العنوان هجمات الدار البيضاء: قراءة في الخلفيات والنتائج
الكاتب رشيدة طوبال
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 73
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 40
السبت 31-مايو-2003
لا يمكن فهم ما وراء تفجيرات الدار البيضاء بالمغرب دون الرجوع إلى ملفين مهمين، يتعلق أولهما بالعلاقة بين الحكم المغربي والتيار الإسلامي بصفة عامة، ويتعلق الثاني بمظاهر الفساد وانتشار البطالة والرشوة، إضافة إلى أبعاد دولية أخرى تتعلق بالحملة الأمريكية على الإرهاب والسعي لتشكيل تحالف دولي ضد التنظيمات الإسلامية التي تهدد المصالح الأمريكية في العالم.
توصف العلاقة بين النظام الملكي المغربي والتيار الإسلامي الجهادي ممثلًا في العديد من المغاربة الذين شاركوا في حروب أفغانستان والبوسنة والشيشان بأنها متوترة، مما أدى إلى بروز فتاوى وأحكام وأراء تعارض أشكال الحكم المغربي وتدعو إلى إقامة نظام إسلامي أكثر عدلًا، وصعد هذا التيار خلافه مع الحكم المغربي عبر المساجد وأشرطة الكاسيت، وأخيرًا الإنترنت، مطالبًا بحكم إسلامي وعدم موالاة الغرب والقضاء على الفساد، مستعملًا خطابًا دينيًا حادًا في بعض المناسبات ساعيًا للضغط على الحكم وتحقيق مكاسب أكبر.. وعلى الجانب الآخر، حاول النظام التضييق على هذا التيار والوعد بإصلاحات جذرية تنعش الساحة السياسية من حيث تعدد الأحزاب والديمقراطية، وبالفعل فقد انفتح النظام تجاه القوى السياسية والثقافية المختلفة بما فيها التيار الإسلامي المعتدل الذي دخل الإنتخابات البرلمانية وحقق نجاحًا كبيرًا، غير أن اتجاهًا آخر في السلطة ظل يحرض المؤسسة الملكية ضد التيار الإسلامي عمومًا، ويرى أن الوقت قد حان لمواجهته كيلا تتكرر تجربة الجزائر في المغرب بطبعة ثانية، ومن الطبيعي أن تصب تفجيرات الدار البيضاء الأخيرة لصالح تقوية هذا الجناح في السلطة، وقد لوحظ هذا التوجه عبر صحف مغربية تدعو إلى محاربة التطرف والجماعات الإسلامية المتطرفة.
وإذا نظرنا إلى الأمور من هذه الزاوية وأضفنا حجم الضغوط الأمريكية لمحاربة ما تسميه بالإرهاب، تتوقع المزيد من الإجراءات الأمنية المشددة، وهو ما يعطل في المحصلة النهائية مسار الإصلاح السياسي والإجتماعي، ويخلق نوعًا من الإحتقان بين السلطة والتيار الإسلامي بصفة عامة.
لكن على الجانب الآخر، هناك وجهات نظر متفائلة ترى أن هذه التفجيرات قد تسرع التوجه نحو الإصلاحات الحقيقية والإنفتاح السياسي على التيار الإسلامي ومحاورته، بل إشراكه في الحكم تفاديًا توتر أمني قد تعجل به حالة الإنسداد السياسي بين الطرفين.
أما الملف الثاني فيتعلق بحالات الفقر المنتشر في المغرب وانتشار البطالة حتى بين أصحاب الكفاءات العلمية وخريجي الجامعات، وتؤكد السلطات الأمنية المغربية أن حركة السلفية الجهادية، تتغلغل في الأحياء السكنية الشعبية الفقيرة، وتقترب من ذوي الحاجة وتمدهم بالمساعدات المادية لجلبهم إلى دوائر المتعاطين معها، مما يدل على غياب العدالة الاجتماعية بين المواطنين، وهو الملف الذي أثارته حساسيات سياسية وثقافية مغربية من خلال المطالبة السلمية بإرساء قواعد عدالة اجتماعية بين جميع المواطنين.
ولا يستبعد مراقبون للشأن المغربي أن تفتح هجمات الدار البيضاء المجال أمام الحكومة لمزيد من الضغط على الجماعات الإسلامية سواء المعتدلة مثل حزب العدالة والتنمية الممثل في البرلمان، أو المطاردة مثل جماعة العدل والإحسان، كما أنها قد تشكل ذريعة للحكومة لكي تحصل على مصادقة البرلمان على قانون مكافحة الإرهاب الذي صادق عليه المجلس الحكومي برئاسة الملك محمد السادس بتاريخ ۱۳ يناير ۲۰۰۱م، يقر هذا القانون الذي تعارضه هيئات سياسية وحقوقية مغربية عدة براءات جديدة منها :
- رفع مدة الحراسة النظرية« الحبس الإحتياطي»، إلى ١٤٤ ساعة قابلة للتمديد.
- منع المشتبه به في الإتصال بمحاميه.
- القيام بإجراءات التفتيش والحجز والمعاينة خارج الأوقات العادية.
- إباحة التنصت على المكالمات الهاتفية والإتصالات.
وهي إجراءات تعسفية دعت شبكة وطنية مغربية إلى سحبها من القانون.
ويبقى السؤال قائمًا: هل سيدخل المغرب - على غرار الجزائر - في صراع دموي مع الجماعات الجهادية، أم أنه سينتفع من التجربة الجزائرية ويتفادى وقوعها؟