; هذه هي حقيقة القوى الفاعلة في الانتفاضة | مجلة المجتمع

العنوان هذه هي حقيقة القوى الفاعلة في الانتفاضة

الكاتب فايز الرنتيسى

تاريخ النشر الثلاثاء 20-يونيو-1989

مشاهدات 63

نشر في العدد 921

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 20-يونيو-1989

رغم أن الانتفاضة الشعبية جاءت مفاجئة لجميع الأطراف في زمانها ومكانها، إلا أن أسباب نجاحها المنقطع النظير، وقدرتها على الصمود والتطور والاستمرار، لا بد وأن يكون مبعثها استعدادًا نفسيًا متراكمًا، وصحوة عقائدية متقدة، وإرادة حرة صلبة قوية، ولا بد من توافر قيادة حكيمة مؤمنة صادقة، قادرة على الفعل والتفاعل مع جموع الجماهير الغاضبة، ومن ثم الإمساك بزمام الأمور، وتسييرها وفق نظام ثوري جهادي صارم يجمع الشعب على قلب رجل واحد ويدفع به باتجاه الهدف الذي يتطلع إليه، وينتظر بلوغه لأكثر من أربعين عامًا، قضاها في فيافي التيه والحرمان، وأمضاها في ظلال التسلط وظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

ألف أب وأب:

وحيث أن كل عمل ناجح يجد عادة ألف أب وأب يتبناه.. لذا فإن الانتفاضة ما كادت تشق عبر الصعاب طريقها، وتثبت في مواجهة الصهاينة أقدامها، وتفرض على الملأ وجودها، حتى تسارع فرسان الساحة لتبنيها...، وكثر المدعون بوصلها.... وتعددت الأقوال والتأويلات بشأنها...

ونحن وإن كان اهتمامنا الأكبر ينصب على الانتفاضة وسبل دعمها ومساندتها ماديًا ومعنويًا باعتبارها الأمل المرتجى، والشعلة المضيئة وسط كابوس من الظلام المرعب المخيف، والحلم الذي طال انتظار تحقيقه عبر سنين عجاف، وأعوام قحط من المبادئ والقيم، أحاطت بشعب فلسطين، وحاقت بالأمة العربية والإسلامية إلا أننا نتطلع ونرقب بلهفة ما يقوله الناس، وما سوف يسجله التاريخ في صفحاته للأجيال المتعاقبة، عن هذا الحدث الفذ وعن أدوار صانعيه بكل صدق وأمانة، إنصافًا للحقيقة وانتصارًا للحق... ومن هنا جاء لقائي بأحد الزائرين القادمين من قطاع غزة مؤخرًا، فرصة لأطرح عليه التساؤل التالي:

  • رغم إدراكنا التام بأن الإجماع قائم على أن الانتفاضة المباركة، هي وليدة معاناة ومخاض شعب الأرض المغتصبة بكامله، وأنها نجحت في جعل الأفئدة تهوي إليها، وأفلحت في دفع الجماهير على مختلف مشاربها وأهوائها للالتفاف من حولها، والتعلق بأهدابها... إلا أننا ما نزال متعطشين لمعرفة حقيقة أبعاد تلك الظاهرة الشعبية الجهادية المتفردة في ظروفها وطبيعتها وقدراتها.. ومتلهفين للوقوف على مدى مساهمة كل من تصدى لقيادتها بصدق وأمانة وإخلاص... فهل نطمع في الاستماع إلى رأيك حول هذا الأمر، وأنت المعايش لمجريات أحداث الانتفاضة الخيرة، وذلك في حدود ما شاهدت وسمعت ولمست خلال ما يقارب الثمانية عشر شهرًا من المواجهات والتحدي، وبشكل مختصر وموجز؟
  • فنظر إليّ نظرة ذات معان كثيرة... ثم ابتسم في هدوء وأجاب:
  • حسنًا... سوف أجيبك عن سؤالك هذه المرة، رغم محاولاتي العديدة للتهرب من السؤال ذاته، لأسباب لا تخفى على من يطرح هذا التساؤل.. وسوف أصدقكم القول في نطاق معلوماتي ومن وجهة نظري الشخصية، وبعيدًا عن العاطفة والتشنج، واستعراض العضلات.

فمن حيث المبدأ، يجب أن نكون متفقين على أن شعب فلسطين العربي المسلم، يعيش فوق أرض مقدسة، خصها الله بشرف الرباط والجهاد إلى يوم القيامة. وأن هذا الشعب لم يتوقف يومًا عن الجهاد والقتال ضد الغزاة والطامعين في السيطرة على المقدسات، والهيمنة على قلب الوطن العربي الكبير...

ومن هنا... فإن علينا أن نقرر حقيقة ثابتة، وهي أن انطلاقة الانتفاضة جاءت امتدادًا طبيعيًا، للمعارك التي خاضها، والثورات التي فجرها هذا الشعب المجاهد الصابر المصابر، عبر الحقب التاريخية المتلاحقة.

وعلينا أيضًا أن نتذكر جيدًا أن أي عمل ثوري أو جهادي لا يأتي اعتباطًا ولا من فراغ... ولكن لا بد من تهيئة الظروف المواتية له، وإعداد النفوس القادرة على تحمل عبء الأمانة الثقيل.

ولو عدنا إلى الوراء قليلًا، واستعرضنا المخطط الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني بعد نكبة عام/ ١٩٦٧م، لوجدنا أن أهم مرتكزاته التي قام عليها، تتلخص في محاربة العودة إلى الله، وهدم القيم والأخلاق وإجهاض التعليم، وإفساد العلم، ومن ثم تحويل العناصر الشبابية إلى طبقة عمال منحرفة السلوك غارقة في الموبقات التي يهيئها لهم الصهاينة الأنذال، وجعل الأرض المغتصبة سوقًا استهلاكية لمنتجاتهم وصناعاتهم.

قاعدة شبابية واعية:

وفي المقابل.... نجد أن فصائل المقاومة الفلسطينية قد عملت جاهدة على تغذية شبابها بالشعارات الثورية والوطنية وأهملت العنصر الرئيسي في الإعداد، وهو الجانب الروحي والعقدي، الذي يعتبر حصن الشباب وسلاحهم الأهم في مواجهة مخطط الأعداء وهذا ما فطنت إليه الجماعات الإسلامية، لا سيما في قطاع غزة، حيث قامت بتكثيف جهودها لدعوة الناس بشكل عام والشباب بشكل خاص للعودة إلى الله، والرجوع إلى الأصالة والجذور الأخلاقية والإسلامية وذلك عبر المساجد والندوات الدينية، والجامعات والمعاهد الدينية، التي لعبت دورًا كبيرًا وفاعلًا في تربية جيل مؤمن صالح، وفي بناء قاعدة شبابية واعية لأبعاد صراعها مع أعداء الله وأعدائها، وأعداء البشرية عامة من بني يهود، مدركة أن وسيلة التعامل والتفاهم معهم، لا تكون بغير الجهاد والقتال.

وهكذا نرى أن الحركة الإسلامية في فلسطين حديثًا، والتي جاءت كرد فعلي للمخطط الصهيوني المدمر، قد اعتمدت لمسيرتها نحو التحرير والعودة مراحل ثلاث:

مراحل التحرير الثلاث:

  • بناء القاعدة الصلبة والجيل المتين المتشرب لروح الجهاد والتحدي.
  • وممارسة الصدام المدني الشامل مع العدو المغتصب لاكتساب تجربة ميدانية.
  • وخوض الجهاد المسلح ضد المعتدين لتحرير کامل الأرض الفلسطينية.

وكان من نتاج ذلك البناء المتين الشامخ، تلك العمليات الجهادية البطولية الجريئة التي قام بها الشباب والشابات المسلمات ضد الصهاينة كالطعن بالسكاكين، وعمليتي البراق والشجاعية الشهيرتين، وما تبعها من قرار حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لتفجير الانتفاضة في ٨/ ١٢/ ١٩٨٧ في قطاع غزة، وتعميمه على كل مدن وقرى ومخيمات فلسطين، والتي أصبحت في مسيس الحاجة لوعي الشعب وإدراكه لما يحاك ضدها من محاولات إجهاض مستميتة على أيدي الصهاينة، وبأيد عربية وفلسطينية ودولية، باسم مشاريع الحلول السلمية البراقة.. ولعل من الإنصاف القول بأن قيادة الحركة الإسلامية كانت قد اتخذت قرارًا في صيف عام/ ١٩٨٥م بدعوة عناصرها في كافة أماكن وجودهم في فلسطين المغتصبة إلى القيام بالمظاهرات والصدامات مع العدو، ليبدأ بذلك مشوار التعبئة الجماهيرية العامة وكان لحادثة المقطورة الصهيونية في ٨/ ١٢/ ١٩٨٧م التي راح ضحيتها أربعة شباب انتقامًا لطعن يهودي في غزة قبلها بيومين على يد أحد الشباب المسلم، وما تلاه من تشييع لجنازة الشهداء في مخيم جباليا بقيادة الشباب المسلم -كان لها أكبر الأثر في تحديد الحركة الإسلامية لساعة الصفر المنتظرة، لتنفيذ قرار الصدام مع اليهود. حيث بدأت الحركة الإسلامية تعمل باسم حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التي سارعت باعتماد هيكلها التنظيمي المتوائم مع متطلبات الانتفاضة الصدامية اليومية، والمساير لحركتها وتطورها واستمرارها. ولم يمض أسبوع على إشعال الفتيل الأول في مخيم جباليا، حتى التهبت الأرض تحت أقدام اليهود في قطاع غزة، وتحولت حياة الجنود الصهاينة إلى جحيم.

فسارعت حركة حماس إلى إصدار وتوزيع بيانها الأول بتاريخ ١٥/ ١٢/ ١٩٨٧م- الذي كان أول بيان يصدر في الانتفاضة- هددت فيه العدو بأنها ستقابل عنفه بعنف أشد منه، وأكدت أنها انطلقت بهذه الانتفاضة لتبرهن على أن الإسلام هو الحل العملي والفعلي لقضية فلسطين، ولتثبت أن الركض وراء الحلول السلمية والمؤتمرات الدولية الفارغة، ليس أكثر من وهم وإضاعة للجهد والوقت معًا.

فرق السواعد الرامية:

وعلى أثره عمت المظاهرات والصدامات مع اليهود عموم فلسطين، التي كانت تخرج من المساجد عقب صلاة كل جمعة. فمن مخيم جباليا كانت البداية، وكان الشهيد الأول «حاتم أبو سيسي»، ثم تبعه الشهيد «خالد أبو طاقية»، وتبعه مخيم رفح بعد استشهاد «عطوة أبو سمهدانة» انتقامًا لطعنه جنديا صهيونيا بسكين في ١٦/ ١٢/ ١٩٨٧م، ثم انتقلت المظاهرات إلى غزة فالخليل فالقدس التي شهدت أحداثًا ساخنة دفاعًا عن المسجد الأقصى، حيث سقط الشهيد «خليل حسني» بتاريخ ١٨/ ١٢/ ١٩٨٧م. وبعد مضي شهر كانت الانتفاضة تتصاعد وتمتد لتطول كل نجوع فلسطين وعندها قامت حركة «حماس» بتشكيل لجان تتولى توجيه العمل الميداني وإمداد المحتاجين بالمؤن، ونقل الجرحى وإسعافهم...، كما كثفت نشاطها في تحريك الجماهير ورفع معنوياتها وتطوير قدراتها الميدانية، لتصعيد الانتفاضة واستمرارها حتى تحرير فلسطين. ومن أجل ذلك كونت المجموعات الضاربة «فرق السواعد الرامية» وصعدت المواجهات باستخدام القنابل الحارقة، وإشعال الحرائق في الغابات والمزارع.

ورغم لجوء العدو إلى وسائل الدس والوقيعة عن طريق العملاء، وتوزيع البيانات المزورة، واستغلال الخلافات في المواقف السياسية، وتصعيد حملات القمع باستخدام الطائرات والزج بحرس الحدود وقطعان المستوطنين في معارك المواجهة، إلا أن الانتفاضة بقيت صامدة راسخة بفضل ما تميزت به من سمات ومظاهر، أهمها:

  • بروز العمق الإسلامي، وتصدر حركة «حماس» لقيادة الجماهير في الصدامات والمواجهات.
  • التنظيم الدقيق في حركة الجماهير، وفي خطط المواجهة في جميع مراحلها.
  • كثرة تساقط الشهداء من الشباب المسلم.
  • تشكيل لجان المساجد والإغاثة والزكاة والتعبئة الجهادية.
  • انتشار الشعارات الإسلامية في المظاهرات وعلى جدران المدن والقرى والمخيمات.
  • مشاركة أبناء فلسطين بشتى اتجاهاتهم ومختلف أعمارهم في الانتفاضة، وضربهم المثل الأعلى في التعاون والتكافل والوحدة والإيثار.
  • تنفيذ الجماهير لجميع تعليمات حركة «حماس» والقيادة الوطنية الموحدة.
  • البطش اليهودي والعنف اللا إنساني في مواجهة الجماهير.

هذا... وقد أعلنت حركة «حماس» في بيان لها صدر في شهر يناير/ ۱۹۸۸م أن أهدافها في قيادة الانتفاضة تنحصر في نوعين:

الأول- الأهداف الآنية: وتدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين، ورفض سياسات الإبعاد ومنع السفر ومنع جمع الشمل والضرائب الباهظة، ورفض الاحتلال الإداري والممارسات الهمجية ضد المدنيين ونشر الرذيلة والفساد.

الثاني- الأهداف المرحلية: وتتضمن رفض الحلول الإسلامية، والعمل على طرد الصهاينة المغتصبين وتحرير الوطن والمقدسات من رجسهم.

قوى الانتفاضة:

وبهذا... آمل أن لا أكون مغاليًا، إذا ما أوضحت أن القوى المشاركة في الانتفاضة يمكن تقسيمها على النحو التالي:

(۱) حركة المقاومة الإسلامية «حماس»: وتعتبر القوة الشعبية المبادرة باتخاذ قرار الانتفاضة في ٨/ ١٢/ ١٩٧٨م. وهي الذراع الضاربة لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين وتكاد تكون الحركة الوحيدة الفاعلة والقادرة على قيادة الجماهير في قطاع غزة، والذي يعد الأكثر سخونة في نقاط الصدام، ومركز الانطلاقة الميمونة، وبؤرة الجحيم للصهاينة الذين أبدوا استعدادهم للتخلي عنه للإدارة الأردنية في يناير/ ۱۹۸۸م!! كما أن حركة «حماس» استطاعت إبان الانتفاضة أن تحقق امتدادًا جماهيريًا متفوقًا في معظم مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، لا سيما في قرى ومخيمات رام الله، وجنين، والخليل، وبنسبة أقل في نابلس والقدس وقراهما ومخيماتهما. وكذلك في بيت لحم وطولكرم.

(۲) القوى التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والجماعات الإسلامية الصغيرة: وهي القوى التي قررت المشاركة في الانتفاضة بعد انطلاقتها المفاجئة لها. وتتركز قوة فصائل المقاومة في الضفة الغربية، لا سيما في طولكرم وقراها ومخيماتها وبيت لحم وقراها ومخيماتها ومدينة نابلس ومدينة القدس وبعض قراها ومخيماتها، وهي تلتزم بتعليمات «القيادة الوطنية الموحدة» التي تضم «فتح- الشعبية- الديمقراطية»، حيث انسحب منها الحزب الشيوعي. كما أن «تنظيم الجهاد الإسلامي» قد ساهم في قطاع غزة في الانتفاضة بشكل محدود، رغم ما يحمله من أفكار صدامية ومن كونه تشكيلًا عسكريًا. وترجع أسباب مشاركته المحدودة إلى قلة جماهيره في قطاع غزة وشبه تلاشيها في الضفة الغربية، وإلى كون معظم قياداته في السجون قبل الانتفاضة، وهناك أمر يستحق الوقفة عنده، وهو مشاركة «حزب التحرير الإسلامي» في هذه الانتفاضة وتبني أسلوبها، علمًا بأنه حزب سياسي وجمهوره محدود. ولا شك أنه والجهاد الإسلامي يلتقون في معظم ما تطرحه «حماس» حول قضية تحرير فلسطين ومقاومة اليهود.

الانتفاضة وحشد الطاقات:

ومن أجل هذا.. فإننا نهيب بأولئك الإخوة الذين ما زالوا يرون في استخدام الانتفاضة كورقة ضغط على العدو والمجتمع الدولي للوصول إلى كراسي المفاوضات وعقد المؤتمر الدولي، من أجل تحقيق مكاسب لا تذكر على حساب أرض فلسطين وحقوق شعب فلسطين الشرعية -نهيب بهم أن يعيدوا النظر في سياستهم التنازلية، وأن يعملوا على حشد الطاقات المادية والمعنوية، ودفعها باتجاه تصعيد أشكال الجهاد والكفاح وتوسيع ساحاته، والتخطيط لمراحله المتتالية على أساس تطوير أساليب وأنواع الأداء الجماهيري والتنظيمي للانتفاضة، انطلاقًا من إيمان قوي وعقيدة راسخة، بأن كل فلسطين حق لنا، وأن سبيلنا إليها لا يكون إلا بالجهاد والقتال.

 

الرابط المختصر :