العنوان هجمة جديدة على أفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998
مشاهدات 72
نشر في العدد 1294
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 31-مارس-1998
في الأسبوع الماضي زار يوحنا بولس الثاني بابا الفاتيكان دولة نيجيريا، كما بدأ الرئيس الأمريكي بيل كلينتون جولة في ست دول إفريقية هي: غانا وأوغندا ورواندا، وجنوب إفريقيا، وبتسوانا والسنغال، واجتمع في مدينة عنتيبي الأوغندية مع مسؤولي ثماني دول من وسط وشرق إفريقيا هي أوغندا، وكينيا، وتنزانيا، ورواندا والكونغو الديمقراطية، وإريتريا، وزيمبابوي، وأثيوبيا.
في أسبوع واحد تواصل الغرب بشقيه السياسي والتنصيري مع أكثر من نصف سكان القارة الإفريقية، ومع أهم مراكزها السياسية في غرب القارة وشرقها وجنوبها وللزيارتين مغازٍ ومعانٍ كثيرة.
فنيجيريا التي زارها «بابا الفاتيكان»، هي أكبر دول القارة المنتجة للبترول، وهي أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان الذين يقدرون بتسعين مليون نسمة معظمهم من المسلمين، ورغم أن نسبة الكاثوليك المنتمين إلى الفاتيكان لا تتجاوز ١٠% من السكان، فقد أُعد لبابا روما استقبال، حاشد شارك فيه مليونًا شخص، وكان من اللافت للنظر والاستغراب معًا أن عددًا كبيرًا من الحضور من المسلمين.
وتحظى إفريقيا باهتمام خاص من حملات التنصير التي تقودها الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الطوائف النصرانية... ويقدر عدد المنصرين الكاثوليك في العالم بمليوني شخص يعمل عدد ضخم منهم في إفريقيا، وفي القارة المنكوبة قرابة ١٥ ألف معهد لاهوتي وأكثر من ٢٠ ألف مدرسة ودار حضانة تابعة للكنيسة، وأعداد ضخمة من الصحف والمجلات والإذاعات التنصيرية، وفي إفريقيا على وجه الخصوص يتم تطويع إمكانات الدول ومقدراتها لخدمة التنصير عبر مؤسسات مثل: المؤسسة الإفريقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومركز الدراسات لتطوير الكوادر للتنمية، ومثل هذه المؤسسات هي التي تصنع الزعامات الإفريقية بعد أن تكون قد تربت على أيدي المنصرين. وتدفعها لتولي أهم المناصب.
ولذا نجد أن إفريقيا تنفرد بوضع مؤلم، إذ نجد أن دولًا تصل نسبة المسلمين في بعضها إلى 90% ومع ذلك يحكمها رؤساء من النصارى ويتولى غير المسلمين فيها أهم المناصب الحكومية.
وتمثل زيارات بابا روما دفعة معنوية لأتباعه الذين يعملون في مختلف أنحاء العالم، ومن المعروف أنه رغم كبر سنه وضعف حالته الصحية لا يكف عن السفر، وقد قام بأكثر من ثمانين رحلة خارج الفاتيكان منذ توليه منصبه عام ١٩٧٩م.
وقد رُصدت للنشاط التنصيري مئات المليارات من الدولارات، وهذه الأموال تستخدم لتشغيل ملايين المنصرين وآلاف المحطات الإذاعية والتليفزيونية، وطباعة مئات الملايين من الكتب التنصيرية، ونرجو ألا يرى القارئ في هذه الأرقام الهائلة أية مبالغة، فقد سبق أن نشرتها المجتمع نقلًا عن وثائقهم، فالأمر جد خطير والهجمة شرسة، وإذا كان العديد من اللجان الخيرية الإسلامية قد هب لمواجهة الهجوم التنصيري على إفريقيا فإن عملها يظل في حاجة مستمرة إلى الدعم والمساندة لتكون على مستوى التحدي التنصيري الضخم في إفريقيا.
وعلى الجانب الآخر تمثل زيارة الرئيس الأمريكي لإفريقيا تدشينًا لبداية حقبة جديدة في تاريخ القارة، حقبة النفوذ الأمريكي الذي استطاع إقصاء فرنسا من مواقع نفوذ تاريخية عديدة كانت تسيطر عليها.
وقبل هذه التحولات الأخيرة في القارة لم يكن لإفريقيا وزن كبير في السياسة الأمريكية حتى أن آخر زيارة قام بها رئيس أمريكي لدولة إفريقية جنوب الصحراء كانت عام ١٩٨٠م.
تصريحات كلينتون لا تخفي الأهداف الأمريكية في إفريقيا فهو يقول: «إنه آن الأوان لوضع إفريقيا جديدة على خارطتنا» ودعا لأن تحل التجارة محل المساعدات.
كلينتون لا يعد بتقديم أي دعم مادي لإفريقيا المستنزفة التي استُعبد خيرة أبنائها في أمريكا، ولكنه يطلب من الإفريقيين أن يمكنوا المستثمرين الأمريكيين من وضع أيديهم على موارد إفريقيا الطبيعية التي لازالت هائلة رغم كل ما ابتليت به القارة من عمليات السلب والنهب على يد المستعمر الغربي، وفي المقابل تقوم امريكا بتصدير منتجاتها – غالية الثمن – إلى إفريقيا.
لقد تجاوزت الصادرات الأمريكية لإفريقيا عام ١٩٩٦م ستة مليارات من الدولارات، وهي تنمو بمعدل يقترب من ٢٠% سنويًّا، وهي تزيد عن صادرات أمريكا لجميع دول الاتحاد السوفييتي السابق.
ورغم شعارات الديمقراطية التي ترفعها الولايات المتحدة، فإن كلينتون يجول إفريقيا بحثًا عن الشراكة مع نظم لا تحمل سجلًا مشرفًا في مجال الحكم أو احترام حقوق الإنسان، وبعض من صافحهم كلينتون استولوا على السلطة بالقوة، أو مارسوا كل أنواع التزوير للبقاء في السلطة،
وبعضهم ارتكب جرائم يندى لها الجبين.
ومما يبعث على القلق أن دول وسط وشرق إفريقيا التي التقى كلينتون زعماءها لا تحمل ودًا للشمال العربي الإفريقي وبخاصة السودان التي تعتبر رأس الجسر العربي إلى إفريقيا، وتثور المخاوف من أن مثل هذه اللقاءات تشهد طبخات يجري إعدادها لضرب الأمن القومي العربي في إفريقيا.
لقد ارتبطت إفريقيا في فترات طويلة من تاريخها بالجار العربي، ومنه عرفت الإسلام واعتنقته، ورفعت رايته، وإذا كان المستعمر الغربي قد قطع في فترات سابقة هذه الروابط والوشائج فإن عودتها اليوم إلى سابق عهدها أصبحت ضرورة اقتصادية، فضلًا عن كونها واجبًا دينيًا وحاجة أمنية، ومطلبًا سياسيًّا.