; هام وعاجل إلى رئيس حكومة باكستان | مجلة المجتمع

العنوان هام وعاجل إلى رئيس حكومة باكستان

الكاتب العم عبد الله المطوع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993

مشاهدات 61

نشر في العدد 1046

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 20-أبريل-1993

فخامة رئيس حكومة باكستان

محمد نواز شريف- المحترم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد.

فإن القلق يساور معظم المسلمين حول الإجراءات الأخيرة المفاجئة التي بدأت السلطات الباكستانية في اتخاذها ضد العرب المقيمين في بيشاور، والذين قاموا بدور فعال ومؤثر في خدمة القضية الأفغانية والمجاهدين والمهاجرين الأفغان خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، سواء على المستوى الجهادي أو الإنساني، مما كان له عظيم الأثر في تخفيف العبء عن باكستان حكومةً وشعبًا؛ حيث شارك هؤلاء العرب إخوانهم المجاهدين الأفغان في حماية حدود باكستان الغربية من الزحف الشيوعي الأحمر، وظلوا مرابطين مع الأفغان طوال سنوات الجهاد مشاركةً في هذا الدور الذي حفظ الله به أفغانستان وباكستان من خطر الشيوعية، كما قاموا من خلال أكثر من عشر مؤسسات إسلامية خيرية في تحمل أعباء مساعدة أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر أفغاني، كانوا ولا يزال كثير منهم يقيمون على أرض باكستان لاسيما في المناطق الحدودية؛ مما ساعد في رفع عبء ضخم عن الحكومة الباكستانية، بل أدى إلى انتعاش اقتصادها خلال السنوات الماضية بصورة بارزة، حيث بلغ مجموع ما أنفقته هذه المؤسسات العربية في باكستان خلال السنوات الماضية أكثر من أربعمائة مليون دولار، استفادت باكستان منها استفادة كبيرة؛ فانتعش الاقتصاد الباكستاني، وتوفرت آلاف من فرص العمل للباكستانيين، وانتعشت شركات صناعة الدواء والمستلزمات الطبية؛ حيث كانت المستشفيات التابعة للهيئات الإغاثية الإسلامية تشتري سنويًا كميات من الأدوية بمبالغ كبيرة، كما انتعشت تجارات أخرى كثيرة، كذلك قامت الهيئات الإغاثية الإسلامية ببناء مستشفيات ومدارس ومؤسسات أخرى مختلفة على أرض باكستان، زادت تكلفتها عن مائتي مليون روبية باكستانية، وسوف تؤول خدمات وملكية هذه المشروعات في النهاية إلى باكستان والشعب الباكستاني.

ولكم أن تقدروا حجم هذه الخدمات، وحجم هذا الجهد الذي بذله ويبذله إخوانكم العرب المقيمون في بيشاور، والذي يشاركهم فيه ملايين المسلمين الذين بذلوا من أموالهم لنصرة الشعب الأفغاني في محنته وقضيته؛ حتى مكن الله للمجاهدين بالنصر. وقد جاء هؤلاء العرب حينما جاءوا إلى بلادكم منذ سنوات بمباركة وترحيب من حكومة باكستان التي فتحت أبوابها لكل مسلم وعربي لنصرة الجهاد والمجاهدين، ولم يجد إخوانكم العرب المقيمون على أرض باكستان طوال السنوات الماضية إلا كل ترحيب وتعامل طيب حتى في عهد حكومة بنازير بوتو، وكذلك لم يبدر منهم طوال السنوات الماضية رغم أعدادهم الكبيرة التي وفدت على الساحة أي مخالفات أو أخطاء أو مشاكل، كتلك التي تحدث من الجاليات الوافدة على أقطار أخرى، ولعل أقسام ومحاضر مخافر الشرطة في باكستان تؤكد هذا الأمر؛ بل لم يكن هناك سوى الود والحب المتبادل بين العرب وإخوانهم الباكستانيين سواء كان على المستوى الشعبي أو المستوى الرسمي.

وقد ظل هذا الأمر قائمًا حتى تبدل الحال فجأةً مع الهجمة العالمية الشرسة الأخيرة ضد الإسلاميين والمد الإسلامي على مستوى العالم، وعقدت اجتماعات هنا ولقاءات هناك، وصدرت تصريحات من الشرق والغرب للإيقاع بين الشعوب الإسلامية وحكومات دولها، ولوحظ الضغط الأمريكي على باكستان وتهديداتها المباشرة لها إذا سمحت ببقاء العرب على أراضيها.

وكنا نتوقع ردًا باكستانيًا يحمل عزة المسلم وكرامته، وإكرام الضيف وعدم إهانته، وكيف أن هؤلاء الضيوف قد احترموا البلد الذي استضافتهم، ولم يقوموا بأي شيء يعكر صفو الحياة فيها، بل كان لهم دور يستحق التكريم لا الإهانة؛ إلا أننا فوجئنا بأن الحكومة الباكستانية قد قلبت للعرب المقيمين في بيشاور ظهر المجن في يوم وليلة، وقام البوليس الباكستاني في بيشاور بحملة واسعة النطاق -وبأسلوب يخلو من كل قواعد اللياقة وحسن الضيافة- على المؤسسات العربية والعاملين فيها ومساكن العرب المقيمين في بيشاور، بل من الشوارع، ومن أمام أبواب المساجد، ومن السيارات المارة والعابرة دون أي تفاهم أو تدقيق في الأوراق الثبوتية الرسمية التي يحملونها؛ حتى إن بعض الإخوة العاملين في المؤسسات الإسلامية قد قبض عليهم مع بعض الأطفال، وزج بهم لساعات طويلة في زنازين وغرف ضيقة، حيث عوملوا معاملة المجرمين واللصوص، وقبل التحقيق مع أي منهم أو التأكد من أوراقه الثبوتية تم تصويرهم مثلما يصور المجرمون مع وضع اسم كل منهم على لوحة وضعت على صدره، وعرض بعضهم وهم من الشخصيات المحترمة وأصحاب وظائف وأماكن مرموقة أمام مصوري الصحف الغربية؛ حيث قاموا بتصويرهم، وبعد ذلك يتم استدعاؤهم للتأكد من هوياتهم وأوراقهم الثبوتية، ثم يفرج عنهم بعد التأكد من صحة أوراقهم دون أن يعلموا لماذا تم تصويرهم بهذا الشكل وبهذه الصورة المهينة، وأين ستذهب هذه الصور التي أفادت مصادر عديدة بأنها سوف ترسل إلى أجهزة مخابرات خارجية؛ ليتم عمل ملفات لهؤلاء جميعًا وسط معلومات متضاربة من أن حكومتكم قد قامت بالفعل بالاتصال ببعض الحكومات لتسليمها من شاءت من هؤلاء المقيمين في بلادكم؛ كل هذا لإرضاء الغرب والصهاينة الذين يلعبون لعبة قذرة لن يتضرر منها أحد سوى شعوب الدول الإسلامية.

لقد سببت حكومتكم في صفوف العرب -الذين استفادت منهم بلادكم وحكومتكم استفادة كبيرة- رعبًا وضررًا لا مثيل له؛ فروعتم الآمنين، ومنعتم بالإجراءات التي اتخذتها حكومتكم المسلمين من الذهاب إلى المساجد بعدما أصبحت الشرطة تعتقل العرب من أمام أبواب المساجد دون تحقيق، وقذفتم الرعب في قلوب النساء والأطفال، وأصبحتم تعاملونهم معاملة المجرمين دون أن تنظروا لما قدموا وقدمت الهيئات الإغاثية التي يعملون بها لبلادكم ولحكومتكم من دعم حتى تصل إلى سدة الحكم بدلًا من الحكومة العلمانية التي كانت تحكم البلاد قبل حكومتكم، وأنتم تعلمون قبل غيركم مدى ما حصلتم عليه من دعم من الإسلاميين؛ حتى تواجهوا حكومة بوتو العلمانية في الانتخابات الماضية.

إننا -يا فخامة رئيس حكومة باكستان- نهيب بك ألا تكون من هؤلاء الحكام الذين ينساقون خلف السراب، وينظرون إلى تحقيق رغبات خارجية دون النظر إلى الأهداف البعيدة ودور الشعوب المسلمة وتقديرها لحفظ الجميل للحكام الذين يحترمون إرادة شعوبهم، ويرفضون الانسياق وراء أهداف ومقاصد للغرب حجم ضررها عليهم وعلى شعوبهم أكبر من إفادتها.

إننا ندرك أبعاد اللعبة الدولية، وحرصكم على العلاقات مع كافة الدول، لاسيما بعض الدول التي تمارس ضغوطًا عليكم حتى تقوموا بإخراج العرب الذين عملوا في مجال الإغاثة، أو الذين شاركوا في الجهاد من بلادكم، أو تسليمهم إلى دولهم؛ ومع تقديرنا لهذه الضغوط التي تواجهونها، إلا أنكم تملكون رفضها -إن شئتم- أو على الأقل تقومون بمعاملة هؤلاء الذين أحسنوا ولم يسيئوا معاملة كريمة تليق بالضيف وبحرمة المسلم، مع إعادة تأكيدنا وعلمكم بسجلهم النظيف في ملفاتكم طوال السنوات الماضية، ودورهم المشرف في خدمة بلادكم مع خدمتهم للقضية الأفغانية التي جاءوا لأجلها.

ولا شك أن بإمكانكم رفض كل هذه الضغوط ومواجهتها؛ لتثبتوا للعالم أن حكومتكم حكومة مستقلة ذات سيادة على أرضها، لا تتأثر بين عشية وضحاها بخطط أعداء الإسلام، كما أنكم تعلمون أن كل هؤلاء العرب أو معظمهم يستطيعون بسهولة أن يتحصلوا على حق اللجوء السياسي لأي من الدول الأوروبية؛ لكنهم آثروا -ولا زالوا يؤثرون- العيش في باكستان على اعتبار أنها دولة إسلامية، يستطيعون المحافظة فيها على دينهم، وعلى تنشئة أولادهم تنشئة إسلامية صحيحة بعيدًا عن مظاهر الفساد التي تملأ كثيرًا من الأقطار، ونحن لا نشك بعد ذلك أنكم سوف تصرون على رفض بقائهم في بلادكم، كما أنكم ستراعون حرمة المسلم وعرضه ودمه، كما أننا نأمل منكم أيضًا ما يلي:

أولًا: احترام كيان المؤسسات الإسلامية التي أدت خدمات لأفغانستان وباكستان، ومازالت تقدم، والحفاظ على كرامة العاملين فيها، الذين يقيمون جميعًا بصفة رسمية وبأوراق ثبوتية صادرة من حكومتكم، لاسيما وأن هذه المؤسسات مازالت تعمل على أرضكم بصفة رسمية، ولم يطلب من أي منها إغلاق أبوابه.

ثانيًا: إنهاء حملات التفتيش والترويع، ومداهمة مكاتب الهيئات الإغاثية وبيوت العاملين فيها، أو العرب المقيمين بالأسلوب المهين القائم الآن، والتعامل معهم بأسلوب وأخلاقيات المسلمين في تعاملهم مع ضيوفهم، وعدم إهانتهم وإذلالهم بالصورة القائمة.

ثالثًا: رفض الاستجابة للضغوط الخارجية، وإجارة هؤلاء المطاردين الذين استجاروا ببلادكم؛ فإذا كانت بعض حكومات الدول الغربية غير المسلمة قد عرضت إجارتهم ومنحهم حق اللجوء السياسي لعلمها بأن التهم الموجهة إلى المطاردين منهم ملفقة، فمن الأولى أن تجيروهم، وأنتم دولة إسلامية تعرف حق المسلم وواجبه حتى في إجارة المشرك إن استجاره.

رابعًا: في حالة رفضكم لإجارتهم تتركون لهم مدة كافية لتصفية أعمالهم مع حفظ كرامتهم وحرية اختيارهم للدول التي يودون اللجوء إليها دون تسليمهم إلى الدول التي أعدت أعواد المشانق لهم بضغوط غربية وصهيونية واضحة، ولكن الأحرى بكم كما أسلفنا أن يبقوا ضيوفًا في بلادكم الإسلامية، مع منحهم حق الضيافة وحق اللجوء.

خامسًا: يجب أن تقدروا ردود الفعل من الشعوب الإسلامية، بل وبعض الحكومات الإسلامية التي ساندتكم خلال السنوات الماضية، والتي طالت مؤسسات إغاثية مسجلة باسمها بعض الإهانات، وذلك في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه، ويجب أن تعلموا أنكم بذلك سوف تحجبون كثيرًا من مشاريع الخير والبر التي يسعى كثير من المحسنين العرب لإقامتها في باكستان، وسوف تحرمون الشعب الباكستاني من تعاطف الشعوب الإسلامية معه.

سادسًا: نذكركم أخيرًا بالمكانة التي تركها الرئيس الباكستاني السابق ضياء الحق -رحمه الله- في نفوس الشعوب المسلمة جميعها بمواقفه الإسلامية الطيبة، وعدم رضوخه للضغوط الغربية، مما دفعه إلى تقديم حياته ثمنًا لمواقفه الكريمة؛ فازدادت مكانته لدى المسلمين ولدى الشعب الباكستاني، أما طريق التنازلات والاستجابة للضغوط فأنتم أعلم بمصير أصحابه.

إننا -في الختام- نناشدكم الله أن تعيدوا الأمور إلى نصابها، وأن تردوا للعرب والمسلمين المقيمين على أرضكم اعتبارهم، وأن تحفظوا لهم حرماتهم، وكلنا أمل في استجابتكم، فالحق أحق أن يتبع، وما نملك إلا الذكرى، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وعلى الله قصد السبيل.

اقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :