العنوان هذه الأمة المتفرقة: علامات استفهام موجهة للنظم العسكرية
الكاتب أحمد راؤول
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989
مشاهدات 62
نشر في العدد 904
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 14-فبراير-1989
العسكرتارية العربية تدخلت في السياسة بشكل جعلها تنسى عدوها الخارجي وتصارع أبناء الوطن الواحد بالقمع والقتل والتدمير.
المستعمرون دأبوا منذ فترة على إزاحة العلماء العاملين وتنفير الحكام والمحكومين منهم.
التنازلات التي تقدم باسم السلام الدولي وتحت مظلة الأسرة الدولية لم تأتِ بحق من الحقوق الضائعة.
حالة التفكك والتخلف التي يعيشها عالمنا العربي أثارت تساؤلات الشعوب الأجنبية ومفكريها!
علق أحد السياسيين العرب عقب اجتماع قمة قائلًا: «لقد أصبحت آمالنا واقعية في تواضعها، إذ إننا قد غيرنا اتجاهنا من مبدأ الوحدة المتكاملة إلى التوحد في الأهداف وإلى التنسيق ثم إلى التعاون.... مثل هذا التعليق يلقي الضوء على الفشل الذي ساد بين العرب في مجال حل مشاكلهم ويومض بشكل خافت نحو أمل يبدو بعيدًا عن طموحات الجماهير المسلمة في أن تبدو- كما أراد نبيهم- كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، لكن ما زالت صراحة أحد الزعماء العرب تدوي في الآفاق وتجسد مأساة العالم العربي في كلمات معبرة: «لقد بدأت شعوبنا تفقد الثقة بنا».. مائة وخمسون مليون عربي يعيشون في حالة تردد وشك إزاء قدراتهم وعجز في مواجهة ثلاثة ملايين يهودي يلعبون بمقدرات أمة ويهددون وجودهم...
لماذا سادهم العجز وشلت حركتهم في كل مجال؟ لماذا عجزت رغم تكدس المليارات لديها دول عربية من أن تلحق بركب دول مثل كوريا أو حتى سنغافورة؟ إن حالة التفكك والتخلف التي يعيشها عالمنا العربي لم تثر أصحاب الفكر من أبنائه فحسب بل أثارت تساؤلات الشعوب الأجنبية ومفكريها الذين صعب حالنا عليهم فأخذوا يدرسون هذه الظاهرة الغريبة واللغز المحير. أمة توفرت لشعوبها اللغة الواحدة والعقيدة الواحدة والمال الوفير والأرض الواسعة والأعداد البشرية الهائلة وهي رغم هذا لا تزن في المجال الدولي شيئًا.
فصل الدين عن الدولة
تتعرض تساؤلات المحللين الغربيين لشتى الأسباب التي أدت بالعرب إلى هذه الحالة المتردية، والعجيب أن نظريات ابن خلدون عن البداوة والحضارة وقيمتها التحليلية في تقييم الواقع العربي تتصدر مقالاتهم لكن الذي يعرفه المؤمنون أن التصدع الذي أصاب البنيان المرصوص وعصف بالخصائص الأساسية لأمتنا هو فصل الدين عن الدولة عمليًّا في شتى مناحي الحياة، فأصبحت السياسة كجمل هائج حبله على غاربه يضرب في الأرض الواسعة كيفما اتفق له... وهكذا تحررت السياسة من رقابة الدين تعيش بلا منهج «ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» وفقدت القيادة الإسلامية أهم صفتين: الجهاد والاجتهاد، إذ أصبح الجهاد سبة يندى لها جبين القادة وإذا ما سمعوا ذكره أعرضوا عنه رغم أن التنازلات التي تقدم باسم السلام الدولي وتحت مظلة الأسرة الدولية لم ولن تأتي بحق من الحقوق الضائعة. إن عالمنا الإسلامي بحاجة ماسة إلى رؤوس قادرة على الاجتهاد الصحيح في النوازل والحوادث التي تفاجئ وتتجدد والتي لا يستقصيها «فقه مدون ومذهب مأثور وفتاوى مؤلفة ويكون عندها من معرفة روح الإسلام وفهم أسرار الشريعة والاطلاع على أصول التشريع الإسلامي وقوة الاستنباط ما تحل المشاكل وترشد الأمة عند المحن» وقد لا تتوفر هذه الخصائص منفردة، ولكن دور العلماء العاملين قد يسد هذه الفجوة ويعين الساسة على أمر الله.
دور العلماء
لم تهدأ جهود المستعمرين في إزاحة العلماء العاملين وتنفير الحكام والمحكومين منهم أبدًا، فأصبحت صورهم نشازًا وأقدارهم هباءً لا وزن لها وسلوكياتهم مجالًا للتندر والسخرية في أجهزة الإعلام المأجورة، وهذا استمرار لمخطط أريد له أن يأتي أكله لفصل الدين عن الدولة، فإزاحة المصحف أمر صعب المنال لا تتقبله الجماهير المسلمة لكن إزاحة من يحمل المصحف سبيل هين ووسائله أكثر من أن تحصى فظهور عالم دين في مسرحية أو مسلسل لا دور له سوى عقد القران وإثارة ضحكات الجماهير أصبح أمرًا مقررًا لدى مخرجي وكتاب السينما في بلادنا، بيد أنه لم تشهد شاشاتنا قسيسًا يقوم بنفس الدور لأنه هكذا أريد للأمر وهكذا لا بد أن يسير المخطط، وإذا ما أراد العلماء العاملون الاحتجاج بالكلمة التي تقال على استحياء وتخوف رُموا بالتطرف وأكرهوا على الانسحاب مشتغلين بخاصة أنفسهم مغمضي الأعين عما يملي يأسًا من الإصلاح... هذا الدور دفع بعناصر دينية تعاونت على تجسيد الواقع الأليم والعمل على أن يظل دور الدين قابعًا في المسجد أو متحصنًا في دائرة الأحوال الشخصية، تلك الدائرة التي تتلقى الضربات تلو الضربات كآخر حلقة يراد لها أو أريد لها- في بعض البلاد- أن تنفصم وتقطع علاقة المسلم بدينه.. ماذا يتبقى من خصائص الأمة التي تعيش في مأساة؟
الاقتصاد العربي
تقول الوقائع المهتمة بدراسة الاقتصاد وهي في الغالب تتجه في التحليل إلى الدول النفطية إلى أن تلك الدول كان من الممكن أن تكون منطلقًا لإنشاء تعاون اقتصادي صناعي وزراعي وعسكري يعكس وحدة الأمة ذات الرسالة الواحدة، لكن التوجه المنفرد نحو تحقيق تلك الأهداف أمر صعب المنال؛ فقلة التعداد السكاني في البلدان المعنية مع تكدس الثروات يؤدي إلى إعاقة التطوير الصناعي... إذ يؤدي الحال إلى ارتفاع مستوى المعيشة وبالتالي ارتفاع تكاليف الأيدي العاملة في المجتمع إلى الحد الذي يجعل الإنتاج الصناعي أو أي نشاط اقتصادي آخر غير منافس في حالة التصدير أو الاستهلاك المحلي، ولا شك أن مأساة أمتنا تكمن في غياب ما يسمى بالتكامل الاقتصادي الذي لو حدث بين دولة نفطية ودولة أخرى كالسودان أو مصر أو سوريا لأتي بنتائج تخفف على الأقل من الفواجع والانهيارات التي تحدث في تلك البلدان وتصيب بشررها الجميع، والواقع أن مثل هذه التصورات تواجه عقبات أدت إلى زوال الإقدام على مجرد التفكير فيها من ناحية بسبب البيروقراطية السائدة في البلد المنفذ حيث أدى النظام إلى ضياع الفرصة والوقت، تحت ستار الروتين والانشغال بقضايا حزبية لتكريس الحكم واستبدال التعاون في مثل هذا المجال بالحصول على القروض والمساعدات المادية التي تذهب في الأساس لدعم تلك الأنظمة، وتكوين جيوش لمحاربة الوهم وخصوم لا وجود لهم ومن ناحية أخرى افتقار البلدان المكتظة بالسكان إلى توفر العمالة المتخصصة والمهارة اللازمة لتسيير أي صناعة ناجحة... ويظل الافتراض أو التصور من قبل أي فرد داخل العالم العربي أو خارجه بأن ثروة النفط بحد ذاتها قادرة على تحويل المنطقة بأكملها أو جزء منها إلى قوة إنتاجية بدلًا من المناخ الاستهلاكي تصورًا خاطئًا، ذلك أن نجاح التطوير الصناعي في الدول النامية يحتاج إلى توفر الأيدي العاملة الرخيصة والمدربة وإلى وجود السوق الاستهلاكية القادرة داخليًّا وخارجيًّا، وتخلي القائمين على الأمر من العقد النفسية والبيروقراطية التي زادت من مأساة أمتنا.
أنظمة الحكم العسكري
مما لا شك فيه أن الصراع العربي الإسرائيلي كان العامل الأساسي والمبرر فيها يتعلق ببروز أنظمة الحكم العسكري في أمتنا.. تلك الأنظمة التي استندت من وجهة نظر الواقع الحربي إلى مبررات الحد من الحريات الشخصية والسياسية للفرد وأصبح المواطن بديلًا للهدف الأساسي الذي جاء النظام من أجله، فبدلًا من الصراع ضد العدو المشترك أصبح الشغل الشاغل لهم- كما صرح أحدهم- هو التيار الديني أو التطرف الديني، ولم تستعمل الدبابات في الميدان الأرحب ضد العدو ولكن حشرت في الحارات الضيقة ضد المواطنين العزل وهدم المنازل على الرؤوس، ولم توجه الأجهزة البوليسية المختلفة لرصد تغلغل العدو اليهودي بمخدراته وأمراضه وتجسسه على ثغورنا بل أنشئت لأول مرة في منطقتنا أجهزة مكافحة التطرف الديني التي تعتقل الأبرياء باسم قانون الطوارئ، وتدينهم وتحاكمهم وتجردهم من حق الدفاع عن النفس بحجة التطرف والمحافظة على الاستقرار والوحدة الوطنية ومكاسب التنمية التي لا ينمو فيها إلا مثل تلك الأجهزة.
تلك الأنظمة التي تصبغ مواقفها القومية بمنهج انتقامي ضد بعضها البعض... فلا تجد مثل تلك الأنظمة غضاضة في أن تصفّ في خندق العدو إذا كان هذا سيتيح لها تصفية حساب شخصي من نظام آخر، وإزاء هذا كيف يتسنى للفرد أن يتنسم رائحة الديمقراطية تحت كل أنظمة لا تتحمل انتقاد نظام آخر لها وتسعى للإدانة والتخلص من النظام الآخر واغتيال شعبه معه؟ أنظمة هذا منهجها لوَّعت كل مفكر في الإصلاح... جعلت المستثمر يقبض على كيس نقوده جزعًا ويهرب طلبًا للأمان وجعلت المثقف وصاحب الرأي يتولى تكميم فاه إيثارًا للسلامة ولا يفتحه إلا حين يطمئن أن جليسه لا يتحدث العربية... وبقيت عقب هؤلاء عناصر تنعق كالبوم والغربان ترفع لواء الديمقراطية والاشتراكية والوحدة وتقود ميراث الجماهير المضللة نحو غد مشرق.
وفي الختام يظل إيماننا راسخًا بأن أي إصلاح في الواقع العربي يأتي من طريق غير الإسلام فلا أمل في نجاحه، ويظل إيماننا راسخًا بأن الطريق الأمثل لإخراج أمتنا من وهدتها لا يكون إلا عن طريق الإسلام ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ﴾ (البقرة: 120).