العنوان هذه هي مصر..!
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر السبت 21-مايو-2005
مشاهدات 78
نشر في العدد 1652
نشر في الصفحة 45
السبت 21-مايو-2005
بينما كان العالم مشغولًا بمتابعة أخبار اجتماع الجمعية العمومية لقضاة مصر كان الإعلام المصري كعادته غارقًا في سباته العميق، والأذكى من ذلك خرجت الصحف القومية بخبر صغير يعرض عكس ما حدث، ويبشر جمهور القراء بأن قضاة مصر وافقوا على الإشراف على الانتخابات، تمامًا عكس ما قال القضاة وعلى النقيض من كل ما قالوه، فصحيفة الأهرام المصرية نشرت خبرًا مقتضيًا في الصفحة الأولى بعنوان: «القضاة ملتزمون بالإشراف الكامل على الانتخابات الرئاسية المقبلة».
وهكذا فالأهرام لم تر في اجتماع الجمعية العمومية لقضاة مصر شيئًا مفيدًا سوى أنهم ملتزمون بالإشراف على الانتخابات رغم أنهم رفضوا ذلك وأكدوا أن موافقتهم مشروطة...
أما صحيفة الجمهورية، فرأت أن قضاة مصر متحدون ولا يعانون من انشقاق وأنهم يرفضون التدخل الأجنبي ولكنها لم تقل لنا: هل يقبلون الإشراف على الانتخابات أم لا؟
واقرأ «صحيفة أخبار اليوم» لتعلم أن اجتماع الجمعية العمومية لقضاة مصر كان بسبب موقفهم من قانون السلطة القضائية وليس بسبب الإشراف على الانتخابات!
أما الشارع المصري فهو يغلي والناس تتساءل أين تتجه مصر؟ لكن الصحافة المصرية تصور لنا الأمور وكأن كل شيء يسير وفق الخطة ونحو الأفضل.
ناهيك عن التلفاز والإذاعة اللذين اختفيا خلف أخبار وآراء وتعليقات لا علاقة لها من بعيد أو قريب بالموضوع..
العالم يترقب ما الذي سيحدث في الأيام القريبة والصحافة المصرية تبشرنا بعلاوات وزيادة معاشات لا بل تنشر أخباراً مستفزة عشية انعقاد الجمعية العمومية لقضاة مصر، مفادها أن بدل الإشراف على الانتخابات للقضاة سيرتفع من ٦ آلاف جنيه إلى تسعة أو عشرة آلاف جنيه... وكأن قضاة مصر الشرفاء في حاجة إلى تشجيع مالي من أجل ستر عورة النظام ولكي يؤمنوا له غطاء قانونيًا لتصرفاته الخارقة للقوانين..
العالم كله تابع وقفة القضاة العظام في الجمعة العظيمة، وأعتقد أنه لا أحد قرا رسالة القضاة بنفس الطريقة الخاطئة التي قرأها النظام وأجهزة إعلامه...
الدنيا تنتظر قرار القضاة وكلمتهم الأخيرة والفضائيات تتسابق لتسمع منهم مباشرة والإعلام المصري ينقل عنهم ما لم يقولوه وينسب إليهم ما لم يتفوهوا به..!!
قرأت تصريحات رئيس نادي قضاة مصر المستشار زكريا عبد العزيز، وأعجبت بإصراره وتمسكه بقانون السلطة القضائية، وتمسكه بالشروط التي وضعها القضاة لكي يشرفوا على أي انتخابات أو استفتاءات..
تابعت المستشار هشام البسطويسي عبر الفضائيات ووجدته وطنيًا متحمسًا تأبى عليه كرامته أن يتحول وهو قاض إلى شاهد زور على انتخابات يعلم هو ورجال القضاء أنها مسرحيات معدة سلفاً، وسمعته يتصدى لكل دعاوى الاحتواء الحكومية ويندد بمحاولات الوزير التدخل والهيمنة والإغراء..
استمعت بإعجاب شديد للمستشار أحمد صابر المتحدث باسم نادي القضاة وهو يؤكد مشروعية موقف القضاة وعلى جديتهم في تحذيراتهم للنظام من عدم الاستجابة لمطالبهم. وأنهم سيعطون النظام مهلة لحين انعقاد الجمعية العمومية غير العادية بعد شهرين.
لطالما وقف القضاء المصري مواقف مشرفة حين أبطل نتائج الانتخابات غير مرة وحين أفتى بعدم دستورية بعض القوانين التي تم تفصيلها على مدار ربع قرن من أجل الحفاظ على السلطة وإبقاء المعارضة في السجون أو في الشوارع بعيدًا عن المؤسسات النيابية والتشريعية، واليوم يرتفع صوت القضاة ليقول: «لا» بصوت واحد لكل الممارسات المخالفة للقانون ليكرروا بذلك مواقف شامخة يشهد بها التاريخ لقضاة مصر.
ما حدث يوم الجمعة العظيمة هو تأكيد على شموخ القضاء ورفعة القضاة، وانحيازهم لمصر وحدها..
إذا كان الشارع المصري قد تحرك بنقاباته وهيئاته وجمعياته وعموم مواطنيه
وإذا كان الإخوان
قد رفضوا الصمت
وإذا كانت حركة «كفاية»
قد ولدت من رحم الكبت
فإن قرار القضاة الأخير
قد أعاد إلى مصر هويتها
لا صمت بعد اليوم.