; هل الحجاب رَدة حضارية؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل الحجاب رَدة حضارية؟

الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يناير-1988

مشاهدات 68

نشر في العدد 851

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 12-يناير-1988

•       الشيوعية تتقهقر في عقر دارها وهي في حالة احتضار الآن.

•       الحجاب قمة الحضارة، وكلما قرب الإنسان من التحضر، ستر عورته أكثر.

عقدت في القاهرة، في جمعية تضامن المرأة العربية، ندوة حول تأثير التغييرات الاقتصادية على وضع المرأة المصرية. وقد تحدث في الندوة كل من الدكتور جلال أمين، والدكتورة نوال السعداوي، والدكتور محمود عبد الفضيل، والدكتور فرج فودة. وقد نشرت جريدة الأهالي المصرية في عددها الصادر بتاريخ 4 نوفمبر 1987، ملخصًا لما دار في الندوة. فكان مما قاله جلال أمين: إن الحراك الاجتماعي الذي شهدته مصر خلال العشرين عامًا الأخيرة، وخاصة في صفوف الطبقة الوسطى عن طريق الهجرة إلى دول النفط، حقق انتعاشًا لهذه الفئات على الصعيد الاقتصادي، مع خوفهم من التأثير السلبي لهذا الانتعاش على ما يعتقدون أنه الأخلاق والفضيلة، خاصة أن انتعاش هذه الفئات رفع من قدراتها الاستهلاكية، وإحلال المرأة مكان الزوج الغائب، وقيامها بدور اجتماعي أكبر، وأدى ذلك إلى حدوث هذه الردة المتمثلة في ارتداء الحجاب والنقاب. أما فرج فودة فقد قال: إن ظاهرة ارتداء الحجاب والنقاب ترجع إلى عوامل متعددة، وأنها في معظمها تخرج عن إرادة المرأة ورغبتها. وقال: إن مصر تعيش ردة حضارية عامة، أحد مظاهرها هو ارتداء النقاب. وذكر محمود عبد الفضيل أن ظاهرة الحراك الاجتماعي الذي شهدته مصر قد شملت المجتمع بأسره، وإن كانت أكثر حدة في الطبقة الوسطى. وقال: إن الانتعاش الاقتصادي لهذه الفئات الوسطى لم يشمل أفكارها، وبالتالي فإن هذا التغيير شمل السطح فقط دون الجوهر، وأبقى على الأفكار القديمة والرجعية. أما نوال السعداوي فقد قالت: إن ظاهرة ارتداء الحجاب تعكس نظرة متخلفة للمرأة، وتعتبرها مصدرًا للإثارة الجنسية فقط، وليس مصدرًا لقيم اجتماعية مثل العمل والنشاط الاجتماعي. وقالت: إن الحجاب والنقاب يماثل في جوهره سفور المرأة، وتعرية جسمها؛ لأن كلا الموقفين يعكسان النظرة المتخلفة للمرأة باعتبارها سلعة.

هذه الأقوال تمثل الحنق والانزعاج عند اليساريين والعلمانيين من ظاهرة إقبال الشباب على الدين، ونبذ الأفكار التي كانت سائدة في الخمسينيات والستينيات. فقد أفقدهم ذلك صوابهم، وجعلهم يتخبطون في آرائهم حول هذه الظاهرة، وأنساهم ذلك أن الشعب المصري شعب عريق في إسلامه وفي حضارته، كما تناسوا أن ظاهرة رجوع الشباب إلى الدين ليست خاصة بمصر، وإنما هي ظاهرة عمت العالم الإسلامي، بعد أن رأت الشعوب أنها كانت مخدوعة ببعض الأفكار التي ترى التقدم والحضارة مرتبطة بتقليد الغرب في كل صغير وكبير، وما يُحب منه وما يُكره، وما يُحمد وما يُعاب. فمن من المسلمين لا يعرف أن الله سبحانه وتعالى قد فرض الحجاب في القرآن، وأنه عندما تتحجب المرأة إنما تطيع الله، وعندما تخلع الحجاب إنما تعصيه؟! فهل عندما تترك المرأة المسلمة معصية الله، وتعود إلى رضوانه بالامتثال لما فرضه في قرآنه يُعد ذلك ردة حضارية؟ إذا كانت الحضارة تتمثل في كشف رأس المرأة ونحورها، وصدرها وساقيها وذراعيها، فبئس بها من حضارة.

إنهم ما زالوا يُصرون على فهم الحضارة فهمًا خاطئًا، ويريدون أن نأخذها بحلوها ومرها، وما يُحمد منها وما يُعاب. إن هناك نساء مسلمات متحجبات ملتزمات بالدين أرقى في العلم والمعرفة من كثير ممن تمثلهن نوال السعداوي، ويقدمن خدمة لمجتمعاتهن، وأكثر عملًا ونشاطًا من أولئك الذين تحدثوا في الندوة. فمنهن الطبيبة والمهندسة والأستاذة في الجامعة، فأين التخلف والرجعية إذًا؟ وهؤلاء الناقمون على الحجاب لن ينزعجوا، ولن يضيرهم إذا تحجبت النساء الجاهلات؛ لأن الحجاب في رأيهم ملازم للجهل. ولكن الذي يثير حفائظهم أن يروا الجامعيات والمثقفات متحجبات؛ لأن ذلك يسقط حجتهم، ويقضي على أفكارهم الخادعة. لو كان هؤلاء منطقيين مع أنفسهم لقالوا: إن الحجاب هو قمة الحضارة؛ لأن الإنسان بدأ عاريًا وما زال سكان الغابات عراة، وكلما قرب الإنسان من التحضر ستر عورته.

والدكتورة نوال السعداوي تقول: إن الحجاب والنقاب يماثل في جوهره سفور المرأة وتعرية جسمها؛ لأن كلا الموقفين يعكسان النظرة المتخلفة للمرأة باعتبارها سلعة. ولا أدري بأي منطق تتحدث الدكتورة، فهل هي استنكرت العري وما يجري في الشرق والغرب من استخدام المرأة في الدعايات ومسابقات الجمال وعروض الأزياء؟ لقد ظهرت في الستينيات موضة الميني جيب والميكروجيب في لباس المرأة، فهل استنكر هؤلاء ذلك؟ الآن فقط يقولون إنه مثل الحجاب تمامًا، فهل الحجاب جاء به الغرب كما جاء بالعري، أم أن الحجاب أمر به الله المرأة المسلمة قبل أن يكون للغرب أي نفوذ على المسلمين؟

يلاحظ القارئ أن بعض المتحدثين في الندوة يرجع ظاهرة الحجاب إلى عوامل اقتصادية، بل هذا يتضمنه عنوان الندوة، وهذه عادة الشيوعيين في إرجاع كل شيء إلى عامل اقتصادي، انطلاقًا من النظرية الشيوعية في تفسير الأحداث والتاريخ تفسيرًا ماديًا. وحتى الإسلام نفسه أرجعوا ظهوره إلى عامل اقتصادي في الجزيرة العربية، ونراهم في مسألة الحجاب يتخبطون في تطبيق هذه النظرية، فبينما نرى هؤلاء يرجعونه إلى الانتعاش الاقتصادي، نرى آخرين يرجعونه إلى الأزمة الاقتصادية.

وهكذا استبدت بهم الحيرة أمام المتغيرات التي قلبت عليهم موازينهم، كما قلبت موازين إمامهم ماركس من قبل، عندما تنبأ بأن تقوم أول ثورة شيوعية في بريطانيا أو ألمانيا، باعتبارهما متقدمتين اقتصاديًا في ذلك الوقت، فقامت في روسيا الأقل تقدمًا.

وقد كانوا يقولون إن العالم يتجه نحو الشيوعية والأممية، فصدمهم الواقع الآن وهم يرون الشيوعية تتقهقر في عقر دارها. ولا نبالغ إذا قلنا إنها في حالة احتضار الآن.

صُدم الشيوعيون في العالم الثالث بالمتغيرات التي تحدث في الاتحاد السوفيتي والصين. ولا ندري هل يعتبرون ذلك ردة عن الشيوعية أو تحريفية، كما كانت تصف ألبانيا السوفييت بعد ستالين، وتصف الصين بعد ماو تسي تونغ. إنهم لن يستطيعوا أن يدينوا هذه المتغيرات، وإلا فقدوا الدعم الذي يوفره لهم الاتحاد السوفيتي مقابل ولائهم له. لذلك فهم لن يُعدوا التبريرات لهذه المتغيرات، كالقول إن هذه المتغيرات تجري في إطار الاشتراكية لا خارجها، وسيرددون ما قاله غورباتشوف في الذكرى السبعين لثورة أكتوبر، إن هدف التغيير هو الاستعادة النظرية والعملية التامة لمذهب الاشتراكية اللينيني.

قولوا ما شئتم فإنه لا بقاء إلا للأصح، وكلما تقلص الاستبداد وزاد الوعي عند الناس، رجعوا إلى الصواب. والنساء المسلمات اللواتي تحجبن قد استجبن لله الذي خلقهن، فلن ينفعهن في دنياهن وأخراهن إلا هذه الاستجابة؛ لأنها هي الحق الذي لا مراء فيه، مهما ألبسوه من أثواب التقدم والحضارة. والله سبحانه وتعالى قد ضرب مثلًا للحق والباطل، فالحق هادئ ساكن لكنه باق ودائم لا يذهبه شيء، والباطل زبد يتبدد بسهولة رغم حجمه ولونه. ولنتأمل هذه الآية، قال تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ * لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (الرعد:17–18).

فالحجاب هو تمسك بالإسلام وبالحضارة معًا، أما التبرج والسفور ورفض أوامر الدين فهو الردة. والذين يتشبثون بواقعهم الفاسد المعوج يخدعون أنفسهم إذا ظنوا أنهم تقدميون، والحق أنهم جامدون على ما ألفوا من أوضاع غير صحيحة، ولم تتسع آفاقهم لغير ما قرأوه في الثقافة الغربية، وما وضعوا أنفسهم فيه من قوالب أُعدت لهم من مفكري الشيوعية والعلمانية، وصموا آذانهم عما يقوله الإسلام ويقوله الآخرون، ولا يستطيعون أن يدعوا أنهم أكثر من غيرهم ثقافة وعلمًا. وإذا اتهموا غيرهم بالتشنج، فهم أكثر من متشنجين، يدافعون عن مراكز احتلوها في غفلة من الزمن. وأعتقد أنهم إذا فتحوا صدورهم وقلوبهم للحق، ونظروا فيما يصلح مجتمعاتهم نظرة مخلصة، وراجعوا مواقفهم وأفكارهم مراجعة كاملة، سيتركون ما هم عليه، وسيرون إن شاء الله أن الحجاب ليس ردة حضارية. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

448

الثلاثاء 12-يناير-1971

الشورى أم الاستبداد؟ (3)

نشر في العدد 38

0

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

الشورى  أم الاستبداد!