العنوان في مجرى الأحداث.. هدية كلينتون للبوسنة «فيتو»!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1995
مشاهدات 62
نشر في العدد 1154
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 20-يونيو-1995
لم تشهد قضية كَمًّا من النفاق الدولي المصحوب بالألاعيب والمناورات مثلما تشهد قضية البوسنة والهرسك، فمنذ تفجر الأزمة في ٢٨/٥/ ۱۹۹۲م ونحن نشاهد ونسمع العجب من ألاعيب ومناورات الساسة في كل بقاع الأرض تقريبًا تتراوح بين إشراف الدموع والإدانة والمطالبة بوقف العدوان والتهديد أحيانًا باستخدام القوة. لكن المهم أن كل ذلك خلل ولا زال كلامًا لا يتجاوز حناجر السادة من الساسة.
إن صَدَقَ ذلك على الموقف الأوروبي وموقف الأمم المتحدة فإنه يكون أكثر صدقًا على الموقف الأمريكي الذي اتسم بالمغالاة في النفاق والمناورة وتحمد الخبطة الرأي العام، فمنذ بداية الأزمة والساسة الأمريكيون يصدمون رؤوسنا بزعيق تصريحات الإدانة، والبكاء على شعب البوسنة أحيانًا، والتهديد باستخدام القوة ضد الصرب أحيانًا أخرى، وتلاعب البيت الأبيض بمشاعر المتحرقين لرؤية أي أمل بوقف المأساة.
ففي منتصف عام ١٩٩٤م سرَّب البيت الأبيض لمصادر صحفية بريطانية أخبارًا نشرت على أوسع نطاق بأن الرئيس كلينتون أعطى أوامره لوكالة الاستخبارات الأمريكية «سي. أي. إيه»، ووزارة الدفاع لإعداد خطة عاجلة لتسليح البوسنة، لكن مجلس الشيوخ قطع الشك باليقين برفضه قرار يطالب كلينتون برفع الحظر عن تسليح البوسنة، وبعد ذلك بشهرين عاد المجلس الموقر فأصدر قرارًا معاكسًا في ١٢ /8/ ١٩٩4م يطالب الإدارة الأمريكية برفع الحظر، كما وافق مجلس النواب على قرار يطالب كلينتون بإقناع الأمم المتحدة برفع الحظر؛ وذلك بعد أن وصلته رسالة من مستر كلينتون يؤكد فيها عزمه استجابة لطلب الكونجرس حتى يتمكن أهل البوسنة من الدفاع عن أنفسهم خاصة بعد رفض الصرب لخطة سلام المجموعة الدولية.. لكن كلام كلينتون وقرارات مجلس الشيوخ ومجلس النواب ذهبت أدراج الرياح.. ثم تعرضت قوات الأمم للحوادث الإذلال الأخيرة المعروفة والتي كان أبرزها «صلب جنودها على أعمدة الكهرباء». وصَفَعَ الصربُ «وجه» الهيبة الأمريكية بإسقاط طائرة وأسر قائدها، فتعلقت مرة أخرى الأنظار المخدوعة وما أكثرها بالاجتماعات الساخنة للمسؤولين الأمريكيين المعنيين بملف البوسنة، وبينما كانت تحركات وزيري الخارجية والدفاع تزداد جلبة كانت حاملة الطائرات الأمريكية تيودور روزفلت ترسو قرب الشواطئ اليوغسلافية. وكانت الأنظار تصدق أنها لن تخدع هذه المرة عندما أصدر مجلس النواب بأغلبية كبيرة قراره برفع الحظر عن تسليح البوسنة، لكن كلينتون سرعان ما فقت هذه الأنظار بإصبعه عندما ظهر على حقيقته وأعلن «فيتو» الرئاسة ضد قرار مجلسه معلنا انتقاده بشدة لهذا القرار.
إنها حقا الهدية الأمريكية المناسبة لشعب البوسنة الذبيح بعد ثلاثة أعوام من انتظار العدل الأمريكي.