; هدايا رمضان | مجلة المجتمع

العنوان هدايا رمضان

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 23-سبتمبر-2006

مشاهدات 68

نشر في العدد 1720

نشر في الصفحة 52

السبت 23-سبتمبر-2006

 

«من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»

تجارب رمضانية لمجموعة من السيدات يشرحن فيها كيف انتقلن من حال اللهو وتضييع أيام وليالي رمضان إلى استثمار كل دقيقة في الذكر والصلاة وتلاوة القرآن وصلة الأرحام

من أهم الأحداث في شهر الخير نزول القرآن الكريم.. فهو ينزل على القلوب فتكون حياتها كما تشتاق الأرض لنزول المطر لتحيا

كنا جميعنا منشغلات بتعليق الزينة بالمسجد ابتهاجًا بقدوم شهر رمضان المبارك مما جعلنا نغفل عنها، فقد انزوت في جانب بعيد وانشغلت بهموم تعتصرها فاكتسى وجهها بكسوة باهتة شاحبة، ولم يمنعها ذلك من أن تترك العنان لأذانها لتنصت إلى ما نقول، فقد كانت إحدى الأخوات تؤكد أن الله لم يخلق الكون عبثًا فقد نظم كل شيء وتدخل في كل أمر، ومن هذه الأمور والتي بوركت بتنظيم المولى هو الزمن فقد قسمه سبحانه لسنوات والسنة إلى شهور والشهور إلى أيام، فانبرت إحدى الأخوات قائلة: فما دمنا نحتفل بشهر رمضان فكيف كان تقسيم الله للشهور؟ أمسكت أختنا بمجموعة من الأوراق المزركشة الملونة ونظرت إلينا قائلة: نعم، فقد حددها سبحانه باثني عشر شهرًا.

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ (التوبة: ٣٦).

وبالطبع كان هذا التحديد في غاية الأهمية حيث جعل سبحانه بعضها أشهرًا حرمًا. جعل لها قوانين خاصة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ (المائدة: ٢)، وقد اختار سبحانه أشهرًا حددها وعينها وشرفها بالحج. 

﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (البقرة: ۱۹۷)، وحدد للنساء قوانين ربانية ولم يجعل البشر فيها تدخل سوى أن يبلغها لنا الرسول ﷺ وكان للأشهر الفضل في تحليل الله للحلال وتحريمه للحرام. ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٢٦).

وفي عدة الوفاة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (البقرة: ٢٣٤).

وفي عدة المطلقة التي لا تحيض...

﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (الطلاق: ٤) حتى في إرضاع الطفل لم يتركه للأهواء.

﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (الأحقاف: ١٥).

وأظهر لنا سبحانه عظيم تكريمه لليلة واحدة وجعلها برحمته خيرًا من ألف شهر. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: ۳)، واختص أحد تلك الشهور الاثني عشر بصيام واختاره لنزول القرآن. 

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ۱۸٥)، وقد فرض سبحانه علينا صومه وكان الأمر واضحًا. 

﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: 185).

فطرة إسلامية

فقالت إحدى الأخوات: والحمد لله فما زلنا في هذا الشهر الكريم نتمتع إلى حد كبير بفطرتنا الإسلامية، فنحن لا نصوم فقط شهر رمضان، ولكن صيامه أصبح هوى النفس ومهجة القلب ولا نرضى بغيره بديلًا، فحتى الأطفال يتسابقون على صيامه، والنساء إن أصابهن ما يصيب بنات حواء نجد إحداهن حزينة مغمومة، بل بعضهن يبكين، والرجال في شدة الحرص على الصيام، بل إنه من وسائل تعذيب المعتقلين المسلمين إجبارهم على الإفطار في هذا الشهر الكريم.

قصة طيار

ويحضرني في ذلك ما روي لنا عن أحد الطيارين فقد طلب منه رئيسه أن يفطر في يوم من أيام رمضان قبل صعوده إلى الطائرة، وأعطاه كوبًا من المياه ليشرب أمامه، فقال له: ألا يمكننا أن نؤجل طلعات الطيران لما بعد الإفطار، فقال له قائده: هذا أمر فقال الطيار، ولكن الملك بنفسه قد أمرني بغير ذلك. فارتبك القائد قائلًا: ومتى تقابلت معه؟ قال أخي منذ دقائق، فقد كنت أقدم له التحية في صلاة الظهر وعندها أفاق القائد من غيبوبته قائلًا: ونعم بالله، سنؤجل يا بني كل طلعات الطيران في شهر رمضان إلى ما بعد الإفطار.

ونرى في هذا الشهر الكريم ما كان عليه السلف من قراءة للقرآن ومحافظة على السنن والتسابق والتنافس على صلاة التراويح، وكثير من الرجال والنساء يحيون الليل بالصلوات والدعوات هذا غير صلة الأرحام التي تهرول إلينا مرحبة بالشهر الكريم. فقد انشغلت الكراسي الخاوية طوال العام بالأحباب والأهل والأصدقاء والصديقات مع محاولاتنا الدؤوبة أن ينساب الكلام الطيب من بين الشفاه كالماء الزلال.

تزيين المسجد

حتى في هذا الشهر لا نحسب ولا نهتم سوى بالتقويم الهجري كتقويم أساسي، وليس ثانويًا، فقد حبب الله الإيمان إلى قلوبنا وحبب إلينا ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ٧).

واقتربنا من نهاية تزيين المسجد ونحن نتواصى بإدخال الفرحة على أولادنا بتزيين منازلنا ومشاركة الأولاد لنا في ذلك، وعندها انتبهنا إلى الأخت الكريمة المنزوية بأحد أركان المسجد وقد تدحرجت على وجنتيها حبات من مقلتيها عاكسة لأضواء المسجد وكأنها لؤلؤ مجدول، هرعنا إليها وقد انتابتنا الدهشة لجلوسها هكذا، وأخذنا نهون عليها مستفسرات عن حالها، قالت: يا ويلي، إن رمضان يأتي تلو رمضان محملًا بهداياه وعطاياه ويمر من أمامي، عارضًا علي أنفس ما يحمل وأكرم ما يُعطي ولا أمد يدي لآخذ أيضًا من هذه الهدايا، وتمر السنوات فتتساقط سنوات عمري.. وما يبكيني أني في بداية كل شهر أحاول أن أقرأ القرآن وأن صلي، ورويدًا رويدًا تأخذني الدنيا بمسلسلاتها وأفلامها وسهر الليالي، فالخروج واللعب وحديث المرح وحضور المسرحيات، بل قد تفنن الشيطان في إضاعة هذا الشهر من بين أيدينا، فالناس لا ينامون طوال الليل ما بين سحور رمضاني في حي من الأحياء الشعبية مع الطرب والغناء حتى الصباح، ولا أدري ولا أعلم أي سحور هذا.

سهر طويل

وسهر في الديوانية مع لعب الطاولة النرد والكوتشينة، وزيارات تستمر حتى نسمات الفجر الأولى خالية من المضمون والفائدة، لا تزيد الوقت إلا قتلًا وحشيًا، وتفنن في أصناف الطعام المختلفة حيث أعمل المطبخ طوال نهاري!!

وحقيقة ينقضي اليوم كالساعة، بل هي أقرب، وينقضي الشهر كاليوم، بل هو أقرب، هذا فإني أبكي على ما فات وأخشى ما أخشاه على ما سيأتي، هل سيلحق برفاقه في مقبرة الغفلة واللهو والنسيان؟! 

اقتربت منها أكثرنا حنوًا وعطفًا وابتسمت لها فأضاء وجهها كالقمر وقالت لها: حبيبتي لبدأ السلم من أوله ما دمت لم تعتل درجاته بعد، ونظرت إلينا قائلة: ما رأيكن أن يكون رمضان تلك السنة غير كل سنة، نستشعر فيه بحق رحمات الله، وكما قالت أختنا نحمل هدايا الرحمن من رمضان ولا نتركه يذهب بها موليًا، وتواعدنا على الغد وقلوبنا لم تغادر المسجد شوقًا وحبًا وإن غادرته أجسادنا.

 في الموعد المحدد لم تتغيب منا واحدة وانتظمت الصفوف وبدأت الأخت حديثها: 

إن من أهم الأحداث في شهر الخير نزول القرآن، فهو ينزل على القلوب فتكون حياتها كما تشتاق الأرض لنزول المطر لتحيا، وقد يسر لنا القرآن بلسان النبي ﷺ ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (الدخان: 58).

الاشتياق المطلوب

فأول الأمور أن نفهم القرآن بلسان وأفعال وتقرير النبي ﷺ حتى يكون ميسرًا علينا ويحدث الاشتياق المطلوب لتحيا القلوب بآيات القرآن، فماذا فعل النبي ﷺ؟ لقد أحيا القرآن وآياته التي تنزلت عليه، حتى أنه أصبح قرآنًا، ولكن ليس ساكنًا ولا موضوعًا فوق رف ولا محبوسًا في مكتبة، ولكنه قد تحرك بحركة النبي ﷺ فأصبح «قرآنًا يمشي على الأرض»، فهو لا يمشي في السماء، ولكنه واقعي عملي يمشي على الأرض.

وكانت وصية الله للنبي الكريم: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ (الإسراء: 106) فالفهم والتدرب والعمل في قمة الأهمية لنستشعر، فتكون اللذة ويكون الاشتياق وتكون الحياة ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (القيامة: 18)، لنقتدي بالنبي الكريم ﷺ ونعمل في كل يوم في هذا الشهر على إحياء آية أو حديث بعملنا وحركتنا ولن يكون ذلك إلا بالاستماع إليه أولًا، فهي بداية دائمًا نبدأ بها ولا نصبر عليها حتى تؤتي ثمارها، بل نفقد الثقة في أنفسنا ونترك كل شيء، ولعلم الكافرين بأهمية الاستماع للقرآن نجدهم يتواصون بعدم سماعه.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) ويوصينا الله برحمته بالاستماع والإنصات ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ (الأعراف: ٢٠٤) ويعدنا بالرحمة إن فعلنا ذلك ﴿وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤).

 فينير القلب بإذن المولى وينبض بالآيات في لحظة قدرها له الرحمن فيتحرك الجسد كله بها ونسير في طريق النبي ﷺ الذي يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ (النمل: 91-92).

سمعنا صيحة الله أكبر... الله أكبر وقد انطلقت بفرحة وسعادة من إحدى الأخوات فقالت: هذا هو ما فعلته بترتيب الله، فقد أصررت على نفسي أن تتلو القرآن وأن تستمع إليه، فبدلت كل شريط في حياتي بشريط قرآن، وفي منزلي لا أفتح إلا إذاعة القرآن الكريم، وعند ذهابي إلى النوم أصطحب معي مسجلًا صغيرًا تنبعث منه أصوات مختلف شيوخنا الأجلاء بتلاوة القرآن.. وظللت هكذا لا أقول: إني في كل وقتي كنت منصتة للقرآن، ولكن في غالب وقتي كنت شاردة، ولكني صممت أن أرد هذه النفس عن شرودها وأساعد قلبي على فك أسره من هذا القفل المتين بأفعالنا وتصرفاتنا. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: 24).

التنافس مع جبل

وتنافست مع جبل كان يبدو لي من نافذة حجرتي على الخشوع لله ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر: ۱۲)، وكنت أنظر إليه وهو شامخ مرتفع القامة فأراه أكبر مني فأردت أن أعلو على نفسي بالقرآن فواصلت المحاولات تلو المحاولات حتى أشرقت نفسي في لحظة، لا أقول بعد يوم أو أيام ولكن بحق بعد ذلك بكثير، فالران كان قد أحكم قبضته على قلبي ولا بد من عمل دؤوب على إزالته، فإن هذا الران قد أتى نتاج سنوات فلابد أن ينجلي بقوة الله حيث لم يعد في العمر الكثير من تلك السنوات، لذا فقد كنت أتوسل في دعائي إلى الله بما علمنا ﷺ: «اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي» صحيح ابن حبان.

وإني أناشدك أختي الباكية، إن القرآن لا يجلب الهم والحزن، ولكنه يذهب الهم والحزن وليس هو سبب الشقاء ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ﴾ (طه: 2)، وقد من علي سبحانه أن أصبح القرآن قرة عيني.

وبالطبع فهي محقة. فإني أشهد مع أخواتي لهذه الأخت المتحدثة فهي بكاءة عند سماع القرآن وأسبقنا في تطبيق آياته ومن أنشط الأخوات في المسجد وأسبقهن للعمل الصالح، وقد كانت محل غبطتنا حتى سمعنا قصتها.

وفي الموعد التالي تزايد العدد بشكل ملحوظ حتى أننا بالكاد كنا نرى الداعية، فصعدت على المنبر فرآها الجميع فقالت لنا: إن أصعب مرحلة هي ما تكلمت عليها أختنا بالأمس، وهي تحتاج بالفعل إلى إرادة وصبر في محاولة القرب من رياض آيات القرآن وعندها سنرفع شعار «الله أولًا»، في كل شيء في عبادتنا وتعاملاتنا وحياتنا برمتها.

تجربة رمضانية

وسنروي لكن اليوم تجربة رمضانية لأخت تجلس بينكن، رفرفت أسماعنا بالقرب من الداعية وأنصتنا، فقد كان يمر عليها رمضان ما بين متابعة المسلسلات، والإسراف في الطعام، وتضييع الأوقات حتى توقفت عند قول الله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾ (العنكبوت: ٢٦) وأخذت تفكر كيف تكون الهجرة إلى الله فعلًا فإنها قد حرمت من الهجرة مع النبي ﷺ التفاوت الزمن فلماذا لا تتمتع بهجرة إلى الله؟! وبدأت هجرتها في بداية شهر رمضان فجعلت الله قبل كل شيء.

فعند النداء لأذان الفجر تكون أول القائمات بين يدي الله متقربة إليه بكلماته وآياته، وبعد صلاة الضحى تتفرغ للقاء كتاب الله قبل أن تنشغل في أي عمل آخر.. فكانت الآيات تأخذها وتنقضي الثواني والدقائق والساعة تلو الساعة ولا تكاد تشعر بها.. وهي من كانت يضيق صدرها عند تلاوة القرآن بعد دقائق معدودة، وأخذت في تحديد أولوياتها: ساعة لترتيب منزلها أو الإشراف على ذلك يوميًا، مع اتصال تلفوني لأحد الأرحام بشكل منتظم، ويأتي الظهر سريعًا فكانت تهتم به اهتمامًا خاصًا، حيث إن عدد ركعاته مع السنن المؤكدة يفوق وقت أي صلاة أخرى خلال النهار، فيكون في صحبتها في هذا الوقت جزء من القرآن، وتقوم ببعض الإعدادات في مطبخها بما لا يزيد على الساعة، ثم قسط من الراحة قصير لحين صلاة العصر، وبعد الصلاة تزيد من الضراعة والتوسل والدعاء بتذلل إلى المولى جل وعلا فبقدر وحده الإجابة وهو قريب ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: 186)

وكانت دومًا تسأل الله وتستشعر قربه.. ألم تهاجر إليه وتركت كل انشغال بغيره في هذا الشهر الوحيد خلال السنة برمتها والذي لا تعلم هل سيتكرر عليها أم لا؟! ويتمسك لسانها بالتسبيح لحين غروب الشمس مع اصطحابها لإذاعة القرآن في الإعدادات الأخيرة للإفطار. 

ولأختنا تجربة لطيفة في أمر العزائم وزيارات الأهل والأصحاب للإفطار الجماعي، حيث إنها اتفقت مع الجميع على عمل صنف واحد رئيس وآخر طوارئ لمن تصادف ألا يأكل من الرئيس، وتخفيفًا على الخدم حتى يستطعن تأدية العبادة في رمضان مثلنا.. وبالفعل أقنعن أزواجهن بذلك حتى لا تصبح كل أسرة فتنة للأسرة الأخرى فتضيع صلاة التراويح وتضيع الأيام في المطابخ، وبالفعل هذا ما حدث فكان الأمر ميسرًا، وكان هناك تشجيع على صلاة التراويح في أقرب مسجد، أو ينصرف كلًا إلى شأنه للصلاة بالكيفية التي يريدها.

أسعد الشهور

وبعد التراويح يأتي نوم عبادتها تتقوى به على قيام الليل قبل الفجر على الأقل بساعة مع جزء آخر من أجزاء القرآن تشدو به في سكون لليل الرائع، وكانت دومًا تقول: إن هذا الشهر كان أسعد شهور عمري، فقد ازداد ارتباطي بالقرآن وحبي له، وشعرت بسكينة قد غمرت كل أوصالي وشعر الجميع بتغير واضح في تصرفاتها وردود أفعالها، يتضح فيها الخضوع كله، وكان كل حركة تهتف: «الله أولًا» وبالطبع عندما شعرت بسعادة الحياة مع القرآن انشغلت به عن كل الحيل الإنسية المغموسة بنيران شيطانية في محاولاتها الدؤوبة لصرفنا عن تلقي هدايا رمضان والتمتع بها. 

ثم أشارت الداعية إلى إحدى الأخوات تتقدم، حيث نظرت إلينا قائلة: نعم لقد كانت وما زالت هجرتي إلى الله، وسأواصل الهجرة ولن أحيد عنها ولن أتوقف حتى تدب الحياة لي كل قلبي وجوارحي، وما أجملها هجرة حيث ربي الودود الكريم اللطيف الحنان الغفور الرحيم التواب، وعند اللقاء سيغمرنا برحمته برضاه إن شاء وأذن.

 واستأذنت الأخت الباكية للحديث قائلة: قد هامت تخيلاتي معك أختاه وشعرت بحنين لله العظيم وأشهدكن جميعًا ما عزمت عليه لقد قررت الهجرة إلى ربي فبكل ذرة إيمان أحملها ستكون هجرتي وسأنجح بإذن الله، وقد كانت الأخت تردد صدى حديث كل منا لنفسها: نعم سنهاجر إلى الله، فهل ستكن معنا؟

 

 

الرابط المختصر :