; هجائية الحب (۷): حرف الخاء: خالل ولدك | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب (۷): حرف الخاء: خالل ولدك

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2011

مشاهدات 63

نشر في العدد 1959

نشر في الصفحة 50

السبت 02-يوليو-2011

 - أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

dr_samiryounos@hotmail.com

من القصص الرمزية ما روي عن رجل كان يسكن في بيت بقرية صغيرة، وكان ببيته جحر تسكنه حية.. كان الرجل فرحًا بالحية مسرورًا لأنها كانت تبيض له كل يوم بيضة، يبيعها في السوق بتمن كبير.

وذات يوم خرجت الحية فتهشت عنزًا حلويًا، فهلكت العنز، وماتت لكنه لما شاهد هو وزوجته ذلك قالا: ما يعود علينا من مال من الحية أكثر بكثير من ثمن العنز، فتركا الحية دون أن يتخذا إجراء ضدها، رغبة في المال الذي تجلبه لهم!!

بعد مرور أيام على هذا الحدث خرجت الحية مرة ثانية ونهشت حمارًا، كان الرجل وأهل بيته يركبونه ويستخدمونه في قضاء حوائجهم، فمات الحمار، وبالطريقة ذاتها فكر الرجل وزوجته، ولم يكترثا بما حدث، بحجة أن المال العائد عليهم من بيضة الحية أكثر بكثير من ثمن الحمار، ثم مر عامان لم تعتد الحية على أحد في بيت الرجل ففرح الرجل وزوجته بالحية ولكنها عادت تمارس عدوانها، حيث زحفت تجاه خادم البيت فنهشته وهو نائم فحزن الرجل وأهل بيته أيامًا، ولكنهم سرعان ما نسوا عدوان الحية، وفتنهم المال الذي تجلبه لهم بعد فترة قصيرة عاودت الحية عدوانها.

و نهشت ابن الرجل، فمات على الفور، فقال الرجل وزوجته: لا خير لنا في جوار هذه الحية ولا بد أن نقتلها، فلما سمعت الحية ذلك هربت من البيت وتغيبت أيامًا، ولكن الرجل وزوجته فتنهم بريق المال الذي انقطع عنهم من أيام فأقبلا على جحر الحية يناديانها: أيتها الحية، رجعي إلينا ولا تضرينا ولن نضرك، فلما سمعت الحية ذلك رجعت، وظلت مسالمة عامين لا تؤذي أحدا.

وذات يوم رأت الحية زوجة الرجل نائمة فتاقت إلى سلوكها العدواني، وزحفت صوب المرأة ونهشتها، فحزن الرجل على زوجته حزنًا شديدًا، وعاش مستوحشًا كئيبًا حزينًا وحيدًا فريدًا، فقرر أن يتخذ إجراء شديدًا حاسمًا مع الحية، وذهب يستشير الحكماء من أهل القرية فأجمعوا على ضرورة قتلها والتخلص منها، فعاد الرجل إلى بيته وكله إصرار وعزم على قتل الحية والتخلص منها.. وبينما هو يرصد تحركاتها ليتمكن من قتلها إذا به ينظر في جحرها فيجد درة ثمينة صافية، فعاد إلى تهمه في حب المال وقرر أن يبقي على الحية، ولا يتعرض لها بسوء بل تعهدها بالرعاية، فكان ينظف جحرها ويرطبه برش الماء، ويعطره بالريحان!! 

وذات ليلة كان الرجل نائمًا، فتاقت الحية الدموية القتالة إلى الفتك به وقتله فزحفت نحوه و نهشته فمات!!

إن كثيرًا منا - نحن الآباء، وكذلك كثير من الأمهات - يتعامل مع أولاده والمال بالمنهجية ذاتها التي استخدمها هذا الرجل وزوجته مع الحية والمال فمغزى هذه القصة الرمزية يجسد إهمال الأب والأم لأولادهما بسبب الركض وراء المال والافتتان به وغير ذلك من متاع الدنيا واللهث خلف الملذات والشهوات والفرح بشراء العقارات أو أسهم الاستثمارات أو ادخار مال بحجة الحرص على مستقبل الأولاد، ولكن ذلك يأتي بالطبع على حساب تربية الأولاد ومصادقتهم، وتقوية العلاقة بين الوالدين والأولاد إن إهمالنا لأولادنا ينفرهم منا، وهو بمثابة السم الذي نسقيه لهم، وكأننا نحن الذين نغرس فيهم عقوقهم لنا لأننا لم نحرص على أن يحبونا من الصفر كي يكرمونا في الكبر، بخلنا بوقتنا عليهم وانشغلنا بالمال فسقيناهم سم العقوق، فلما كبروا صنعوا كما صنعت الحية بأهل البيت فمن عق أولاده في الصغر وأهملهم عقه أولاده في الكبر وأهملوه.

إنني في سياق معالجتي الموضوع ، مخاللة الوالدين للأولاد أجد نفسي في حاجة ملحة إلى الإجابة عن عدة أسئلة مهمة هي: 

معنى المخاللة

المخاللة هي المصادقة، ومنها الخليل أي الصديق والخل بكسر الخاء هو الصديق أيضًا، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي).

ثمرات المخاللة

  1. مصاحبة الأولاد تشعرهم بالأمان: 

إن مصادقتك لأولادك تشعرهم بالأمان وذلك يشجع أولادك على مصارحتك، ومن ثم تكون أنت مصدره الأساسي الذي يعرض عليه أسئلته، وهو أمن، كما يعرض عليك مشكلاته فتساعده على حلولها قبل أن تستفحل وتصعب السيطرة عليها، كما يشجعه ذلك على طرح الأسئلة التي تشبع نهمه وطبيعته في حب الاستكشاف والاستطلاع وخاصة في مرحلة الطفولة، ومن ثم يتري ذلك معارفه وخبراته كما أن هذه المخاللة تمكن الوالدين من رصد سلوك الأولاد وإصلاح اعوجاجه، كما أن ذلك يمكن الوالدين من تحقيق الوقاية لأولادهما التي هي خير من قنطار علاج، لأن الأسرة هي أقوى جهاز مناعي وحسن دفاعي للأولاد ضد أي خطر يهددهم.

التنشئة السوية وتجنب الانحرافات السلوكية: 

فقرب الوالدين من الأولاد له دور كبير في حسن تنشئتهم والبعد بهم عن الانحرافات السلوكية المترتبة على الجفاء بين الوالدين والأولاد، نتيجة قسوة الأب والأم، وعجزهما عن لتفاهم مع أولادهما وفهم طبيعتهم وخصائص نموهم في المراحل العمرية المختلفة.

  1. شيوع الحب الأسري:

فمخاللة الأولاد ومصاحبتهم تولد الحب الأسري، وتثمر أسرة متحابة، يسود بين أفرادها الود والعطف والدفء والرحمة.

روى أنس رضي الله عنه قال: «ما رأيت أحدًا أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم» (رواه مسلم).

  1. انتعاش الحوار الإيجابي المثمر:

فمصاحبة الأب والأم لأولادهما توجد حوارًا بناء، وتحقق التواصل الوجداني والفكري بين أفراد الأسرة، وتتيح للأولاد أن يعبروا عن آرائهم، ويستمتعوا بحرياتهم بعيدا عن جو الخوف والقهر الذي يفرضه الآباء والأمهات التي تسيطر القسوة على تعاملهم مع أولادهم، ولا شك أن أولادنا عندما تصادقهم نقيهم بذلك.

رفاق السوء، ونبصرهم بمعايير اختيار الصديق فيستجيبون لنا لأننا أصدقاؤهم وأحبابهم، كما أنهم يقبلون إرشاداتنا ونصائحنا، لأن الإنسان يطيع من يحب، ومن ثم نستطيع أن تغرس فيهم القيم والأخلاقيات الإيجابية.

كسر الحاجز النفسي:

رأيت أولادًا عندما كانوا يحدثون آباءهم وأمهاتهم كأنما يحدثون جبارين وهؤلاء لن يتوقع لهم أبدًا أن يتربوا تربية سليمة، فالتقرب للأولاد والتعامل معهم برفق يقربهم من الآباء ويجعلهم يسمعون لهم، ويستجيبون لنصائحهم، أما القسوة فلا تولد إلا قرارًا وتفورًا، وحسبك أن تقرأ هذا التوجيه الرباني العظيم للنبي الكريم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩).

معوقات المخاللة

ثمة أمور يجب أن ينتبه إليها الآباء والأمهات، لأنها تعوق الصداقة بينهم وبين الآباء، وتغلق قنوات الاتصال بين الطرفين، ومن أهم هذه المعوقات قسوة الوالدين، واستخدام التوبيخ والسخرية والتهكم، وسوء فهم طبيعة الأولاد وخصائصهم في كل مرحلة عمرية والجهل بثقافة الجيل مما يشعر الأولاد بأن الآباء والأمهات لا يفهمونهم، فإن أردت أن تكسب صديقًا فشاركه اهتماماته، وكن متقنا لثقافته ولغته، ولقد كنت أقرأ سعادة أولادي عندما أحدثهم في اهتماماتهم، أو أشاركهم ألعابهم صغارا وكبارا، فذلك من أهم مفاتيح الحب بينك وبين أولادك.

هل مخاللة الأولاد مطلوبة من كلا الوالدين بدرجة متساوية؟

الأصل في مخاللة الأولاد أنها مسؤولية الأب والأم معًا، ولكن ظروفا معينة قد تفرض أن يكون نصيب الأب أكبر أو العكس، فالأم تقضي مع الأولاد فترة زمنية أطول لانشغال الأب، ومن ثم فهنا يكون نصيبها أكبر، وفي مرحلة المراهقة يكون الابن أحوج إلى الأب لاتفاق طبيعتهما كذكرين وفي الوقت ذاته ينبغي أن يكون نصيب الأم أكبر في الاقتراب من البنت ومصادقتها.

هل للمراهق خصوصية في مخاللته؟

المراهقون يحتاجون إلى معاملة خاصة التوطيد الصداقة بينهم وبين الوالدين ولكي تترعرع هذه الصداقة ينبغي أن ينتبه الآباء والأمهات إلى أن المراهق يتسم بشخصية لها صفات الكبار والأطفال في آن واحد، ومن صفاته التمرد، ومن هنا كانت صعوبة التعامل مع المراهق فقارب النجاة من عواصف المراهقة وأمواجها يكمن في مصاحبتهم بمودة ورفق، وكثرة الإنصات لهم، والتحاور معهم بهدوء، وتقديرهم واحترامهم، وتفهم طبيعتهم.

كيف نخالل أولادنا بحب؟

ثمة عدة ممارسات تربوية عملية تمكنك من كسب قلب أولادك وحبهم، وإقامة علاقة صداقة طيبة وقوية بينك وبينهم، وتكمن هذه الممارسات في عشرين نصيحة تربوية هي:

  1. كن قدوة مع أولادك، وخاصة في الصدق وتنفيذ وعودك وعهودك معهم.
  2. أعلن عن حبك لهم ولزوجتك، واملا جو بيتك بالحب والدفء الأسري.
  3. استمع إليهم جيدًا، ولا تفرض عليهم رأيك قسرا، وإنما ناقشهم في هدوء واعتمد على الإقناع.
  4. بث الثقة لديهم بأنفسهم، وأعلمهم أنك تثق بهم، وشجعهم على ما بذلوه من مجهود وليس على إنجازاتهم فقط كما تعودنا نحن الآباء، واحتفل دائمًا بإنجازاتهم.
  5. أفرد لهم وقتًا تجلس فيه معهم جماعيًا بشكل دوري مرة في الأسبوع (لمدة ساعتين على الأقل)، وخصص لكل منهم لقاء بمفرده، تحدث معه في أموره واهتماماته، وأشعره باهتمامك به وحيدا أن تتناول معه وجبة غذائية في مطعم أو ناد وأنت تحكي معه، واعدل بين أولادك في ذلك واحذر إثارة الغيرة بينهم.
  6. نم هواياتهم، وساعدهم على تطوير ذواتهم، وشاركهم في القراءة والرياضة والألعاب. 
  7. حدثهم عن طفولتهم ومواقف سارة وطريقة في حياتهم، وذكرهم بأشياء تعلمتها منهم.
  8. احرص على أن تعلمهم أمور دينهم وعقيدتهم، وتغرس فيهم القيم الأخلاقية العظيمة، وأشركهم في بعض الأعمال الخيرية وأظهر اعتزازك بأنك أب لهم وأنهم أبناؤك.
  9. امنحهم حرية كافية، وأتح لهم فرصة اتخاذ القرارات بعد أن تدربهم على ذلك.
  10. اعرف جداولهم الدراسية واحفظها، ثم اسألهم عند عودتهم من المدرسة عن أحوالهم. وزرهم في المدرسة واسع لقضاء حوائجهم وحل مشكلاتهم والتواصل مع معلميهم وإدارة مدرستهم لتشعرهم بالاهتمام بأمورهم.
  11. اربطهم بمحيط عائلتك وذوي الأرحام، فذلك يورثهم الحب العائلي والأسري.
  12. عندما يحدثك طفلك ركز معه، وانتبه إليه، واهتم به، وانظر في عينيه بحب ورفق وعطف، ولا تنشغل بأمر آخر لأن ذلك يحبطه وينفره منك.
  13. تعود دائمًا أن تكتب لهم في ورقة صغيرة تضعها في حقيبة من تكتب إليه - أو من خلال رسالة على الهاتف أو البريد الإليكتروني - كلمة حب أو شكر.
  14. عندما يرسم الطفل شيئًا أو يكتبه بخط جميل ضع عمله في مكان خاص في البيت، وأبرز اعتزازك وافتخارك به. 
  15. لا تتصرف مع أولادك بالطريقة التي كان والدك يستخدمها معك دون تنقية للأخطاء، بحجة أنك تربيت بهذا الأسلوب، فإن أبناءنا خلقوا الزمان غير زماننا.
  16. احرص على أن يكون خطابك إيجابيًا مع أولادك وتجنب الخطاب السلبي، فمثلا لا تقل لابنك أنت فعلت هذا بطريقة خطأ، ولكن بدلًا من ذلك قل له: لماذا لم تفعل ذلك بطريقة كذا لتعلمه الصواب دون أن تشعره بالإحباط والدونية. 
  17. ابتكر كلمة سر أو علامة أو إشارة أو إيماءة تبرز بها حبك لولدك.
  18. لا تلجأ إلى عقاب أولادك إلا بعد استنفاذ كل وسائل الترغيب والتواب، وحينها يجب أن تراعي أسس استخدام الثواب والعقاب.
  19. احضن أولادك وقبلهم وأعلن لهم عن حبك لهم دائمًا.
  20. آدم العفو والصفح ولا تبالغ في الضغط علي أولادك، وحاول أن تنسى أخطاءهم واجعل يومك معهم دائمًا جديدًا.
الرابط المختصر :