العنوان هل التطبيع مع الشعوب المسلمة ممكن؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 65
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 43
الجمعة 06-يناير-2012
مازالت مقولة أمير الشعراء شوقي -يرحمه الله- التي قالها حينما نُفي من مصر زمن الاحتلال الإنجليزي تُقال اليوم:
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
شهد الله لم يغب عن جفوني
شخصه ساعة ولم يخل حسي
أحرامٌ على بلابله الدوح
حلالٌ على الطير من كل جنس؟
فقد نُفي -يرحمه الله- وهو شاعر مصر الوطني، ومجاهدها اللسن إلى أقصى المعمورة هو ورفاقه من الوطنيين العظماء، وسُجِنوا في قعر مظلمة، والمحتلون الأوغاد وعملاؤهم في مرابع البلاد، وعلى ضفاف أنهارها يمرحون وينعمون.
إن أي إبعاد للمخلصين في أي بلد عن أوطانهم، جريمة لا تُغتفر، وإن أي تقارب لأعداء الأمة كارثة لا تُحتمل، ومن يقم بها يكن قد أرجع الأمة إلى عهود الإستعمار والإستعباد الأجنبي، ودلل على عمالته وخيانته، وسيتعرف التاريخ على نفسه، وستنضم العهود بعضها إلى بعض، وسينادي الظلم على مثيله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون.
لماذا لا يريد البعض أن تلملم الأمة جراحها، وتضم شعثها؟ لماذا لا يريدون لها وئامًا أو إتحادًا؟ لماذا يمشون إلى اليوم بسياسة «فرّق تَسُد»، وهي سياسة الإستعمار من قديم؟ لماذا تبقى الأحكام العرفية سيفًا على رقاب الأمة، وخنجرًا في صدرها، وشوكة في حلقها؟ والأسئلة في الحقيقة كثيرة ومتنوعة، تقتضي الإجابة عنها ومدارستها حتى يستطيع الإنسان أن يعرف موطن الداء وعوامل التأثير في المنظومة السلطوية التي تُسيّر الأمور في الأمة من ذلك ما يلي:
1- لماذا ساعد وجود الصهاينة على تهميش الإسلام وحماية الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة واضفاء الشرعية على تسلطها، وتوفير الأعذار لها في ضربها للحركات الإسلامية وكوادرها، وغضها الطرف عن جرائمها؟
2- لماذا أرتمت الأنظمة في أحضان المذاهب المنحرفة من شيوعية وإشتراكية وفوضوية، وأخيرًا علمانية، وذاقت الشعوب من هذا الإرتماء المر والعلقم، ولم تفكر ولو للحظة واحدة أن تأخذ بالمنهج الإسلامي العظيم ولو لسنة واحدة، ولم تسمح حتى بقيام حزب على أساس المنهج الإسلامي والأمة إسلامية، و دستورها يعترف بالإسلام دينًا ودستورًا؟
3- لماذا تغض أمريكا الطرف عن إنتهاكات حقوق الإنسان في الوطن العربي وفي بعض البلاد العربية والإسلامية، تُجرى المذابح هنا وهناك، حتى إن بلدًا مثل الجزائر قد فني فيه حوالي ١٠٠ ألف نسمة، وفي غيره من بلاد الأمة العربية يُصطاد الناس على قارعة الطريق، ويعيش على سياسة الضرب في المليان، وأمريكا التي تتباكى على حقوق الإنسان في العالم، وتدّعي أنها الملاك الطاهر الذي يطارد الشيطان الرجيم في كل مكان من ليل أو نهار فرحًة بهذا؟!
4- لماذا تلوذ أمريكا حامية الحرية -كما تقول- بالصمت، وتخلد إلى الدعة والإحترام والتجلة، وهي ترى الديمقراطية تُداس بالنعال، وتُركل بالأقدام في البلاد العربية وفي العالم الإسلامي، وخاصة في الشرق الأوسط، وفي بلاد العالم تحاكم أمريكا أي نظام وأي دولة ديمقراطية، وتعقد على تنفيذها الولاء والبراء، والصداقة والعداوة؟ ولكن أمريكا لا تريد أن ترى للشعوب العربية رأيًا، أو تنظر لها تقدمًا، ولهذا فالولاء والبراء عندها في الشرق الأوسط لتنفيذ السياسات الأمريكية، وصداقة الدولة العبرية، والتنازل للصهيونية، وبيع الأرض العربية والمقدسات الإسلامية، وكل ذلك في مقابل حماية الكراسي والأنظمة الدكتاتورية.
5- لماذا تتحرك أمريكا ومعها بلاد الغرب قاطبة إذا أنتُهكت حرية علماني أو داعية لهدم الشريعة، أو الطعن فيها؟! إن قعود أمريكا عن مطالبتها بالحريات حتى وإن ساعد ذلك التيار الليبرالي، هو خوفها من أن يستفيد من ذلك الإسلاميون، ولقد سقطت الأقنعة والإدعاءات التي كانت تتذرع بها الأنظمة ومعها الغرب الداعم .إدعاءات أن الإسلاميين لا يعترفون بالحريات ولا بتداول السلطة، ولا بصناديق الإقتراع، فإذا بالإسلاميين يؤيدون الشورى «الديمقراطية الملتزمة بالدستور»، ويلتزمون بتداول السلطة، ويرضون بحكم الشعب المسلم، ويعترفون بقوانين الإنتخابات، ولكن هل يرضي هذا السادة من أصحاب السلطات، والسادة من المستعمرين الذين يتحكمون في مصائرنا ونحن في القرن الحادي والعشرين؟
يجب أن يعلم البعض ممن يملكون زمام الأمور أنهم يعودون بالأمة إلى أزمنة سحيقة كانت تنعم بالهمجية والتسلطية والفرعونية، وقد ذهب ذلك الزمان وذهبوا، ورحلت تلك الهمجية ورحلوا، لقد كان فرعون يقول لشعبه ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (سورة غافر: 129)، فأين الفراعنة؟ كانت ملوك أوروبا في الأزمنة الخوالي يفعلون الشيء نفسه، ويرددون ما قاله «لويس الرابع عشر»: «الدولة هي أنا»، وما قاله «لويس الخامس عاشر» عام ۱۷۷۰م: «إن حق إصدار القوانين التي يخضع لها رعايانا هو حقنا نحن بدون قيد أو شرط وبدون شريك»، وما قاله عام ١٧٦٦م: «إن النظام العام كله ينبع مني، وكل حقوق الأمة ومصالحها هي بالضرورة مصالحي وليس لها مكان إلا بين يدي»، فاين هؤلاء؟ وأين أقوالهم؟ لقد ذهبوا ملعونين أينما ثُقفوا، وإلى غير رجعة.
كما يجب أن يعلموا جيدًا أن الأمة الإسلامية التي ترعرعت في ظلال القرآن لن ترضی به بديلًا وهي وإن تسلط عليها قبل بعض المارقين فيها، فما أفلتتهم لأن القرآن دائمًا ينادي في الأمة، ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (سورة المائدة: ٤٩)، ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة الممتحنة: ١٠)، فلم يكن لأحد ولا للصادق الأمين أن يحيد عنه، وليس مباحًا لأحد ولو كان الرسول ﷺ نفسه أن يستعلي أو يُستثنى أو يخرج عن القاعدة العامة في إلتزامه بالدستور القرآني الذي يفرض المساواة والحرية والإستعلاء لكل الناس، لأنهم ولدوا أحرارًا، ولا يستطيع أحد أن يلزمهم بشيء، لا يريدونه ولو كان دينًا، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (سورة البقرة: ٢٥٦).
يجب أن تلتفت سلطات الشرق إلى الحقائق قبل أن تلفتها الحوادث، وتقرعها الآيات، وتسحلها الجماهير التي طال صبرها، وعظم تحملها، كما أنها لن تستطيع أن تُطفئ نور الله، أو تطمس هداه أو تمتع رسالته، حتى وإن أعادت تاريخ الهمجية وضلالات الجاهلية، وأحتمت بكل البشرية ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 21).