العنوان هلا وضعتم للوسائل الإعلامية ضوابط
الكاتب طه جابر العلواني
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1984
مشاهدات 62
نشر في العدد 667
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 17-أبريل-1984
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته وسار مسيرته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد؛ فمنذ فترة ليست بقصيرة والرغبة تنازعني في الإسهام بخدمة الأحبَّة من قراء المجتمع بشيء، والإسهام مع محرريها في جهدهم المبارك إن شاء الله، وإن كان الزاد قليلًا والبضاعة مزجاة، وكانت تحول دون ذلك العوائق، وتصرف عنه الشواغل، وأحيانًا أهم بأمر الحزم فتأخذني الحيرة: أي جانب أتناول وفي أي لون من الموضوعات أكتب؟ ولكل الموضوعات الإسلامية حاجة ماسة تبلغ حد الضرورة أو تنزل عنه بقليل؟
لقد لفت نظري البارحة -شاب مسلم لا أعرفه- وجدته في المكتبة التي اعتدت شراء مجلة «المجتمع» منها في العاصمة الخليجية التي أقيم فيها، فلاحظت منه تصرفًا شد انتباهي وأثار فضولي، ذلك أنه تناول مجموعة من أعداد المجتمع وأخذ يغطي بها المجلات الأخرى في محاولة منه لإبراز «المجتمع» ولفت الأنظار إليها، وتغطية المجلات الأخرى، وأظنه قد غطى على ست أو سبع من المجلات الأخرى بست أو سبع من أعداد المجتمع الباقية ونفذ ما بيده منها، فأخذت منها عددًا ثم التفت إليه، وسألته عن السبب فيما فعل؟ فقال: يا أخي أنهم يضعونها في مكان بحيث لا يلتفت إليها، ويبرزون سائر المجلات الأخرى، فأردت أن أجعلها بحيث يستطيع القادم لشراء مجلة أن يراها، لعل قراءها يزدادون واحدًا وقراء المجلات الأخرى ينقصون واحدًا.
قلت له: تعالى يا أخي نحصي المجلات الأخرى من تلك التي تصنع تضييعًا لقتل الوقت أو تحريق البخور، أو إفساد الأذواق أو إشعال أوار الشهوات أو دس السم بالدسم، أو الترويج لسفاسف الأمور والصرف عن معاليها، أو لترويض العقول والأذهان، وخلط الحق بالباطل، والانتصار لأعوان الشيطان ومعاداة أولياء الرحمن: فأحصينا على رفوف تلك المكتبة الصغيرة «ثمانيًا وأربعين» مجلة أسبوعية ونصف شهرية وشهرية في مكتبة صغيرة من مكتبات الأحياء، عدا الكتب المسلسلة والجرائد اليومية والأسبوعية.
ثم لفت نظر الأخ إلى محاولة تصنيف هذه المجلات فكريًّا وتوزيعها بحسب الأهداف والغايات التي نستطيع افتراضها، أو التي أعلنها أصحاب تلك المجلات لعلنا نتلمس -بعد ذلك- معالم خارطة فكر الجيل الجديد، وطرائق رسمها فوجدنا أقلامًا من أقصى اليسار من أولئك الذين يؤمنون بالماركسية اللينينية في تطبيق أممي أو تطبيق عربي، وجدنا أقلامًا من أقصى اليمين من ذلك التي تأتم بالغرب -كما هو- وبكل ما فيه من كفر وإلحاد أو جفاف في ينابيع الأخلاق، أو صليبية حاقدة، أو صهيونية ويهودية ماكرة كافرة، ووجدنا أقلامًا بين ذلك كثيرًا وأقلامًا متأرجحة متذبذبة نراها اليوم في أقصى اليسار تحت ستار التحرر ومقاومة الرجعية والاستعمار، وتراها غدًا في أقصى اليمين تحت ستار وشعار الواقعية والمصلحة والعقلانية، ووجدنا بعد ذلك -فكرًا متنوعًا يتناول السياسة والاجتماع والدين والاقتصاد والأخلاق، وأنظمة الدنيا، وبعض قضايا الآخرة، وثقافة متنوعة كذلك وآدابًا وعلومًا وفنونًا تفرزها هذه الأقلام من خلال منطلقاتها الفكرية، ومذهبياتها المختلفة لتصب -كلها بعد ذلك- في عقل وقلب هذا الإنسان «المسلم» في الخليج.
نحن لا نريد إرهابًا فكريًا، ولا نقول: اكسروا هذا القلم أو ذاك، أو امنعوا صدور أو دخول هذه المجلة أو تلك ولكن نقول: لا بد من ضوابط فصحة فكر الأمة وسلامته أغلى وأثمن بكثير من صحة الأبدان والأجساد والمرض الفكري أو الاعتقادي أفتك بكثير من المرض الجسماني وإذا كانت الحكومات -مشكورة- تعني بصحة المواطن ومكافحة الأمراض والأوبئة وما يحملها، وتراقب الأغذية والأطعمة لتتلف الفاسد منها لئلا يدخل معدة المواطن - فإن ملاحظة الفكر الوافد، والمعتقد الفاسد، والتصور المنحرف، والحيلولة بينه وبين الوصول إلى عقول خالية، وقلوب طيبة غضة، أمر في غاية الأهمية، وحق مشروع للمواطن على الدولة، وواجب من أهم واجباتها.
وقد يقول قائل: أتريدون حجب الحرية عن الناس؟ فنقول: إن كان المراد حرية الإلحاد في دين الله، وحرية الكفر والردة في بلاد الإسلام والانحراف في ديار الاستقامة، فتلك حرية ملغاة لا نعترف بها، بل ندعو لمصادرتها ونحرص على كبتها، ونعلن ذلك جهارًا نهارًا.
وكذلك حرية الفساد والانحراف الأخلاقي في كل أشكاله وضروبه نرفضها ونقاومها، ونأبى إطلاقها كحرية التآمر والإجرام، والاعتداء على الحرمات، وانتهاك الكرامات، كل تلك الحريات ملغاة مرفوضة.
ففي حياة كل أمة من الأمم ثوابت لا ينبغي أن تكون في أي ظرف من الظروف موضع أخذ ورد، ولا يسمح لكائن من كان أن يحاول النيل منها تحت أي ستار، وفي ظل أي مبرر.
وانتماء هذه الأمة إلى الإسلام أهم الثوابت في حياتها وأبرزها، فكل ما يسيء إلى هذا الانتماء أو يزعزع الثقة فيه، أو يهدف إلى تمييعه أو تعويمه فلا ينبغي أن يعطى حرية سواء أتخذ شكل فكر جديد، أو ثقافة أو أدبًا أو فولكلورًا شعبيًا أو أي شكل آخر. وسواء أدخل ذلك في صيغة محاضرة أدبية، أو ندوة ثقافية، أو مقالة اجتماعية، أو درس تاريخي، أو تحليل سياسي، أو تعليق إخباري أو غير ذلك.
كما أن من الثوابت في حياة هذه الأمة أن أي دعوة أو ترويج لما من شأنه أن يحل في قلوب أبنائها عقيدة غير الإسلام بعد أن أنعم الله عليهم به أو يغرس في عقولهم غير التصورات الإسلامية، أو يوجد استعداد لشيء من ذلك، أو يزعزع العقيدة، أو يثير الشك بها، أو بجزء ثابت من أجزائها: يعتبر دعوة للردة وترويجًا لها، واعتداء على عقيدة الأمة، وتلك أمور معروفة أحكامها، ليس لأحد أن يتهاون فيها.
كما أن من الثوابت في حياة هذه الأمة أن هناك ضروريات خمسة لا غنى لأحد عن شيء منها، وقد فطر الإنسان على الحرص عليها والدفاع عنها، وعدم التفريط بشيء منها، ونزلت الشرائع بتنظيم شأنها، وتنظيم سبل حمايتها، تلك الضروريات هي: النفس والدين والعرض والعقل والمال.
والشريعة الإسلامية جاءت وأهم ما فيها من الأحكام والأوامر والنواهي: التكليفية منها والوضعية، العينية منها والكفائية، ما شرع لحفظ هذه الضروريات الخمسة التي لا حياة للإنسان بدونها، أو أن الحياة بدون بعضها دون حياة البهائم بكثير.
فمن أجل حفظ النفس شرع القصاص، ولحفظ الدين شرع الجهاد -والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعض مراتبه- ومن أجل حفظ الأعراض وصيانة الأنساب والأحساب حرم الزنا وشرع الزواج وسائر ما يتعلق به من أحكام، ولحفظ العقل حرمت الخمر والمخدرات وسائر ما يفسد العقول إفسادًا مؤقتًا أو دائمًا، ومن أجل حفظ المال شرع حد السرقة، وحرم أكل أموال الناس بالباطل بكل أنواعه، فأي محاولة للإغراء بانتهاك حرمة أي أمر من هذه الأمور الضرورية الخمسة، أو التنديد بأي حكم شرعه الله -تعالى- لحفظ ضروري من هذه الضروريات إنما هو تعرض لأهم مقدرات الأمة، واعتداء على ضروريات الجماعة.
إن الحكومات -مشكورة- لا تسمح بنشر إعلان صريح يدعو مثلًا إلى قتل الناس، أو نهب أو سرقة أموالهم أو دفعهم إلى الجنون مثلًا، ولكنها تغفل أو تتغافل عن كثير من الوسائل الإعلامية التي من شأنها أن تهون في نفس المسلم أو المسلمة الزنا بشتى الوسائل، وفي الزنا انتهاك للعرض الذي هو واحد من ضروريات الإنسان الخمسة، التي جاءت شريعة الله لحفظها ولولا ذلك التغافل والتهاون لما وجد الجنس الثالث، وأشباه الجنس الثالث.
وقد تغفل أو تتغافل عن مقالة أو مسلسلة أو تمثيلية أو فيلم أو نحوه يسخر من تشريع من تلك التشريعات التي شرعها الله -سبحانه- لحفظ واحد من تلك الضروريات.
وقد تغفل أو تتغافل عن وسيلة إعلامية تزعزع العقيدة الإسلامية، أو تبذر بذور الشك في جزء من أجزائها، أو تدفع إلى الإعجاب بما يناقضها. وقد تغفل أو تتغافل عن أية وسيلة إعلامية تهون أمر الردة، وتعتبرها حقًا شخصيًا لمن يريد، وفي ذلك تفريط بحفظ الدين وهو ضرورة من أهم الضرورات الخمسة.
إن العقوبات القانونية آخر الوسائل وأقلها غناء في الزجر عن الجريمة، ولكن الوصول إلى منع الجريمة بكل أنواعها فكرية واعتقادية أو سلوكية أو جريمة اعتداء على ضروريات الجماعة أو حاجياتها -لا يتم إلا بتحقيق جملة من الوسائل، في مقدمتها وجود العقيدة الصحيحة والفكر السليم في ضمير كل فرد، وشيوع الخير والمعروف واستحسان كل خصاله، واختفاء المنكر والشر واستقباح كل خصاله، ووجود عرف عام في ذلك وإلف، وعادة تجعل كل خصلة من خصال الخير مألوفة محببة قريبة إلى القلوب والنفوس، وكل خصلة من خصال الشر والانحراف غريبة مستنكرة تعافها القلوب، وتشمئز منها النفوس، بذلك يمكن أن توجد البيئة الطاهرة النظيفة التي ينبت فيها الناس نباتًا حسنًا لا نباتًا شاذًا منحرفًا.
أما أن تفتح البيئة لكل الأصوات، وتنشر الصحف لسائر الأقلام وتخلط الأمور أمام أنظار ناشئة الأمة وشبيبتها بحيث يعجزون عن تمييز الحسن من القبيح والجيد من الرديء فتلك الفوضى بعينها.
أو هي كما يقال: ألقاه في أليم مكتوفًا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء.
إنهم يزعمون أن هذه هي الحرية، ولست أدري أتتاح الفرصة لأي من أصحاب هذه الأصوات والأقلام أن يوجه أي نقد للفكر الشيوعي السوفيتي أو الفكر الشيوعي الصيني داخل أي من البلدين، أو يظهر أي شيء يناقض الأعراف التي أفرزها ذلك الفكر؟
وفي الغرب هناك ثوابت كذلك ليس لأحد أن يتعرض لها بالنقد والتنديد إلا وفق ضوابط معينة.
إن أجيالنا التعيسة المسكينة هذه تسلطت عليها سائر الميكروبات الفكرية والاعتقادية وغيرها، وامتحنت في كل شيء دون أن تزود بأية مناعة، فلا زودتموها بالمناعة ثم أطلقتم عليها ما أطلقتم؟!
ما أحوجنا -اليوم- إلى ضوابط مدروسة تنظم وسائلنا الإعلامية وتحمي عقولنا وأفئدتنا وأمتنا من هذه الفوضى التي أتت على أجزاء كثيرة من بلادنا ومجتمعاتنا قبل أن يحدث الطوفان، ويؤتي على البقية الباقية منها إن كانت هناك بقية: فالله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين ولنا إلى هذا الموضوع عودة إن شاء الله.