العنوان المجتمع الثقافي (1786)
الكاتب حازم حسين
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2008
مشاهدات 61
نشر في العدد 1786
نشر في الصفحة 44
السبت 26-يناير-2008
هكذا أرادت لنا العولمة..
حازم حسين
أن تتحول حياة شبابنا وفتياتنا إلى سطحية مفرطة تختزل فيها القيم وترفع شعارات الضياع والمسؤولية....
حين ينشغل الناس بالتوافه وسفاسف الأمور، وحين تكشف العولمة عن وجهها البشع المتمثل بما نشاهده عبر وسائل إعلامَنْا وفضائياتنا التي غزت بيوتنا واستهلكت أوقاتنا وأوقات شباب هذه الأمة بما يخدش الحياء وينزع ثوب العفة عن أمة أراد الله لها الخيرية على هذه الأرض، في ذلك الوقت تدرك تمامًا أي مواجهة نحن بصددها.
نحن أمام عدو خطير لا يرحم، يتسَلْل إلى مخادعنا بكُلَّ نعومة وخبث لينتهك بكُلَّ صفاقة ومجون أوقاتنا، ومَنْ بعد أوقاتنا قيمَنْا ومثلنا العليا، وما تحاول أن نربيه في أجيالنا القادمة مَنْ حياء وعفة ومروة وحسن خلق.
إننا اليوم في معركة ينبغي أن نعد لها العدة المَنْاسبة وإلا خرجت الأمور عن السيطرة وأصبحنا في سوق كبير تكثر فيه البضائع المحرمة ويزداد فيه عدد المرتادين والمتسوقين، وتبور فيه بضائع القيم والمثل.
لا بد مَنْ مواجهة العولمة - التافهة تلك - بمزيد مَنْ الشخصين القائم على إيجاد البدائل المَنْاسبة المَنْبثقة مَنْ واقعنا الحالي وبمزيد مَنْ النوعية بخطورة ما يبث عبر وسائل الإعلام المختلفة.
لم يعد يجدي في زماننا هذا سياسات المَنْع والإغلاق، فالفضاء مفتوح على اتساعه ورحابته، ولم بعد مقبولًا في وضعنا الذي نحن فيه أن ترفع شعار الحجر والتحريم، بل لا بد مَنْ مواجهة هذا الإعلام بإعلام مدروس ببين تمامًا حقيقة المواجهة وأبعادها؛ فيعد مَنْ البرامج والخطط ما يكون كفيلًا باستقطاب الشباب والشابات إلى نوعية مَنْ البرامج الرضي أذواقهم بصورة بعيدة عن السطحية أو الجمود، مغلقة بإطار جذاب يشد أبناء هذا الجيل الذي بات يستهويه الشكُلَّ أكثر مَنْ المضمون. هل نستطيع أن تكون على قدر التحدي ونواجه أزمة العولمة التافهة ذلك بعولمة الأصل لا البديل، وبالتالي تحمي أنفسنا وأجيالًا مَنْ بعدنا مَنْ خطر الانزلاق في وحل الرذيلة والانحراف؟
اعتقد أننا قادرون خصوصًا أننا نملك تراثًا حضاريًا يمكن أن توظفه توظيفًا إعلاميًا راقيًا نضمَنْ بذلك سَلْامة المضمون وجودة الشكُلَّ ورقيّه، لكننا نفتقر حتى الآن إلى الإمكانات المادية والبشرية المؤهلة لخوض غمار هذه التجربة الصعبة وهذا التحدي العصيب.
الشهيدة... جدة الشهداء!!
عند مطلع كُلَّ عام أقرِّر أن أدفع الخيبة التي تعلق بي وأهمس لك بكُلَّ دفء:
عيدك سعيد يا عبد الله..
كُلَّ عام ووجهك الغائب.. الحاضر بخير.
لكن يسقط أملي في عصمة خيبة أخرى، فلا أجد غير «آه» تتفجر في أحلامي وتُورق بطاقة بلون شتاتي.. عند مطلع هذا العام .. ماتت أمك.. جدة الشهداء .. كم كنتُ أحبها!!
مَنْ الدهشة الأولى أَدْرَكَتْ أني طاعنة في اليُتْم فغمرتني حبًا .. مَنْ الصباح الأول لزواجنا، انحنيتُ على جبينها لأهديها تحية فجر شاحب .. فوجدتها تحضن يُتْمي وتتمتم «صباحك جميل، يا بنيتي». مَنْذ الدمعة الأولى التي كشفت لها ضعفي لم تعد تناديني إلَّا «بُنيتي» كم كنتُ يتيمة، لكنها مرت بحنانها على فراغي.. كنتُ أرعى ضعفها كأولادي... ألملم عجزها وأنا أنقذ وصية الوداع الأخير «أمي... أمي يا فاطمة» وصيَّتك كانت مبتورة، لكنني كنتُ وفية للشطر المبتور.. خيمتها ظلت تجاور خيمتي .. وحزنها على رحيل أحفادها يعانق حزني.. فجاة .. قررتْ أن تحجَّ هذا العام .. قالت لي: عندما أقف في جبل عرفة سأدعو لولدي عبد الله لكي يتطهَّر مَنْ خبث المؤتمرات.. وسأدعو لأحفادي الشهداء أن يعودوا إلى حضني !!
أوشكت أن أرد عليها: الشهداء لا يعودون يا أم الغائب!! لكنني تركتها على اعتقادها ... ولم أكن أدري أنها إشارة للرحيل إليهم.. أمك فقيرة.. فقررتُ أن أبيع خيمتي لأوفر لها تكاليف الحج.. قُلْت في نفسي: «ماذا تستر خيمة مَنْ امرأة عارية المشاعر؟!!» لكنها بادرت ببيع خيمتها وهي تهمس لدموعي الحارقة: «لن أكون بحاجة إليها بعد اليوم.. يكفيني هذا الرداء الأبيض». لم أفهم ما ترمي إليه، فتدثرتُ بصمتي كنتُ وحدي أودِّعها عند معبر رفح .. حزنها موجع ولم تجد ولدًا يبتسم لضعفها .. ولا أحفادًا يتعلقون بثوبها الأبيض ويتوسَلْون إليها أن تعود محملة بهدايا مَنْ مدينة خاتم الأنبياء.. أحسستُ بجواري الفارغ عند ذهابها .. لكنني رحتُ أتسَلْى بأوجاعي وأنتظر عودتها محملة برائحة الدعاء... أمُّكَ لم تعد.. المفاوضات ظلت تعبر على جسدها الضعيف.. مَنْ أين تعود إلى ديارها؟!! كُلَّ المعابر التي تخدش كبرياءها فُتحت لها .. وأُغلق أمامها معبر رفح .. ولم يتحمل ضعفها مفاوضات تزحف على بطنها ... فماتت... الفضائيات العربية نقُلْت خبر موتها.. أمك. الآن. جثة هادئة داخل سفينة باردة .. وأنت هناك.. مازلت على شريعة التفاوض.. جدة الشهداء لحقت بأحفادها .. وأنا هنا أحسن بلوعة فقدها، لأني كنت أراك مَنْ خلالها ... فهل سأنتظر طويلًا لأراك، أو لألحق بها؟
تحياتي إلى الزّهّار
رافع بن على الشهري
سَلْ كُلَّ شِبرٍ ببيت القُدسِ مَنْ فيه | سَلْ عن أسود تَرَبَتْ في مَغَانيها |
سَلْ أهل حيفا ويافا عن براعمهم | وبيت لحم عكا سَلْ أهاليها |
وسائل البحر حتى النهر عن بلد | يدعى فلسطين مَنْ ذا سوف يحميها |
والله لا يحمي الأوطانَ مرتزق | ولا عميل يوالي مَنْ يعاديها |
ولا الذي جاء في ركب العدو على | دبابة ليس فيها غير راميها |
أو الذي دلهم يوما وأرشدهم | إلى الدّيار يعينوا في نواحيها |
لا يطرد الغازي المحتل منهزم | يخشى الغزاة فيرضى أن يواليها |
أو مَنْ قضى عمره يهوى السلام على | شرط بنته بنو صهيون يرضيها |
قُلْ للذي فاوض المحتل يخيره | أن الشروط لأهل الدار تمليها |
ونحن في أرضنا والقُدسِ أوله | وما تبقى مَنْ البلدان ثانيها |
قُلْ للذي شن حربًا ضد إخوته | أهديت صهيون نصرًا مَنْ أمانيها |
بديتها طفلة في ظهر أمتنا | ورمية فاستقرت في تراقيها |
وقفت في صفها حقا لتحرسها | مَنْ إخوة جاهدت في الله باريها |
قد كان حلماً لها واليوم تحصده | كما نراه يقيناً في أياديها |
كتبت للدهر في التاريخ ملحمة | سوداء كالليل كُلَّ سوف يرويها |
تا الله لن ينقذ القُدسِ التي أسرت | إلا رجالاً عظامًا في ضواحيها |
عاشوا على أرضها التاريخ مزدهرًا | واليوم فيها وفي أقصى روابيها |
وفي فلسطين من عكا إلى رفح | ومن ذرا شرقها حتى شواطيها |
هم عاشقوها وهم مَنْ سوف ينقذها | وهم بنوها وهم مَنْ سوف يبنيها |
استنشقوا العطر فيها منذ نشأتهم | وهلها والخزامي في بواديها |
آباؤهم قد سقوها مِن دمائهم | وكُلَّ جيل من الأبناء يسقيها |
شبابها صيروا الأحجار أعيرة | ضد الغزاة لترمي في نواصيها |
كم سعروا من بطولات لها شهدت | صهيون والغرب والتاريخ يحكيها |
كانت بطولات شعب ضد مغتصب | حل الدّيار وأضحى في مبانيها |
كانت بطولات من أمسى وقد سَلَبت | مَنْه الحقوق وصارت ملك فاضيها |
لقد شروا في سبيل الله أنفسه | وبائع النفس في الرحمن يغليها |
قُلْ للذي ظن أن النصر معجزه | هدا ستلقى بنو صهيون ماضيها |
تلقي التشرد والإذلال والمحن | وسوف تزداد مَنْ تاريخها تيها |
قُلْ إن مَنْ ينصر الرحمن ينصره | وعزة النصر في الدنيا سجنيها |
«الحداثة العربية» في حفل الوداع
د. محمود خليل
د. عبد العظيم المطعني: حاولوا نسف اللغة والدين وقطع خطوط التواصل بين البشر.. فنسفتهم الأمة وقطعت صلتها بهم.
د. عبده زايد: صناع «الحداثة» عادوا يتبرأون اليوم جميعًا من هذا الفعل الشائن !
د. كمال نشأت: معجمهم لا يتجاوز أربعين كلمة.. وهم لا يعبرون عن ذواتهم.. بل يسترضون كبيرهم الذي علمهم السحر.
رحم الله العلامة «أنور الجندي» حين كتب في وقت مبكر، عن سقوط الأيديولوجيات، وكيف يملأ الإسلام الفراغ، وفي ظل حمى هذه الأيديولوجيات والنظريات المتهافتة، لم تأخذ الحداثة «كثير» جهد، ولا فضل بحث، لكشف عوارها المبكر، وضبط عملائها وهم متلبسون بالعمالة والخيانة لأمتهم ورسالتهم عمدًا، إلى الحد الذي كان يباهي فيه البعض منهم بعمالته، حتى تبين أخيرًا.. من خلال الوثائق «من كان يدفع أجر الزّمار»!
وفي خنادق الحصانة الحضارية وعلى التخوم دائمًا تجد الأمناء الشرفاء في كل وقت وحين.. فعلى خطی د. محمد محمد حسين، والعلامة محمود شاكر، وفريد وجدي، ومحمد المبارك، ومالك بن نبي… سار محمد قطب، والقرضاوي، وجلال كشك، وأنور الجندي، ومحمد عمارة وغيرهم... فأخذوا بتلابيب هؤلاء الخونة فردًا فردًا.. وقاموا برفع بصماتهم من سجل التاريخ، فيطل السحر وانقلب على السحرة .
کشفناهم وفي موسم لملمة «الحداثة» وأبنائها لأوراقهم، وخروجهم كاسدين بائرين من سوق الإبداع والفكر يقول د. محمد عمارة: إن أخطر ما في هؤلاء اللصوص أنهم يحاولون سرقة رموز وفعاليات حركات التجديد الإسلامي لحسابهم.. ولكننا كشفناهم وضبطناهم في وضع التلبس بالفعل الشائن، وهم جميعًا يعيشون اليوم محنة.. ويعدون الحفل الحداد عما قريب، وقد سقطت هذه الفلسفة برمتها. لكن صوتها الأعلى لدينا كان في ميدان الأدب.. وقد صفعهم العقلاء والشرفاء في كل مكان، وردت الأمة إفكهم وضلالهم دون سابق إنذار.
فوضى
أما الناقد عبده زايد الأستاذ بجامعة الأزهر: فينعي على هذه المعركة متمثلًا بقول الشاعر:
رب يوم بكيت فيه فلما
صرت في غيره بكيت عليه
فقد كنا محزونين بالأمس القريب، حيث كانت معركتنا تدور حول «التفعيلي» أم «المقفى».. إنما معركتنا اليوم تدور بين الشعر واللاشعر.. بين الفن واللا فن.. بين الأدب واللا أدب ...!!
وسوف أستدل ببعض الشهود من أهلها ... «ومن فمك أدينك يا يعقوب» إذ يقول أحمد عبد المعطي حجازي: «القصيدة الجديدة التي انتهى أمرها إلى هؤلاء الشعراء الشبان، ليس لها مستقبل، إن صفة الشعر تلصق الآن جزافًا على أي كلام لا ينتهي عند نهاية السطر والحديث عن أخطاء النحو والصرف والعروض أكبر من أن يحيط به كلام، أو تصفه حقيقة، فالحد الأدنى من الشروط المطلوبة في الكتابة لكي تعتبر شعرًا أو مجرد لغة غير موجود في كثير مما ينشر في الصحف والمجلات وحتى في والدواوين.. والأمر لا يقتصر على المدعين وحدهم.. فالموهوبون يشاركون بدورهم في الكتب هذه الفوضى».
ثم يضيف أ. د. عبده زايد: ولكل الحداثيين نقول: «وما حداثتكم إلا من الحدث».
خارج الوعي
أما الدكتور جابر قميحة الأستاذ بكلية الألسن، فيرى أن الحداثة فكر خرافي مخمور غير قابل للتطبيق على أرض الواقع؛ لأنها استبدال متعمد للإبداع بالفوضوية، وتحويله إلى لعبة عبثية، وأُلهية هامشية ليس لها وجود إلا خارج الوعي والزمن والدين والتاريخ والإنسان.. وكل ما قرأته . على كره مني . لهؤلاء حتى الآن لا يعدو أن يكون «خلطات سحرية» و«أعمال آلية ساذجة» لا روح فيها، ولا فن.. أستطيع بكل اطمئنان أن أقول إن أصحابها يبحثون الآن عمن يزيل الأكفان عنهم ليواريهم التراب من سوء ما بشروا به أمتنا، ذلك لأن حركة الحداثة بكل حدث ما أحدثت وحدثت... تتلخص في «حدث» واحد يكتبه متشاعرون عدة من المتعثرين والمعدمين، ولكني أحب أن أصارح. والكلام للدكتور قميحة. بهذه الحقيقة، وهي أن الموهوبين من هؤلاء.. المضحوك عليهم والمغرر بهم قد عادوا إلى مرافئهم الإبداعية التي يرسو عليها سفين الشعر العربي السليم.. ولديَّ أسماء عادت بدواوين كاملة من الشعر الموزون المقفى بعدما أبحرت لفترة في هذا البحر اللجي، وقد اعترف مؤخرًا أحد أبرز رموز الحداثة في ميدان الشعر «المحدث» فقال: لقد فقدت الحداثة اليوم مواقعها جميعًا في الجامعة والشارع والمنتدى والمنزل، وأنهت البنيوية مهامها وبدأت تأخذ مكانها على الرف التاريخي».. ولكني أقول: ليس على أرفف التاريخ أماكن شاغرة لهذا الخبث؛ إنما الواقع أنها أخذت أماكنها الطبيعية في مزابل التاريخ، ذلك لأن الحداثة العربية قد تغيرت لنفسها ـ من أول يوم ـ كل دروب الفشل والموت والعدم، فسارت بظلفها إلى حتفها، ومضت إلى غير رجعة.
الكاهن الأكبر
ولأن كاهن الحداثيين العرب «أدونيس» لا يتخطى معجمه الشعري أكثر من «٤٠» مفردة، كما بين ذلك بالتحليل والتعليل الناقد الكبير د. كمال نشأت.. وهذه «الأربعون»، وهي كل معجم شعراء الحداثة. خاصة المصريين.. منها «الجسد، المرايا، الماء، النار، الجمر، البرتقال، الطقس، الخريطة، تدلى، تدحرج... إلخ»، لذلك فثمة فقر لغوي یوازيه فقر إبداعي ـ إن وجد ـ لدى هذه الأقليات الشعرية في العالم العربي، ولعلهم يريدون أن يقتصدوا في كل شيء، في الحبر وفي الورق، وفي الوزن، وفي النحو والصرف، وفي قواعد اللغة العربية، وألفاظها، بحيث تخرج من عالمهم وأنت مصاب بفقر الدم، وفقد الذائقة، وضيق النفس، وارتفاع الضغط.
ویری د. کمال نشأت أن هذه المساحة المطلقة من الحرية التي أتيحت لهؤلاء المخربين، لحد أنهم مارسوا الشذوذ والتشويه والانحراف العمد، كان يفعل قاطرة النقد التي تم تدشينها عمدًا لتجر قاطرة إبداعهم المتعثر.. وهذا أمر غريب وعجيب .. أن تسبق الدعاية النقدية أي رصيد إبداعي، أو تراكم شعري يمكن أن ينظر إليه، فالمفروض أن يكون النقد تابعًا للإبداع، لكن الحداثيين العرب جميعًا ينسجون أعمالهم وتعويذاتهم وتمائمهم على نسق نقدي مسبق، فهم لا يعبرون عن ذواتهم؛ إنما يسترضون كبيرهم الذي علمهم السحر !!
عرّابون وخونة
بينما يرى أ.د. عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر «أن اللغة الحداثية لغة تجديف وتخريف، فهي تقاطع القيم، وتعادي الوجدان، وهي لغة بدائية فجة، تلجأ إلى التعرية أكثر من التورية، ومع ذلك فهي إبهام والغاز وأحاج وأحجبة، ومهمة أصحابها الأساسية، هي تجاوز كل ما هو مشترك بين البشر، ومحاولة نسفه وتدميره، لذلك فكل خطوط التواصل بينهم وبين الناس مقطوعة وممنوعة؛ لأنهم يخاطبون الجماهير بلغة « واق الواق» ويتعاملون مع اللغة دون وعي أو فهم أو رسالة، وكل هذا الافتضاح والقبح والسوء، يتم الترويج له لدى الكثير من الأجهزة والفعاليات الرسمية تحت الدعوى المفضوحة ـ حرية الإبداع ـ التي ارتكبوا باسمها أبشع جرائم العمالة والخيانة والتخريب؛ فهم «أبناء المعلم يعقوب» عرَّاب الحملة الفرنسية، وهم عملاء مكشوفون في أرجاء أمتنا منذ سلامة موسى ولويس عوض، وغالي شكري، ويوسف الخال، وأدونيس وحتى الصغار منهم الذين لا أسمح لقلمي أن يجري ذكرهم عبر مداده الشريف».
هذا وقد كان الناقد الكبير الراحل د. محمد مصطفى هدارة قد كشف الحقيقة التي كان يجب أن تقال في وجوه الحداثيين العرب، والتي مفادها أن جبران خليل جبران شاعر المهجر المعروف، هو أول من خلَّص اللغة العربية من هيمنة المقدس فيها، المستمد من علاقتها بالقرآن الكريم؛ فهو أول مؤسس للحداثة.. لا لأنه كتب شعرًا حداثيًا، ولكن لأنه كتب بلغة عربية لا تستمد من أصولها التراثية، بل تعبر عن الفكر اليوناني اللاهوتي المسيحي في أبعادهما الكونية، وكان «أنس الحاج» صريحًا في مقدمة ديوانه «لن» حين قال: من أجل التحرر من القوالب الجيدة للغة، فإن الشاعر يرى واجبه الأول متمثلًا في الهدم الحيوي المقدس!!
وهذه هي رسالتهم التي يمارسونها على حد تعبير كمال أبو ديب أحد كهانهم «في الثورة على المعرفة العقلية. وعلى المنطق والشريعة للخلاص من المقدس، وإباحة كل شيء للحرية»..
ورحم الله «أبا نواس» الذي يسرقونه من أمته ويسرقون منه توبته حين قال يومًا :
أعيذك بالرحمن من شر كاتب
له قلم زان وآخر سارق
فهؤلاء الحداثيون العرب ـ وهم يتخافتون اليوم ـ وقبل أن يمروا بالجريمة ساقطين يجب أن تقول فيهم الأمة كلمتها، إحقاقًا للحق، وإبطالًا للباطل... ذلك لأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل