; نهاية الحضارات.. عندما تتوحش | مجلة المجتمع

العنوان نهاية الحضارات.. عندما تتوحش

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004

مشاهدات 61

نشر في العدد 1583

نشر في الصفحة 45

السبت 03-يناير-2004

تحسب قوة الأمم الحقيقية وأعمارها وهبوطها، وصعودها، بموازينها الاجتماعية وتقدر حالتها الاجتماعية بعقائدها وخصائصها الإنسانية واخلاقها الشخصية والقومية، فكم من أمة سادت و علت وارتفعت ثم هوت وذهبت وبانت بانحلال عقدها الاجتماعي والأخلاقي والروحي، وإننا لنرى اليوم على كل بقعة من بقاع الأرض آثار الأمم التي سبقتنا، وقد خلفت من أيام حضارتها وتمدنها، وصناعتها، وحذقها، وكمال فنونها وبراعة يدها، ما يدل على أنها لم تكن ذاهلة العقل أو بليدة الفكر، أو ضائقة اليد، ولكنها ضلت طريق الصواب فشرد العقل، وضل الفكر، وبددت الثروة، وتفسخت الأمم، وأنحل المجتمع، وقد صور القرآن كثيرًا من هذه المواقف وبين خسرانها فقال: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: 116). ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (الكهف: 59)
والمتطلع إلى خط الحضارة الغربية اليوم يجدها تمضي في الطريق نفسه، تمضي في تدمير خصائص الإنسان وتحويله إلى ألة من ناحية، وإلى حيوان ووحش من ناحية أخرى وإلى ظلمه وقهره والفتك به، وموالاة الظالمين من ناحية وإلى نهب ثرواته من ناحية أخرى، وتعتمد في ذلك على سلطان العلم في اختراع المهلكات لتكون مخالب توحش، وأنياب افتراس تمزق أجساد الأبرياء وتسفك دماءهم وتفضح أعراضهم، وإذا كان خط الانحطاط الخطر لم يصل إلى نهايته بعد وإذا كانت نتائج هذا الدور التاريخي لم تظهر أثارها ظهورًا كاملًا اليوم فإن الذي يظهر منها حتى الآن بعد أقوى دليل على تلك النهاية المرقوبة.
ويقود هذا المد الخطر، والانحراف الحضاري أمران خواء روحي وعدم تحرر وجداني ثم تضخم للأنا وحب للظلم والافتراس بسبب غرور القوة، وقد ألتقى الأمران وذلك يؤدي حتمًا إلى كارثة، فلا ديانة صحيحة تحكم الضمير وتمسك بالقوة وتزكي الخلق، ولا قانون إنسانيًا أو عالميًا يردع ويمنع الانحراف، يقول محمد أسد الذي أعتنق الإسلام في كتابه الطريق إلى مكة: المهمة الرئيسة لكل دين أن يبين للإنسان لا كيف يحس ويشعر إحساسًا وشعورًا صالحين فقط، بل كيف يحيا حياة صالحة أيضًا، ويشعر الإنسان أن المجتمع الغربي خلال القرون التي مضت قد أنفصل عن المسيحية الحقة وأتبع هواه وشهواته ثم يقول: إن الأسس الفكرية للغرب هي رومانية تعتمد على القوة والمنفعة خالية من روحي، ولهذا فإن الفساد في بنية الحضارة الغربية اليوم ليس ناتجًا من انحراف وإنما هو اعوجاج في نفس البنية الحضارية التي تقوم على المادة وعلى الشهوات وعلى الأثرة والقوة أي وحب استشراف الذات والعنصرية.
ولهذا يقول ألكسيس كاريل إن الحضارة المنحرفة والناس هناك لا يفسدون الغربية هي لأنهم ينحرفون عن الخط الأصيل للحضارة الغربية، ولكن لأنهم على وجه الدقة يسيرون على فسار خطوط تلك الحضارة ويتبعونها بصدق.
كما أن اليهودية المحرفة صاحبها في البنية العقلية والنفسية فصارت اشد خطراً على البشرية وأكثر توحشاً وفتكاً، ولأنها كذلك، فقد تلجا إلى أن يكون لها ظاهر وباطن إن العنصرية في تلك الديانة وتعاليم التوحش فيها لا تبارى تحكي ذلك تعاليم التلمود، فتقول: إن الأميين هم الحمير الذين خلقهم الله ليركبهم شعب الله المختار ويقول التلمود أيضًا: «إذا أدخلك الرب إلهك الأرض التي أنت صائر إليها لترثها وأسلمهم الرب إليك وضربتهم فأبسلهم إبسالًا، لا تقطع معهم عهدًا، ولا تأخذك بهم رأفة ولا تصاهرهم، لأنك شعب مقدس للرب إلهك».
فهل ترى معي أن هذه ديانة تصلح للحياة أو للتعايش مع الناس أم أنها عصابات للترويع والقتل والفساد، ولذلك كرهتهم الشعوب وضربت عليهم الذلة والمسكنة أينما كانوا، وكانوا دائمًا طريدي الشعوب والأمم، وقد ألجاتهم هذه النفس الخبيثة إلى اختراع الأهداف البراقة للخداع والتمويه التستر على حقيقتهم المتوحشة، وإطلاق أفكار ودعاوى هنا وهناك تجمع الناس حولهم وتسخرهم لخدمتهم وعنصريتهم وتنفيذ مخططاتهم وذلك مثل الماسونية التي تدعي عقيدة الأنبياء والمرسلين والقديسين والفلاسفة والصالحين، فيقول محمد رشاد عياض الملقب عندهم بالقطب: «الميمات الثلاث في الموسوية والمسيحية والمحمدية تجتمع في ميم الماسونية لأن الماسونية عقيدة العقائد، وفلسفة الفلسفات، وإن باء البونية، والبرهمية تجتمعان في باء البناء بناء الهيكل للمجتمع الإنساني الصالح».
وواضح أنهم يحبون أن يضعوا طعمًا للجماهير ليقودوهم إلى أغراضهم وليملكوا رقابهم بهذه الشعارات المبهرجة، ولعل أعمالهم اليوم في فلسطين من قتل وخراب واحتلال للأرض والمقدرات تفوق التصور وتظهر مقدار الفساد الذي لا يحترم أي شيء ولا ينفذ أي عهد أو اتفاق إلا ما أشرب من هواه وعقيدته الفاسدة، التي ينفذ تعاليمها ويتبع حروفها ويعيش في جنباتها.
والحقيقة التي لابد أن تقال أن الذي يؤخر نوعًا ما سقوط تلك الحضارات المتوحشة، ويؤخر كذلك تأديب وطرد تلك الديانات الفاسدة المهلكة، هو الضعف المقابل والخنوع المواكب الذي يسيطر على أهل الحق والأمراض التي تنتشر الأمة هنا وهناك، والروح التي وهنت، ولم تنهض للبذل والتضحية والإقدام وتخريج الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه والوحدة التي تقطعت والخلافات التي انتشرت والعمالات التي سادت حتى بلغت إلى القمة ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ﴾ (آل عمران: ١٥٢)، ولعل الأمة ستنتفض اليوم بعد طول عناء لترد هذا التوحش الأهوج ويكون لها العاقبة بعد طول غياب، وما أصدق أبا تمام:
إذا جاريت في خلق دنينًا                             ***                      فأنت ومن تجاريه سواء
رأيت الحر يجتنب المخازي                           ***                     ويحميه عن الغدر الوفاء
وما من شدة إلا سيأتي                            ***                    لها من بعد شدتها رخاء
يصدق الله ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)
وأمتنا لا تعرف اليأس أو القنوط وموعودة بالنصر والسؤدد، وستكون العاقبة للمتقين إن شاء الله ولا عدوان إلا على الظالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 22

119

الثلاثاء 11-أغسطس-1970

الصورة العربية عند الغرب

نشر في العدد 31

124

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

المساواة المطلقة مفهوم خاطئ

نشر في العدد 31

123

الثلاثاء 13-أكتوبر-1970

حضارة أم جاهلية؟