; هجائية الحب (11) «حرف الزاي».. زدهم حبًّا | مجلة المجتمع

العنوان هجائية الحب (11) «حرف الزاي».. زدهم حبًّا

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1963

نشر في الصفحة 40

السبت 30-يوليو-2011

روي أن معاوية دخلته موجدة - أي غضب على ابنه يزيد - فارقه ذلك ليلتها، فلما أصبح بعث إلى الأحنف بن قيس، فأتاه، فلما دخل عليه قال له: يا أبا بحر، كيف رضاك على ولدك ؟ وما تقول في الولد ؟ يقول الأحنف: فقلت في نفسي ما سألني أمير المؤمنين عن هذه إلا لموجدة دخلته على يزيد، فقلت: يا أمير المؤمنين، هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ذليلة وسماء ظليلة، وبهم نصول إلى كل جليلة، فإن غضبوا يا أمير المؤمنين فأرضهم، وإن طلبوا فأعطهم، يمنحوك ودهم، ويحبوك جهدهم

ولا تكن عليهم ثقيلا فيتمنوا موتك ويكرهوا قربك، ويملوا حياتك، فقال معاوية: لله درك يا أحنف والله لقد بعثت إليك وإني أشد الناس موجدة على يزيد، فلقد سللت سخيمة قلبي ثم نادى معاوية غلامه فقال: يا غلام اذهب إلى يزيد فقل: إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام، وقد أمر لك بمئتي ألف ومنتي ثوب، فابعث من يقبض ذلك، فأتاه الرسول فأخبره، فقال: من عند أمير المؤمنين؟

 قال الأحنف، فبعث رسولاً ياتيه بالمال ورسولاً يأتيه بالأحنف إذا خرج من عند أمير المؤمنين، فأتاه الأحنف وأتاه المال. فقال: يا أبا بحر كيف كان رضى أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه الكلام الذي كلم به معاوية، فقال لا جرم الأقاسمنك الجائزة، فأمر له بمئة ألف ومئة كوب ابن أبي الدنيا كتاب العيال ۳۰۹، والدينوري المجالسة وجواهر العلم ٣ / ٤٨٤). وذكر الثعالبي في ثمار القلوب» دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه تفاحة القلب. فقال: انبذها عنك، فإنهن يلدن الأعداء ويقرين البعداء، ويورثن الضغائن قال: لا تقل هذا يا عمرو، فوالله ما مرض المرضى، ولا تدب الموتى، ولا أعان على الأحزان إلا هن، وإنك لواجد حالاً قد نفعه بنو أخته فقال عمروا ما أراك يا أمير المؤمنين إلا وقد حببتهن إلي بعد بغضي لهن. ( الثعالبي ثمار القلوب، ١ / ٣٤١). إن أولادنا منح ربانية وهبات إلهية. قال تعالى: ﴿ والله مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ مَن يَشَاءَ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قدير﴾ (الشورى).

وحب الأولاد فطرة إنسانية، وطبيعة بشرية وواجب شرعي أوجبه الله على الآباء والأمهات نحو أبنائهم وبناتهم ، لذا كان من الدعاء القرآني لعباد الرحمن، ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان).

ولله در الشاعر حيث يقول: 

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم 

لامتنعت عيني عن الغمض

أحب أولادك يحبوك

إن حب الآباء والأمهات لأولادهم والعطف عليهم من شانه أن يثمر حباً في قلوب الأولاد لإبائهم وأمهاتهم، ويجعل الأبناء بررة بآبائهم وأمهاتهم، والقسوة على الأولاد والجفاء والغلظة تولد نفوراً وعقوقاً وبعداً. فليعلم الآباء هذه الحقيقة، ليحبوا أولادهم كي يبروهم ويحبوهم ويعيش البيت كله سعيداً يملؤه الحب والمودة والرحمة

آباء في سماء الحب

روى النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن شداد قال بينما رسول الله يصلي بالناس إذ جاءه الحسين، فركب عنقه وهو ساجد فأطال السجود بين الناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر فلما قضى صلاته سألوه عن ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته .

وروى البخاري في صحيحه عن أبي قتادة ة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فاتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه .. وكتب إبراهيم بن داحة إلى أحد أبويه: "جعلني الله فداءك، فكتب إليه، لا تكتب بمثل هذا، فأنت على يومي أصبر مني على يومك يقصد أن ابنه أقدر منه على الصبر يوم أن يفقد أباه" الراغب الأصفهاني محاضرات الأدباء، ١ / ١٤٦).

وورد عن محمد بن المنكدر أنه قال لولده والله يا بني إني لأزيد في صلاتي ابتغاء صلاحك..

وقد عبر الرياشي بعاطفة صادقة عن حب الوالد لولده فانشد.

ولدي وأنت على الزما

ن لي السراج النير

لك من حناني ما يضيق

الوصف عنه ويقصر

ولدي وهل شيء أعز

علي منك وأكثر

يصفو الزمان إذا ابتسمت

بناظري ويثمر

وإذا شكوت فكل ما

حولي جديب مقفر

رجال عقوا أولادهم !

إن بعض الآباء لا يعرف في معاملاته لأولاده إلا الشدة والقسوة والغلظة، ويحسب أن في ذلك أفضل الأساليب في التربية، فإذا دخل بيته قام الجالس، واعتدل ،القاعد، واستيقظ النائم وسكت المتكلم، وقطب الباسم، ولا يعرف لغة للتفاهم إلا السوط والعصا فمثل هذا الأب لا ينتظر من أولاده إلا الجفاء والنفور والعقوق جاء رجل إلى عمر بن الخطاب الله يشكو إليه عقوق ولده، فأمر عمر بإحضار الولد، وأنب عمر الولد لعقوقه لأبيه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه، ويعلمه الكتاب - أي القرآن - قال الولد: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئا من ذلك، أما أمي فهي زنجية كانت لمجوسي وقد سماني جعلا، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً، فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت تشكو عقوق ابنك وقد عققته من قبل أن يعقك وأسأت إليه من قبل أن يسيء إليك.

وروى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله كان عنده رجل اسمه الأقرع بن حابس، وكان شديداً وفيه قسوة، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن والحسين فقال: تقبلون أولادكم؟ والله إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت أحداً منهم، فغضب النبي : وقال : وما أملك لك إن نزعت الرحمة من قلبك ؟! إن بعض الآباء إن سألت أحدهم كم مرة قلت لولدك إني أحبك ؟ لفتح فاه مندهشاً مما تقول برغم أن رسول الله ما علمنا أن نعلن عن الحب فعن حبيب بن أبي سبيعة الضبعي عن الحارث أن رجلا كان عند النبي ، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله إني أحبه في الله فقال رسول الله أوما أعلمته ذلك؟ قال: لا، قال: فاذهب إليه فأعلمه، فذهب إليه فقال: إني أحبك في الله قال: أحبك الذي أحببتني له (أخرجه النسائي). فإذا كان هذا مع من لم تربطك به صلة رحم خاصة فما بالك بأولادك وأفلاذ أكبادك ؟! إنهم أولى الناس بإعلان حبنا لهم. 

حب الأبناء والتربية الوجدانية

تؤكد الدراسات التربوية أن الأولاد الذين ينشؤون في بيوت تقوم على الحب ويحبهم آباؤهم وأمهاتهم يتمتعون بصحة نفسية جيدة كما أنهم يتصفون بعدة صفات، أهمها الثقة بالنفس، والقدرة على الإنجاز، والتفوق الدراسي والاستقلالية، وتكوين علاقات إيجابية مع الآخرين.. وغير ذلك من السمات المحمودة ويشير التربويون إلى أن التربية الوجدانية هي الغاية المستهدفة والثمرة المبتغاة من العملية التربوية، فتربية الوجدان هي تهذيب للنفس وترقية للمشاعر وسمو بالأخلاق، ومن هنا وجب على الآباء أن يعيدوا النظر في تعاملاتهم مع  أولادهم وتربيتهم لهم، فما أحوجنا إلى أن نربي بالحب.

لا تكن نرجسيًا منانًا

لقد أثبت القرآن الكريم السلوك النرجسي الفرعون نحو موسى عليه السلام الذي تربى في بيت فرعون، قال تعالى: ﴿ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِين وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِين ). (الشعراء : 18-19)

ففرعون هنا استخدم كشف الحساب والمن والأذى وما أكثر الأمهات والآباء الذين يستخدمون هذا الأسلوب الفرعوني النرجسي الأناني المتصف بالمن والأذى، فيقول الواحد منهم لابنه : ألا تذكر ما صنعته لك؟ ألا تذكركم أعطيتك من مال ؟ وما وفرته لك من كذا وكذا؟ لقد ضيعت نفسي من أجلك، وحرمت نفسي وأعطيتك، واحسرتاه عليك ! يا لخسارتي فيك ! 

قصة حب مؤثرة

حكى الشيخ خالد الخليوي موقفاً شاهده يجسد قصة حب مؤثرة لوالد أحب ابنته؛ حيث قال: إنه كان يذهب لإحضار ابنته من مدرستها المتوسطة، فشاهد أنماطاً مختلفة من الآباء في تعاملاتهم مع بناتهم، منها ما هو مزعج، ومنها ما هو مريح سار، فكان من هؤلاء أب كأنه حديقة مليئة بالحب والحنان والعطف والأمان.. شاهده ينتظر ابنته على شوق وكأنه لم يرها من سنوات وما إن تخرج البنت إلا ويقبل عليها أبوها، فيأخذ منها حقيبتها ، ويضع يده على كتفها كالصديقين، ثم يسيران إلى سيارتهما. ولقد قارن الشيخ خالد بين هذا النموذج الأبوي وبين نماذج أخرى على المسرح نفسه على باب المدرسة».. أحد الآباء ينتظر في السيارة حتى مجيء ابنته إليه والثاني ينتظر ابنته حتى إذا ما رآها سار مباشرة على سيارته، لتتبعه هي وكأنها دابة - وليست ابنته - تسير خلف صاحبها وثالث ينتابك الشك أن هذه البنت ابنته لشدة جفائه، فلا يبتسم في وجهها ولا يبش عند قدومها، بل ولا يسلم عليها عند اقترابها .. ورابع يوبخ ابنته ويصب عليها الشتائم صباً؛ لأنها تأخرت دقائق ربما لظروف خارجة عن إرادتها، فيسيء إليها ويجرح مشاعرها دون أن يتبين السبب، بل إنك ترى بنتا تقف وحيدة كاليتيمة التي لا والد لها، وأخرى يأتيها السائق فلا محرم ينتظرها، وتركت للسائق وربما لم يكن مسلما، وقد يتجرأ عليها !

إن النموذج الأبوي الإيجابي الذي ذكره الشيخ خالد في بداية هذه الأنماط صاحب قلب كبير رحيم يحوط ابنته بسياج من العاطفة الصادقة والحنان الفياض . فما أحوجنا إلى هذا النمط الحنون من الأبوة إنه نموذج فهم التربية ومارسها على حقيقتها، فاهتم بالتربية الوجدانية، وتنمية الروح وترقية الفؤاد فتجاوز عطاؤه حدود الطعام والشراب والكساء واهتم بتربية الوجدان، ومن ثم فإن هذه البنت لن تجد فراغاً عاطفياً تحاول بسببه البحث عمن يملؤه لها، حتى وإن كان عبر تواصل غير مشروع.. إن أباها استطاع أن يحقق لها سعادة النفس، واستقرار القلب، وطمأنينة الروح ؛ التي بها تستقر نفسياً ؛ حتى يرزقها الله زوجاً صالحا.

ما أكثر الظالمين لأبنائهم وبناتهم هؤلاء الذين حرموهم من أدنى عبارات الحب والعطف والحنان. فكم مرة - أيها الأب القاريء - قلت لابنتك يا حبيبتي يا بنيتي، يا عمري يا جميلة، يا قرة عيني، يا فلذة كبدي، يا عسولتي يا كتكوتتي ..؟

وبعضهم يؤذي أولاده بكلمات مثل: يا غبي يا فاشل يا زفت يا متخلف يا قليل الحياء . وغير ذلك من الكلمات التي تفيض قبحاً، ومع ذلك فهي تجري على السنة كثير من الآباء والأمهات وكثيراً ما يقولونها لأولادهم في حضور الآخرين فتجرح مشاعرهم، وتؤذي أحاسيسهم وإن مما يدعو إلى العجب العجاب أن يأتي إليك الأب القاسي ويشكو ابنته أو ابنه لأنه فاشل دراسيا أو لأنه غامض، أو لإصراره على رفاق السوء، أو منحرف، برغم أنه وفر لهما كل كماليات الحياة وما قصر معهم : أجل أيها الأب الواهم، لقد وفرت لهم الطعام والشراب والكساء والألعاب والقنوات المدمرة للأخلاق، ولكنك نسيت أن توفر له ما يحتاج إليه كل إنسان، وخاصة الأولاد، ألا وهو الحب والعطف والحنان

ماذا بك - أيها الأب - قد نزعت من قلبك الرحمة؟! أوما تأملت قول النبي صلى الله عليه وسلم للأقرع بن حابس الذي عنده عشرة من الأولاد ما قبل واحداً منهم، لقد قال له نبينا الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه: « وما أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك» ؟ !


الرابط المختصر :