العنوان هلاله في السماء ونوره في القلب.. خواطر إيمانية في الشهر الفضيل
الكاتب رجاء محمد الجاهوش
تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012
مشاهدات 135
نشر في العدد 2012
نشر في الصفحة 36
السبت 21-يوليو-2012
نفحة ربانية تمتد شهرًا كاملًا وتفد إلينا مرة كل عام.. ما أعظم عطاء الرب وما أرحمه بعباده
ذكرى: أنلتقي هذا العام..؟ أتجمعنا تلك البقعة المباركة -بصمت- كما جمعتنا وحدنا سنين عديدة؟
طالما سألت نفسي: ما الذي غيب نساء الحي عن مصلانا، أزهدن فيه لصغر حجمه أم ماذا؟
أتذكرين يا...؟!
لحظة كنت أسابق النسمات كي أصل أولًا، لكنني -رغم قرب المكان- كنت دومًا المتأخرة!
كم حثثت الخطا وقلبي يلهج: «اللهم إني أقبلت عليك فاقبلني وتقبل مني؛ اللهم صل على محمد، اللهم افتح لي أبواب رحمتك».. ها قد وصلت، ألقي التحية وألج، فيستقبلني محياك بابتسامة عذبة ونظرة خجلي، فأباد لك الابتسامة بابتسامة، وقبل أن نهم بالحديث يعاجلنا الإمام بإقامة الصلاة فتصطف لأدائها.
نقف بخشوع مستشعرين خلال الموقف، وعظمة المعبود -جل جلاله- فتسري السكينة في جوارحنا، وتهدأ القلوب وتستقر!
نتحرر من أثقال كثيرة أعيت أرواحنا على عتبات السجود، وعندما ترفع أكفنا بالدعاء تفر من محاجرنا دموع حبست بقسوة لتفضح ضعفنا، وتغسلنا من أدراننا.. ثماني ركعات وحدت بين قلبينا برباط خفي، في حين عجزت أحاديث كثيرة وزيارات متكررة أن تفعل ذات الفعل!
لا غرابة؛ فإن الاجتماع على طاعة يُنبتُ زهرة الحب في القلوب.
لم نتحدث إلا مرة واحدة
التفتت إلي -ذات مساء- بعد أن سلمنا سُنَنِ من الصلاة، وقلت: هل أعلمك سنة من سنن النبي ﷺ في الصلاة؟
- ليتك تفعلين.
- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فتنة المحيا والمماتِ، وَمِن شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدجال».
تظاهرت بالجهل ليلتها وشكرتك بامتنان، حتى لا أفسد عليك حلاوة ذلك الشعور الذي يسكننا عندما نقوم بواجب الدعوة إلى الله، وما أرفع مقام الدعوة والدعاة إن هم صدقوا وأخلصوا..
نفحة ربانية
هل هلال رمضان -يا من لا أعرف اسمها- وجاءنا يزف البشائر، فهل ما زلت على العهد أم شغلتك عن مصلانا الشواغل؟
أتانا يحمل بين لياليه صحائف بيضاء ناصعة، معه منها الكثير، بعدد أهل الأرض جميعهم، هي لنا، فمن أراد أن يستبدل صحيفته التي تلوثت بالسواد فما عليه إلا أن يتعرض لنفحاته...
يُقبل على الله بحب وخضوع، ويُري الله من نفسه خيرًا، فالأجواء قد هيئت له، فها هي مردة الجن والشياطين قد صفدت وأبواب جهنم أغلقت، وفتحت أبواب الجنة فَلَمْ يُغْلَقَ مِنْهَا بَابٌ، كل ذلك من أجلنا...
فما أكرمك عند ربك يا أيُّها الإنسان!
نفحة ربانية تمتد شهرًا كاملًا، وتفد إلينا مرة كل عام، ما أعظم عطاء الرب، وما أرحمه بعباده!
فمن ذا الذي يفتح لك بابه شهرًا كاملًا؟! ويقول لك: أقبل إلى لا تتردد، وسل تعط فهذا موسم الهبات؟!
مدخل شيطاني
يطاطئ بعضنا رأسه خجلًا، ويبتلع غصته وهو يعترف: أذنبت كثيرًا.. عصيت الله كثيرًا، فهل لي من توبة؟!
كيف لا؟!
والله -عز وجل- يقول في كتابه الكريم: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الفرقان: 70)
وهو القائل أيضًا: ﴿ ۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53)
وها هو -سبحانه- يخبرنا على لسان نبيه ﷺ في الحديث القدسي: «يا بن آدم إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لك على ما كانَ فِيك ولا أبالي؛ يا بنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتِ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أَبَالِي؛ يَا بَنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقَرَابِهَا مَغْفِرَةٌ».
يا عبد الله
املأ قلبك بالتوحيد، جدد إيمانك بـ «لا إله إلا الله»، ردّدها كأعذب نشيد، اجتهد في فعل الخيرات لتعوض ما فاتك، فرب ذنب ساق صاحبه إلى الجنة!
شامة
شهر ترتدي فيه الأمة الإسلامية أبهى الحلل، فتطل على الدنيا كشامة بين الأمم.
بذل وجود
يعطي الغني فيتخلص من شح نفسه، ويأخذ الفقير شاكرًا نعمة ربه.
بر.. وصلة رحم.. ووصل صديق: انتعاش مشاعر، وتوقد عاطفة، فمجتمع مترابط بوثاق متين.
جهاد، وتضحية، وتوحيد صفوف، تهذيب نفس، وتربية روح، وتنقية قلوب.
الكل يسعى دون كلل، رهبًا ورغبًا، فالجنة غالية، والفرصة محدودة!
تسبيح
يهبُّ النسيم العليل تسبيحًا، وتتمايل الأغصان تسبيحًا، وتغرد الطيور تسبيحًا، ويعلو موج البحر تسبيحًا، وتتلألأ النجمات في سماء ربي تسبيحًا، وينبعث ينبوع الضوء من الشمس تسبيحًا. قال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء: 44)
يا قلب.. أما آن الأوان أن ينتظم نبضك تسبيحًا؟!
ليلة.. وأية ليلة؟!
شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنبه، ليلة نزل فيها القرآن العظيم جملة إلى السماء الدنيا، ثم نزل على سيدنا رسول الله ﷺ شيئًا فشيئًا، ليلة تعدل عمرك كله بكل ما فيه، إنها ليلة القدر.
يَغْفِرُ اللَّهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا لِلْمُتَشَاحِنَيْنِ، فيقال: «أنظرهما حتى يصطلحا!»
ماذا ننتظر؟
ألسنا نحن الفقراء إلى عطايا الرحمن في مثل هذه الليلة، فما لنا نستكبر ونصر على العداوة والبغضاء؟!
شوق
وصل الوافد الحبيب يسبقه نوره، وما زالت خطاي تسابق نسماته نحو المسجد، يحدوني الشوق، وتحلق بي الآمال.
فيا من لا أعرف اسمها..
هل ترانا نلتقي هذا العام أيضًا؟
هل سأسبقك؟ أم سأصل متأخرة كالعادة!
من فوائد الصيام
ذكر الأطباء والعلماء قديمًا وحديثًا أن الصوم يهذب النفوس، وأنه يزكيها ويقويها وأنه يكسب الأجسام ملاحة وصحة وقوة، حتى قال بعضهم: «سافروا تغنموا وصوموا تصحوا»، و«صوموا تصحوا».. يروى هذا اللفظ ضمن حديث رواه ابن عدي في الكامل (7/ 2521) من طريق نهشل بن سعد عن الضحاك عن ابن عباس. «ونهشل متروك كان يكذب، والضحاك لم يسمع من ابن عباس».
فمعنى ذلك أن الصوم حماية للنفس، من الأخلاق المؤذية الضارة التي قد تفسد النفس وتوقعها فيما يضرها، كما أن فيه أيضًا تمرين النفس على الصبر والتحمل والمجاهدة، وأنت تحس بذلك إذا ما فاجأك أمر يحتاج منك إلى شيء من ذلك.
فالإنسان الذي تعود على الجوع، وصبر عليه مدة طويلة وصبر على الظمأ، إذا جاءه أمر مفاجئ، بأن وقع مثلًا في جوع شديد، أو إذا ظمئ ولا يوجد ماء وهو في سفر، أو انقطع عنه الشراب كما يكون في الأسفار أحيانًا، فإذا كان قد مرن نفسه على هذا العمل، لم يحس بذلك ولم يتأثر به، بخلاف من عود نفسه على تناول الشهوات في كل الأوقات، فإنه إذا افتقدها في وقت من الأوقات حصل عليه تأثر كبير، وأصيب بالأمراض وربما أتى إليه الهلاك بسرعة؛ وذلك لأنه لم يتعود هذا الأمر ولم يمرن نفسه عليه.
كما أن للصيام أيضًا فائدة أخرى، وهي أن الصائم إذا أحس بالجوع تذكر أهل الجوع الدائم؛ تذكر الفقراء والمساكين والمستضعفين، الذين يمسهم الجوع في أغلب الأوقات في أكثر البلاد الإسلامية، تذكر أن له إخوة يجمعهم وإياه دين واحد، دين الإسلام، يدينون بما يدين به، ويعتقدون ما يعتقده، وأنهم في جهد وفي جوع، وفي ضنك من المعيشة، فيحملك هذا الذي أحسست به من هذا النوع على أن ترحمهم وتعطف عليهم وتواسيهم وتعطيهم مما آتاك الله، وتمدهم بما يخفف عنهم آلامهم التي يقاسونها. فإذا قاسيت هذه الآلام في وقت من الأوقات تذكرت من يقاسيها في جميع الأوقات.
من موقع «صيد الفوائد»