; المنهج الإسلامي في مواجهة الاعتداء على المال العام (١-٢) | مجلة المجتمع

العنوان المنهج الإسلامي في مواجهة الاعتداء على المال العام (١-٢)

الكاتب د. حسين شحاتة

تاريخ النشر السبت 29-ديسمبر-2012

مشاهدات 62

نشر في العدد 2033

نشر في الصفحة 42

السبت 29-ديسمبر-2012

  • لا يجوز التهرب من الضرائب والجماركوالدولة يجب ألا تكون ظالمة.
  • التربح من الوظيفة خيانة للأمانةوهدايا الموظفين غلول محرم.
  • استغلال المال العام في الدعاية الانتخابية سرقة.
  • ودعم الموظفين لوزيرهم المرشح نفاق رخيص 
  • الحج والمصايف والولائم مرفوضة شرعًا إذا كانت على نفقة الدولة المدينة.

تنظم الشريعة الإسلامية والقوانين المتفقة مع شرع الله بعض الحقوق على مال الأفراد، والتي تعطى للدولة باعتبارها مسؤولة عن المجتمع وبذلك تتحول إلى مال عاممثال ذلك الرسوم والضرائب العادلة التي تؤخذ بالعدل وبالحق، وعندما يتهرب الأفراد من أداء تلك الحقوق، يعتبر ذلك من صيغ الإعتداء على المال العام ويدخل في نطاق التحريم.

ولقد أجاز الفقهاء لولي الأمر أن يفرض على أموال الأغنياء ضرائب بضوابط شرعية للإنفاق منها على الخدمات العامة مثل: الأمن والتعليم والعلاج، والإنارة، وتوفير المياه، وتشغيل العاطلينوما في حكم ذلك وإذا أخذت هذه الضرائب بالحق والعدل كانت مشروعة، ومن يتهرب منها في هذه الحالة يعتبر متعديًا على المال العام وما يجب التأكيد عليه في هذا المقام ما يلي:

  1. لا يجوز التهرب من الضرائب والجمارك ونحوهما بحجة أن جزءا من الحصيلة ينفق في الباطل وفي غير صالحالمسلمين.
  2. لا يجوز للدولة أن تكون ظالمة في جباية الضرائب أو الرسوم الجمركية لأن ذلك يعتبر اعتداء على المال الخاص بدون مبرر شرعي، فالضريبة الظالمة تعتبر من المكوس التي نهى عنها الشرع، ولقد ورد بشأن المكاس، الذي يأخذ المال ظلما وعدوانا بغير حق أحاديث كثيرة منها قول الرسول: المكاس «لا يدخل الجنة»، وقوله: «لا يدخل الجنة صاحب مكس» (رواه أبو داود).
  3. يجب ألا يكون في فرض الضرائب والرسوم الجمركية وما في حكم ذلك مخالفة لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
  4. من حق المسلم الدفاع عن ماله بالسبل المشروعة إذا ما فرضت ضريبة ظالمة، أو كان العامل على الضرائب ظالماويدخل ذلك في نطاق الدفاع عن المالبالحق، فمن قتل دون ماله فهو شهيد.
  5. تقع على ولي الأمر مسؤولية التزام العاملين على أمور الضرائب والرسومالجمركية وما في حكمها بالضوابطالشرعية والنظم والقوانين والتعليماتالمتعلقة بالضرائب.

ومن الشروط التي تجب رعايتها في الضرائب العادلة والتي يعترف الإسلام بشرعيتها، ويعتبر التهرب من أدائها حراماً ما يلي:

  • الحاجة الحقيقية إلى المال، ولا يوجد مورد آخر لسداد النفقات الضرورية.
  • توزيع أعباء الضرائب بالعدل بين الناس.
  • أن تنفق في مصالح الأمة لا في المعاصي والشهوات. 
  • موافقة أهل الشورى والرأي في الأمة.

ويضاف إلى هذه الشروط:

  • أن تنفق في الغرض الذي فرضت من أجله.
  • أن تفرض على الأغنياء وليس على الفقراء. 
  • أن تنتهي بانتهاء العرض الذي فرضت من أجله.
  • أن يلتزم العاملون عليها بالعدل والحق وألا يظلموا الناس.

هدايا العمال والموظفين

أجمع الفقهاء على أن الهدايا التي تعطى للعاملين والموظفين وما في حكمهم بصفة عامة تعتبر غلوًلا، ونوعًا من أنواع الخيانة ولقد ندد القرآن بذلك، يقول الله عز وجل ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ ۚ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ (آل عمران: (١٦١)، ويقصد بالغلول في هذه الآية الخيانة في توزيع الغنائم ولقد نهى رسول الله عن هدايا العمال بأحاديث كثيرة، نذكر منها: عن عدي بن عميرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامةالحديث» (رواه مسلم).

ولقد انتشرت ظاهرة هدايا العمال والموظفين العاملين على المال العام بطريقة صاخبة في الوقت المعاصر، حتى قننت في بعض القوانين تحت مصطلح إكراميات وعمولات ومصاريف استشارة.

كما يقوم بعض الناس بانتهاز المناسبات المختلفة مثل بداية العام الميلادي، ويقدمون للموظفين في المصالح المختلفة هدايا قيمة الغايات معينة منها تسهيل أعمالهم، ومما لا شك فيه أن ذلك يقود إلى الاعتداء على المال العام أو الاعتداء على أموال الآخرين وكل هذا محرم في الشريعة الإسلامية أما الهدايا العامة التي توزع بهدف الدعاية المجردة وتعطى لمعظم الناس فلا حرج فيها .

التربح من الوظيفة يعتبر التربح من الوظيفة سحتًا وغلوًلا ويمثل اعتداء على الملكية العامة والمال العام

ويستدل على ذلك بالآيات والأحاديث التي وردت في السرقة والاختلاس والغل والخيانة والرشوة، منها قول الله تبارك وتعالى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 188)، وقول الرسول «كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به» (رواه الترمذي) وهناك صور شتى شائعة من التربح من الوظيفة، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

  • ترسية الموظف العطاءات على أقاربه أو على شركة هو شريك فيها بطريق مباشر أو مستند بأن تكون باسم زوجته أو ابنه أو أمه ليستفيد من ذلك، فهذا سحت.
  • إفشاء الموظف أسرار عمله إلى أناس ليستفيدوا من هذه الأسرار ويتربحوا منها، وبذلك يكون قد أعطى فرصة وميزة لم تعط للآخرين، فهذا خيانة للأمانة.
  • تزوير الموظف بعض الأوراق مستغًلا موقعه الوظيفي ليحقق مكسبًا له أو لمن يهمه الأمر على حساب الجهة التي يعمل فيها مثل التزوير في عدد ساعات العمل أو كمية الإنتاج أو نحو ذلك، فهذا سحت.
  • استخدام موقعه الوظيفي وإمكاناته المختلفة للاسترباح بطريق مباشر أو غير مباشر مثل من يستقبل شركاءه وعملاءه في مكان العمل وتسخير إمكانات الجهة لهم.
  • استخدام الموظف موقعه الوظيفي وسلطته في اتخاذ القرار بالموافقة أو الرفض الفرض إتاوات خاصة له على أموال الناس لا بالباطل، مثل أن يركب مجاناً، أو يسخر بعض ام أشياء الناس الذين تحت رقابته لخدمة مآربه الشخصية.

والتكييف الشرعي لهذه التصرفات وما في حكمها أنها خيانة للأمانة، ونقض لعقد

العمل مع الجهة التي يعمل بها .

تضييع الوقت

وقت العاملين والموظفين حق للجهة التي يعملون فيها، وفقا لعقد العمل الخاص وقانون العمل العام، ويجب أن يسخر المصلحة تلك الجهة وليس لغيرها، ومن لم يلتزم بذلك فيكون قد اعتدى على مال تلك الجهة سواء كانت قطاعاً عاماً أو جهة حكومية أو قطاعًا خاصًا.

وبصفة عامة لا بد أن يستغل الوقت في العمل النافع والعمل عبادة والمسلم سوف يسأل يوم القيامة عن عمره فيما أفناه ويترجم العمر إلى وقت ومن صور ضياع الوقت المحرمة لأن فيها اعتداء على المال ما يلي:

  •  عدم الانضباط في الحضور والانصراف والتزوير في الكشوف أو الوسائل المعدة لذلك وتعطيل المصالح بدون عذر مقبول شرعًا .
  • إنجاز الأعمال في وقت أطول من الوقت الواجب، فهذا نموذج من نماذج الإسراف.
  • تعقيد الإجراءات بقصد مما يؤدي إلى استغراق وقت طويل وهذا بدوره يزيد منالتكلفة والمصروفات.
  • استغراق وقت طويل في قضاء الحاجات وتناول الطعام والمشروبات والاستعداد للصلاة، ويمكن الاكتفاء بصلاة
  • الفرض والانصراف للعمل الذي هو واجب.
  • قراءة الجرائد والمجلات في وقت العمل من صور ضياع الوقت المحرم شرعًا 
  • قضاء المصالح الخاصة في وقت العمل .
  • تعطيل الآلات والمعدات ووسائل الإنتاج والعمل عمدًا بهدف تضييع الوقت بدونعمل.
  • الخروج من مكان العمل بدون إذن ويتستر عليه زملاؤه بأنه في مأمورية.
  • إطالة وقت المأموريات والمهمات خارج العمل.

الأغراض الحزبية والفئوية

يعترف الإسلام بالتعددية الحزبية والمنافسة بين الأحزاب بالحق، ولكن يحرم استغلال المال العام في تمويل الانتخابات بكافة صورها، بل يجب أن تكون من أموال الحزب الخاصة، ويعتبر ولي الأمر مسؤولًا  أمام الله عن ذلك.

ومما يؤسف له أن يستغل الحزب الحاكم الأموال العامة بكافة صورها في الدعاية الانتخابية، ويعتبر هذا من أنواع إنفاق المال العام في غير وجوهه المشروعة والحكم الشرعي لذلك أنه اختلاس أو خيانة للأمانة.

ويقاس على ذلك استخدام أوقات وجهود العاملين في المصالح الحكومية وما في حكمها بترك أعمالهم الأساسية ليشاركوا في الدعاية الانتخابية أو دعم فلان ضد فلان، ومن الأمثلة البارزة، دعم أجهزة الأمن المرشح حزبي، أو دعم موظفي وزارة لوزيرهم المرشح.

بعثات الحج والمجاملات

من الشائع في الدول الإسلامية أن توفد الدولة على نفقتها أناسا من القادرين للحج على نفقتها بحجة أنهم رؤساء بعثات أو أي حجج أخرى، فهذا يدخل في مجال التحريم ولا سيما في حالة الدول الفقيرة المدينة، والإثم يقع على ولي الأمر أولا لأنه مسؤول عن المال العام، كما يأثم كذلك من يحج على نفقة الدولة وهو غني مستطيع ويعلم أن الدولة مدينة، فعليه في هذا المقام أن يرفض ويقاس على هذا الأمر: المصايف على حساب الدولة والرحلات الترفيهية والولائم على حساب الدولة. 

وينفق جزء كبير من المال العام من مال الوزارات والمصالح والهيئات العامة والمؤسسات وشركات قطاع الأعمال في المجاملات الشخصية للوزير أو مدير أو رئيس المصلحة والغاية الأساسية من ذلك التقرب وكسب الرضا وتحقيق مآرب شخصية، وليس في ذلك تحقيق منافع عامة معتبرة شرعًا.

 والتكييف الشرعي للمجاملات الشخصية من المال العام أنها حرام وتدخل في نطاق النفاق والإسراف والتبذير، وعدم الالتزام بالأولويات الإسلامية في إنفاق المال العام ولا سيما في حالة الدول الفقيرة المدينة.

علاج الاعتداءات

عندما تطبق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية على من يعتدي على المال العام

يضيق على هؤلاء المعتدين وينخفض مقدار الضياع ولكن هذا يتطلب ما يلي:

  1. الاهتمام بغرس القيم والأخلاق الحسنة في العاملين على المال.
  2. الفهم السليم لحرمة الاعتداء على المال العام وبين حكمه الشرعي.
  3.  القدوة الحسنة لأولياء الأمور وحسن اختيار البطانة الصالحة. 
  4. إحياء واجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم التضييقعلى الدعاة والعلماء.
  5.  قيام الأجهزة الشعبية والحكومية بدورها في الرقابة على المال العام.

إن تطبيق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية التي تتعلق بحرمة الاعتداء علي المال العام يحقق المنافع للناس جميعا ويدراً عن المجتمع والأمة الإسلامية الشرور والأزمات بكافة صورها ويحقق له الاستقرار والأمن والخير والحب.

(*) أستاذ الاقتصاد الإسلامي - جامعة الأزهر

الرابط المختصر :