون، لا ما خلفه لنا مدعو
الخلافة الأكالون النكارون، وكان سواد الشعب فعلة أرض فلاحين وفلاحات، أكارين
وأكارات، عراة إلا من مئزر، وفوقه طين الأرض، فكيف ينفعهم برقع أو خمار؟».
ويقول أميل حبيبي: «بينما تعاني ذهنية الغربي من عقدة أوديب- عقدة نفسية
تتسم بحب الابن لأمه، والبنت لأبيها حبًا مفرطًا– تعاني ذهنية الشرق من عقدة حب
الطفل لأخته....»، كتاب رأيهم في الإسلام ص ٤١ دار الساقي ۱۹۸۷ للمؤلفين: لوك باربولسكو
وفيليب كاردينال، تعريب ابن منصور العبد الله.
ويقول: «فالتخلف الثقافي ليس حكرًا على العرب مع الإخوان المسلمين، أو
غيرهم، فلليهود أحزاب دينية متعصبة تحظى بمناصب وزارية»، رأيهم في الإسلام ص ٤٢.
وعندما سأل مؤلفو الكتاب أميل حبيبي عن بعض قضايا الإسلام أجاب بما يلي:
«س: هل يحافظ الإسلام حتى يومنا هذا على دعوته الشاملة؟
جـ: لم لا نبحث أمر الديانة الأكثر انتشارًا في العالم ألا وهي البوذية
والتساؤل عن يقظتها» ص ٤٦.
وعندما سئل عن النظام الإسلامي للحكم، وهل يمكن أن تمر به الشعوب العربية
قال: «بالنسبة إليَّ الدين شأن شخصي، وعند تخطيه هذا الحد يصبح شعارًا... أما نحن
العرب في الأراضي المحتلة فنرفض النضال باسم الدين» ص ٤٦.
محامي الصهيونية
أما مؤتمر عشق آباد فهو عبارة عن ندوة سياسية فكرية عقدت في مدينة عشق آباد
عاصمة جمهورية تركمانيا المحتلة من قبل السوفييت، وكان هذا المؤتمر بعنوان «دور
رجال الثقافة في إقامة السلام والتفاهم في آسيا»، وتم انعقاد هذا المؤتمر في شهر
مايو– أيار ۱۹۸۹، وشاركت فيه وفود كثيرة يمثل أغلبها مذهب ذوي العاهات، كما عبر
العقاد.
ومن ضمن الوفود وفد يمثل «الكيان الصهيوني» المسمى دولة إسرائيل، يتكون هذا
الوفد من شخصين أحدهما «أميل حبيبي» والآخر يهودي اسمه «ناتان زاخ»، وقد نقلت
جريدة الشرق الأوسط بعض وقائع هذا المؤتمر في عددها ٣٨٣٦ في ٣٠ مايو ١٩٨٩، وهذه هي
بعض أحداث المؤتمر التي تدلنا على كفاح الرفيق «أميلوف حبيبرائيل»!
1- اقترحت بعض الوقود العربية أن يكون من ضمن توصيات المؤتمر
اعتبار الصهيونية حركة عنصرية.
فاعترض «المناضل الثوري والحداثي الكبير!!» أميل حبيبي على هذا الاقتراح،
ودافع وهو– المبدع العربي المتميز!! – عن المناضلين الصهاينة واعتبر هذا الاقتراح
«محاولة لعرقلة السلام الذي ينقذ الأطفال من الموت، السلام الذي تسعى إليه إسرائيل».
وكان زميله «ناتان زاخ» معتصمًا بالسكوت، ومتيحًا لأميل حبيبي القيام بشرف
الدفاع عن الصهيونية ورجالها ودولتها.
2- استبسل الحداثي المرموق «أميل حبيبي» ضد فقرة في البيان الختامي
تدين إدخال الكيان الصهيوني للسلاح النووي في المنطقة.
ولم يجد اليهودي «ناتان زاخ» ما يقوله؛ لأن أميل حبيبي كفاه المؤونة ودافع
عن الصهيونية واليهود أكثر مما لو كان يهوديًا.
3- دعا أميل حبيبي الدول العربية وجميع العرب إلى رفع أيديهم عن
القضية الفلسطينية، وقال بالصوت الصريح: «فلتكفوا أيها العرب عن التدخل في القضية
الفلسطينية».
إسرائيل حقيقة واقعية
4- صرح أميل حبيبي أن «دولة إسرائيل» - حسب تعبيره– تعتبر حقيقة
واقعية لا مفر منها، ونادى بالإقرار بذلك، والتعامل معها على هذا الأساس، وزعم أن
من يقول غير ذلك فسببه الجهل بتاريخ فلسطين وعدم عمقه في فهم القضية!!
5- اشترط الوفد الإسرائيلي «أميل حبيبي وناتان زاخ» على المؤتمر
ألا يتضمن البيان الختامي أدنى إشارة إلى حق الشعب الفلسطيني في العودة، أو إقامة
دولة فلسطينية على أرضه.
وألا يتضمن البيان الختامي كذلك الإشارة إلى الصهيونية على أنها حركة عنصرية.
هذه مواقف أميل حبيبي البطولية وأعماله النضالية!! ليس هذا من باب السخرية؟
ولكنها كلمات المنافحين عنه.
ولكي تتأكد- أيها القارئ العزيز- من ذلك فانظر إلى هذا اللون النضالي الذي
نقله المدافع عن أميل حبيبي في سياق منافحته الفجة، حيث قال نقلًا عن أميل حبيبي:
نضالنا للحصول على الهوية الإسرائيلية
«وقد لا تعلمون أن معركتنا المباشرة بعد النكبة، وبعد قيام دولة
إسرائيل كانت مجرد الحصول على الهوية الإسرائيلية حتى لا نعتبر متسللين- افهموا
عليَّ وصعب أن تفهموا– كانت معركتنا الوطنية الأساسية هي الحصول على الجنسية
الإسرائيلية، وألا نطرد من البلاد، وكنا ننظم الإضرابات والمظاهرات من أجل الحصول
على الجنسية الإسرائيلية»، عكاظ عدد ٨٤٨٨ في ١٠/٤/١٤١٠ هـ.
هذا موقف نضالي عظيم عند المنافح عن أميل حبيبي، بل لقد عد مواقف أميل حبيبي
في عشق آباد وما قبلها من انتماء للحزب الشيوعي وغير ذلك مما ذكرنا، عدها من
الميزات التي لم تتحقق لسواه.
في حين أن الكاتب والصحيفة لم يذكرا مواقف «أحمد ياسين» مثلًا، أو أي من
رجال الانتفاضة المسلمة في فلسطين.
وكأن القضية متأرجحة بين أيدي الشيوعيين والعلمانيين والنصارى واليهود، هذا
هو للأسف عرف الكتاب المتمسلمين الذين أصبح المعروف لديهم منكرًا والمنكر معروفًا،
وهكذا يتصدى «الرويبضة» لأمر العامة، في نهاية المطاف هناك.
سؤال أخير يطرح نفسه: كيف أتيح لهذا المقال وأمثاله أن يتصدر ملحقًا ثقافيًا
أسبوعيًا في صحيفة تصدر من جوار بيت الله الحرام؟! ثم كيف استساغت الصحيفة بعد بعض
المحاورات الامتصاصية أن تغلق النقاش مع هذا الكاتب؟!
سعيد الغامدي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل